عناوین:

التغيير الديمغرافي القسري في العراق

5/14/2021 4:54:02 PM
4783 مشاهدة
يحيى الكبيسي
+ -

شهد العراق تاريخيا أكثر من عملية واسعة للتغيير الديمغرافي فرضتها جملة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فمن يراجع الدراسات المتعلقة بالتغيير الديمغرافي في مدينة/ محافظة بغداد في سنوات الأربعينيات والخمسينيات سيجد تحليلا لطبيعة التغيير الديمغرافي الذي شهدته بغداد بسبب الهجرات الكثيفة إليها من المدن والمحافظات الأخرى؛ فقد بلغ عدد الوافدين من محافظة العمارة/ ميسان وحدها ما يقرب من 6.5٪ من مجموع سكان محافظة بغداد البالغ عددهم 817205 نسمة وفقا للتعداد السكاني العام 1947، لتصل النسبة إلى 8.74٪ في التعداد السكاني لعام 1957، فيما شكل الوافدون من محافظة لواء الدليم/ الأنبار ما نسبته 1.68٪ في العام 1974 و1.57٪ في العام 1957. ومراجعة الأرقام المتعلقة بالتغييرات الديمغرافية في مدن/ محافظات نينوى والبصرة تكشف عن الظاهرة نفسها.
ولكن العراق شهد أيضا محاولات تغيير ديمغرافي قسرية، قامت بها الدولة نفسها، تحديدا في محافظة كركوك، لأسباب تتعلق بطبيعة الصراع القومي على المدينة/ المحافظة. فقد شهدت محافظة كركوك تحولات ديمغرافية واسعة نتيجة الهجرات ذات الطبيعة الاقتصادية أو الاجتماعية في السنوات التي أعقبت اكتشاف النفط فيها عام 1927، ومشاريع الري الواسعة التي شهدتها المحافظة في الخمسينيات، ومقارنة سريعة بين الإحصاء السكاني الذي قامت به لجنة الموصل التي شكلتها عصبة الأمم المتحدة في العام 1925، والإحصاءات السكانية اللاحقة في الأعوام 1947 و 1957 و 1965، تكشف حجم التغيير الديموغرافي الذي طال المدينة/ المحافظة. ولكن السبعينيات والثمانينيات شهدت محاولات «تعريب» قسرية قامت بها الدولة، وذلك عبر إحداث تغيير ديمغرافي منهجي عبر التعيينات الحكومية من جهة (تعيين موظفين عرب من محافظات أخرى في المدينة/ المحافظة وتوطينهم فيها مع عوائلهم)، أو عبر تقديم مغريات مادية للعرب من المحافظات الاخرى للانتقال اليها، أو عبر ما سُمي بتصحيح القومية وذلك عبر تسجيل أعداد من الكورد والتركمان على أنهم عرب، وأخيرا عبر إجراءات طرد منهجي للكرد من المدينة/ المحافظة بطرق مختلفة.
في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي صدر في العام 2004، والذي كان بمثابة الدستور المؤقت، كان ثمة إشارة صريحة إلى موضوع التغيير الديمغرافي القسري تحت عبارة «Altering the demographic character» التي ترجمت في النسخة العربية من القانون إلى «تغيير الوضع السكاني» الذي أجراه نظام البعث في مناطق معينة من العراق (المادة 58/ أ)، وإلى ضرورة أن تقوم الحكومة الانتقالية بمعالجة ذلك من خلال خطوات محددة (إعادة الأفراد الذين نقلوا إلى هذه المناطق إلى مناطقهم الأصلية، وإعادة من أجبروا على الهجرة من هذه المناطق، وإلغاء القرارات المتعلقة بتصحيح القومية).
ولكن ما لم يدر بخلد الأمريكان الذين كتبوا قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، هو إمكانية أن يشهد العراق تغييرات ديمغرافية قسرية على أساس الهوية القومية أو المذهبية بعد نيسان 2003، وبوتيرة أوسع مما جرى سابقا، وبتواطؤ صريح من الدولة نفسها، أو من يمثلها، إن لم يكن بتدخل مباشر منهما، وكان الهدف الرئيسي تصنيع خطوط تماس قومية ومذهبية، والتأسيس لمناطق صافية طائفيا!
فقد شهدت مدينة/ محافظة كركوك تغييرا ديمغرافية مضادا بعد العام 2003، لا علاقة له بالإجراءات التي نص عليها قانون إدارة الدولة، والتي تبناها الدستور العراقي لعام 2005 بالكامل. وكان أول عمل قامت به قوات البيشمركة الكردية عند دخولها المدينة هو حرق سجلات النفوس في المدينة، أي السجلات المتعلقة بالسكان، والتي وصفها المرحوم جلال الطالباني يومها بانها «سجلات بعثية عفلقية»، وبالتالي لم نكن امام تغيير في الذهنيات والسلوك، بقدر ما كنا أمام تغيير في الأدوار، من هيمنة الحكومة المركزية وشرعنة ادعاءاتها وإجراءاتها بالقوة، إلى هيمنة الحزبين الكرديين ومن ثم شرعنة ادعاءاتهما وإجراءاتهما بالقوة!
كما كانت الأقليات العراقية، على اختلاف أطيافها، الأكثر استهدافا في عمليات التغيير الديمغرافي القسري، وإذا كان البعد الآيديولوجي للجماعات المسلحة عاملا رئيسيا في تسويغ هذا الاستهداف، فإن العوامل السياسية، والصراع القائم على الأرض – بوصفه جزءا من الصراع على السلطة والثروة في عراق اليوم – لم تكن غائبة عن عمليات الاستهداف هذه. فقد اضطُر المسيحيون واليزيديون والصابئة إلى نزوح واسع النطاق بعد نيسان 2003، سواء بسبب استهدافهم المباشر كأقليات دينية او إثنية أو كليهما، أو كنتيجة لاستخدامهم أوراقا في إطار الصراع الأكبر بين الجماعات العراقية الرئيسية. ولا يمكن الوقوف بشكل دقيق على حجم هذا النزوح الذي شمل مناطق واسعة، من البصرة إلى العمارة إلى بغداد إلى الموصل، بسبب عدم وجود إحصاءات موثوقة من جهة، وبسبب الاستخدام السياسي لهذه الأرقام، لكن النتيجة النهائية أن هذا النزوح وما نتج عنه من تغيرات اجتماعية وديمغرافية وجغرافية أحدث تصدعات حقيقية في بنية المجتمع العراقي التاريخية.
وكانت الحرب الاهلية التي أعقبت استهداف مرقد الإمامين العسكريين في شباط 2006، وتركزت في بغداد تحديدا، حاسمة في إحداث تغيير ديمغرافي داخل المدينة/ المحافظة، لكن ذلك لا يعني أن عمليات التغيير الديمغرافي القسرية لم تكن حاضرة قبل ذلك! فقد شهدت منطقة المدائن وامتدادها وصولا إلى مناطق شرق القناة عمليات تغيير ديمغرافي قسري ذات طابع طائفي قبل ذلك التاريخ، في سياق ما سمي حينها بمشكلة «حزام بغداد السني» الذي رافقه خطاب سياسي حول «هوية بغداد» انتقل إلى نص الدستور الدائم نفسه، وتحديدا في المادة 11. كما كانت مناطق الكرخ التي تنفتح على حزام بغداد أمام تصنيع خطوط تماس مضادة، فمناطق الدورة والغزالية والعامرية التي تنفتح على مناطق هور رجب وأبو غريب كانت تشهد أيضا عمليات تغيير ديمغرافي قسري ذات طابع طائفي.
أما بعد حادثة سامراء فإن سياسات التغيير الديمغرافي القسري، تحديدا في مدينة بغداد، أخذت بعدا استراتيجيا واضحا، حيث المحاولات الواضحة، منذ اللحظة الأولى، لخلق مناطق صافية طائفيا وبشكل منهجي. ولم يكن للدولة/ الحكومة في حينها أي دور في وقف هذه العمليات، بل إن الكثير من الشواهد تؤكد تواطؤ الجهات الرسمية، وعلى أعلى المستويات في هذه العملية. سواء عبر التهديدات المباشرة التي تطال سكانها، وتدفعهم الى الهجرة القسرية المباشرة بسبب الخوف من الاعتقال العشوائي أو التصفية، وقد بلغ عدد النازحين والمهاجرين عن المدينة/ المحافظة ما بين 12 % إلى 15 % من سكانها على أقل تقدير. وبرغم من تراجع حدة العنف في مرحلة لاحقة، لكن الوقائع المتعلقة بالمناطق الصافية طائفيا، وخطوط التماس ظلت قائمة على الأرض!
وبعد انتهاء تداعيات عملية سامراء، لم تتوقف عمليات التغيير الديموغرافي القسري؛ فقد شهدت محافظة ديالى بداية من منتصف عام 2013 عمليات منهجية في هذا الاتجاه، في سياق صراع ذي طابع طائفي/ مذهبي تعكسه الخطابات السياسية للمتصارعين، ومرة أخرى كانت الدولة طرفا في هذا التغيير الديمغرافي القسري عبر دعمها، او على الأقل تواطؤها مع أحد طرفي الصراع لأسباب طائفية بحت!
وقد استغلت الحرب على داعش أيضا لإعادة ترتيب أوضاع بعض المناطق، عبر عمليات تغيير ديمغرافي قسري، سواء في المناطق المتنازع عليها، أو في مناطق جنوب بغداد كما في جرف الصخر، او في مناطق شرق وجنوب محافظة صلاح الدين، او في غرب محافظة نينوى، وكانت الخطوة الأولى المطلوبة في هذا الاتجاه منع النازحين عن هذه المناطق من العودة اليها!
اليوم تدخل مدينة سامراء بقوة في سياق هذا الصراع المفتوح، فهذه المدينة تشهد محاولات منهجية لفرض هوية أحادية قسرية، من خلال السيطرة على المدينة القديمة، عبر استملاكها بحجة توسيع صحن مرقد الإمامين الهادي والعسكري، بعد أن تم منح الولاية على هذا المرقد للوقف الشيعي في العام 2005 رغم أنه يقع في مدينة سنية ينتمي معظم أهلها إلى نسب الإمامين أصلا! ثم تحول الأمر إلى هيمنة عسكرية مطلقة، عندما منحت سرايا السلام التابعة لرجل الدين مقتدى الصدر، السلطة المطلقة على المدينة في سياق الحرب على داعش، واليوم وبعد مرور 4 سنوات على نهاية الحرب، يبدو ان ثمة قرارا اتخذه الفاعل السياسي الشيعي، الذي يحتكر القرار في الدولة، بإبقاء الوضع القائم على ما هو عليه، وهو وضع أقرب إلى احتلال للمدينة.
إن مظاهر التغيير الديمغرافي القسري، الصريحة والضمنية، لا يمكن لها أن تنتج استقرارا حقيقيا، حتى وإن أنتجت هدوءا مؤقتا وهشا وخادعا. كما أنها ستبقى مقدمة أساسية في انتاج التطرف والعنف.
ألم نقل إن درس داعش لم يتعلمه أحد!

البوم الصور