عناوین:

كيف دفن صيني أمه المقعدة وهي حية ترزق في حفرة ضيقة!

5/21/2020 6:57:01 PM
12328 مشاهدة
مريم مشتاوي
+ -

“الجنة تحت أقدام الأمهات”. نعم هي كذلك. فأنا فعلا أؤمن بأن أمي ملاك يسير فوق الأرض.
أذكر كيف كانت تنورتها ملجأي في صغري.. كنت أخبئ وجهي خلفها حين ينتابني الخجل. وكان صدرها منبع الحنان. أتغلغل فيه حين أخاف من نتيجة الامتحانات.
وكم مرة غنيت لها: “أمي يا ملاكي يا حبي الباقي الى الأبد‬… ولا تزل يداك أرجوحتي ولا أزل ولد”.
فهل هناك حب أقوى وأصفى من حب الأم لطفلها؟
كانت وما تزال قوتي وفخري وإيماني!
علمتني الصلاة. كانت تقف قرب سريري كل ليلة لنصلي معا.
ومنها تعلمت درس إضاءة الشموع.
وبت لا ألتفت إلى ذوبانها، ولكن أركز في نورها. تبهرني تلك الشعلة الصغيرة التي تضيء ولوقت قصير لتنقذ أحدهم وهو غارق في عتمته.
علمتني أن المحبة ترفعني إلى أعلى مراتب الفرح. هكذا بت أذوب كالياسمينة بين يدي كل من يصافحني بحب.
أخبرتني أمي أن ماء الورد هو عصارة دموع الملائكة التي تتقاطر فوق وجوههم في لحظات الخشوع الكبرى. فكنت أرى في دموعها كل آيات الحب والغفران.
كانت إحدى هواياتها الخياطة والتطريز، التي تعلمتها من إحدى صديقاتها في سكن الممرضات، كما أخبرتني حينها.
كانت تجلس ساعات طويلة تتفنن في تطريز الأغطية والستائر والملابس بشرائط الساتان والخرز الملون، وتختار غالبا ألوانا تناسب شخصيتها الهادئة، مثل الأبيض الملائكي والأزرق السماوي ولون الزهر الطفولي. تجلس على الأرض ساعات تلف الخيط حول الإبرة بعناية وحـدة وإصـرار، وكأنها تلف ذكرياتها، قبل أن تعقد الحبل وتعدمها مرة واحدة. ثم تغرز الإبرة في القماش في طريقة توحي بأنها تعيد خياطة حياتها من جديد. وحين تبدأ بتزيين القماش تبتسم عيناها ويدخل فيهما ضوء أبيض شارد.
هكذا تثبت أمي أحلامها الجميلة مكان الذكريات التعيسة، وتفتح في القماش المحيط بها نهارات وليالي مضيئة بالأقمار والشموس والقناديل الساهرة والشموع الشامخة. هكذا تخرج من عينها فراشات وعصافير وسحليات ملونة تنسجها بحب فتعيد للعمـر زمنه الضائـع وللألوان ألوانهـا وللأضـواء أضواءها.
كبرت وما زالت أمي هي سمائي الهادئة، والوسائد الغيمية البيضاء التي تغافل الليل وتهبط لأنام عليها ثم ترتفع بي نحو الفضاء الشاسع لأستمتع بغناء النجوم. هي الوجه الذي يمنحني السلام والطمأنينة، وكلما نظرت إليه تساقطت بين يدي مشتقات الأزرق والأبيض والزهري.
أمي مثل أمهات العالم. لا تختلف عنهن في شيء.
معظمهن ملائكة ينرن لنا الدروب ويشعلن أصابعهن قناديل محبة.
وكلنا نعيش بأنفاسهن. ولا تحلو لنا الحياة إن غابت وجوههن عنا.
ولكن قد نسمع أحيانا ببعض القصص الشاذة التي تسير عكس الطبيعة. مثل شاب طرد أمه من منزله وآخر شتمها أو منهم حتى من يجرؤ على ضربها. ننهار أمام تلك القصص ونشعر بالعجز والغضب أمام امتهان هذه الملائكة، التي تمشي فوق الأرض الأم المعذبة.
ولكن مهما تصل قدرة الإنسان على القيام بالشر، لم أتخيل يوما أن أسمع بقصة رجل يدفن أمه المقعدة وهي حية ترزق.
لقد انتشرت مؤخرا على بعض الفضائيات العربية والأجنبية حكاية مؤثرة جدا من مقاطعة شانشي الصينية. تدور حول رجل خمسيني متزوج وله أم مقعدة عجوز تعيش معه.
خرج الابن يوما جارا أمه المتعبة على عربة وعاد عند الفجر من دونها.
سألت الزوجة عن حماتها، فأجابها بأنه أخذ والدته للإقامة عند أقاربه. ولكنها لم تصدقه ولم تقتنع بإجابته فاتصلت فورا بالشرطة خوفا على المرأة العجوز.
وعندما حققت الشرطة مع الرجل اعترف بأنه دفن أمه حية منذ ثلاثة أيام في حفرة مهجورة في جبل.
لقد دفن والدته المقعدة البالغة من العمر 97 عاما في حفرة ضيقة مظلمة تحت الأرض.
أسرع رجال الأمن إلى مكان الجريمة وأخرجوا جثة العجوز وغطوها بشرشف أبيض. ولكن لم تمر ثوان حتى بدأت الجثة تتحرك.
العجوز لم تمت! إن قدرة الله لا تعلو قدرة عليها.
هكذا أخذوها بسرعة إلى مستشفى قريب وقدموا لها كل الإسعافات اللازمة وهي اليوم في صحة جيدة.
تلك السيدة ربت ابنها وسهرت على تعبه ومرضه حتى أصبح شابا. زوجته واستمرت في مساعدة أسرته وإعانتهم على تخطي مصاعب الحياة.
وبدل أن يقدس ابنها التراب، الذي تدوسه قدماها، قام بدفنها وعيناها ما زالتا ترشحان حبا وغفرانا.
كيف يستطيع بعض البشر أن يحملوا في قلوبهم كل هذا الكم من القسوة والجحود؟ لا، ليسوا بشرا.

البوم الصور