عناوین:

الاختفاء القسري في العراق: المزاد وسياسة الإنكار

4/17/2021 9:44:38 AM
3838 مشاهدة
يحيى الكبيسي
+ -

تضمن قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2021 لجمهورية العراق، نصا يقرر أن «تتحمل كل وزارة أو جهة غير مرتبطة بوزارة المبالغ المالية وفوائدها لكل من استشهد بعد تاريخ 9/ 4/ 2003 جراء العمليات الإرهابية… وذوي المفقودين» (المادة 28/ أولا)! وقد عد النواب العرب السنة في المجلس هذا النص «إنجازا عظيما» لهم، وبدأوا باستخدامه في دعايتهم الانتخابية كمثال على «حرصهم» على مصالح جمهورهم. في حين أن النص يمثل في حقيقته تنازلا غير أخلاقي عن حقوق هذا الجمهور، من خلال تحويل جريمة الاختفاء القسري، إلى مشكلة أحوال شخصية!، وبدلا من الإصرار على الكشف عن مصير هؤلاء المختفين قسريا وملاحقة من ارتكبوا هذه الجرائم لتقديمهم إلى العدالة، يقوم هؤلاء النواب بمقايضة سكوتهم عن هذه الجرائم، برشاوى مالية بائسة لأهاليهم!
يعرف الاختفاء القسري بأنه: «الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون» (الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري 2006).وقد عد نظام روما الأساسي 1998 جريمة الاختفاء القسري للأشخاص جريمة ضد الإنسانية (المادة 7/ ط) وبالتالي فهي تدخل ضمن نطاق الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وولايتها.
كما أن هذا النظام نفسه قد عد، «إصدار أحكام وتنفيذ إعدامات دون وجود حكم سابق صادر من محكمة مشكلة تشكيلا نظاميا تكفل جميع الضمانات القضائية» جريمة حرب وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تقع أيضا ضمن اختصاص هذه المحكمة وولايتها، خاصة وان التجارب الدولية، تحديدا في النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي، والتي تنطبق على الحرب على تنظيم الدولة/ داعش، أثبتت أن معظم المختفين قسريا لسنوات طويلة قد أُعدموا خارج نطاق القانون!
أما «المفقود» فهو، بموجب تعريف القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951: «من غاب بحيث لا يعلم أحي هو أم ميت بحكم كونه مفقودا بناء على طلب ذي شأن» (المادة 36/ 1). وأقصى ما يستوجبه إعلان شخص ما «مفقودا» هو الإجراءات المتعلقة بالأحوال الشخصية بموجب قانون الأحوال الشخصية ورعاية القاصرين، وبالتالي هو يقع ضمن اختصاص محاكم الأحوال الشخصية بموجب قانون المرافعات المدنية (المادة 299/ 6).
المفارقة هنا ان أعضاء مجلس النواب الذين «هللوا» لهذه المادة، لم يشيروا مطلقا إلى أنهم قد وضعوا «رواتب» للمفقودين، بل عمدوا إلى القول إنهم قد وضعوها «للمغيبين» وهي المفردة التي تستخدم بدلا عن الاختفاء القسري، عن جهل وسذاجة غالبا، وعن تعمد من البعض الآخر للتغطية على الجريمة وعدم توصيفها بالوصف القانوني!
خلال سنوات 2015 ـ 2017 تضمنت تقارير بعثة الأمم المتحدة في العراق توصيفا لحوادث الإختفاء القسري للمدنيين؛ فقد أشار تقريرها الخاص بوضع حقوق الإنسان في العراق للمدة من كانون الثاني/ يناير إلى حزيران/ يونيو 2016 إلى أنه «في يومي 4 و5 تقريبا من شهر حزيران/يونيو [2016]، فر آلاف المدنيين من قريتهم من الصقلاوية بالقرب من الفلوجة … فاعترضتهم جماعة مسلحة مساندة للقوات الأمنية العراقية، حددها الشهود بأنها من كتائب حزب الله. وقامت الميليشيا على الفور بفصل نحو 1500 من الرجال والصبيان المراهقين عن النساء والأطفال… وفي يوم 5 حزيران تم فصلهم إلى مجموعتين؛ تتكون أحداهما من 605 رجل وصبي، والثانية من حوالي 900 شخص. بعد أن تم تسليم المجموعة الأصغر إلى السلطات الحكومية، بما في ذلك جثث أربعة رجال، تبين الصور التي التقطت لهم لحظة تسليمهم أن أيديهم كانت مقيدة، وبدا عليهم أنهم تعرضوا للضرب حتى الموت… وتم إعداد قائمة تضم 643 رجلا وصبيا مفقودين، فضلا عن 49 آخرين يعتقد أنهم إما أن يكونوا أعدموا تعسفيا أو عذبوا حتى الموت في أثناء الاحتجاز الأولي لدى كتائب حزب الله».
التقرير يتحدث أيضا عن تشكيل لجنة تحقيق يوم 6 حزيران/ يونيو، بأمر من الدكتور حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء حينها، وانه أصدر أوامر صارمة لمحاسبة المسؤولين عن أية انتهاكات. ولكن لحد هذه اللحظة لم يلاحق أحد، ولم يحاسب أحد!، والمفارقة، هنا، أن بعثة الأمم المتحدة في العراق نفسها تجاهلت الموضوع، ولم تتابعه في تقاريرها اللاحقة، مما يؤكد حقيقة أنها كانت دائما شاهد زور في العراق!
وبالرغم من وجود وقائع وشهادات لشهود عيان، ووثائق مصورة تظهر مجموعات تم اعتقالها على يد قوات رسمية، ولم يعثر عليهم بعد ذلك، هناك إنكار منهجي ولا أخلاقي لوقائع الاختفاء القسري الثابتة ووصل الأمر إلى نائب رئيس مجلس النواب، المؤسسة التي يفترض انها تحقق مصالح الشعب، فقد أصدر بيانا يوم 12 نيسان/ أبريل 2021 انكر فيه وجود أي حالة اختفاء قسري في العراق، وقد أشار البيان إلى أن المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق قد اكدت في كتاب رسمي أنه «لا توجد ولا حالة إختفاء قسري ثابتة في العراق» وأضاف بأن «المفوضية العليا قد تعاملت مع الكثير من الادعاءات السابقة وقد تبين بطلانها ولم يثبت شيء، بل على العكس قد تبين أن جزء ممن ادعى ذووهم أنهم مختطفين هم هاربون خارج العراق ومدانون بأحكام قضائية، او ممن يمارس الإرهاب لحد الآن». ولكن عند العودة إلى كتاب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق الصادر في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، الذي يشير اليه نائب رئيس مجلس النواب سنجد أنه ينص على ما يأتي: «إن ما ورد للمفوضية بخصوص شكاوى الاختفاء القسري هي لا زالت ادعاءات وفقا للمنظور القانوني، وإن مسألة إثباتها من عدمه يحتاج إلى تحقيق من الجهات المختصة». وبالتالي لا صحة لما أورده نائب رئيس مجلس النواب من «استنتاجات» و «تأويلات» و «أحكام قاطعة» تفضح «موقفا مسبقا»! فلم يقل الكتاب مطلقا أنه «لا توجد ولا حالة اختفاء قسري ثابتة في العراق»! ولم يقل مطلقا «إن المفوضية قد تعاملت مع الكثير من الادعاءات السابقة وقد تبين بطلانها ولم يثبت شيء»! ولم يرد فيه مطلقا شيء عن «خرافة» الهاربين خارج العراق والمدانين بأحكام قضائية»!
ولا يمكن فهم ما قاله نائب رئيس مجلس النواب إلا في سياق إنكار الفاعل السياسي الشيعي المنهجي لجرائم الاختفاء القسري في العراق، والتي تنطلق من دوافع طائفية، بدليل أنه لم يقف على فضيحة أن «الجهات المختصة» التي يفترض بها إثبات وقائع الاختفاء القسري من عدمها قد «تواطأت» ولم تقم بواجبها، كما أن المدونة القانونية العراقية ليس فيها أي مادة تتعلق بالاختفاء القسري، وبالتالي ليس ثمة جهة يمكن اللجوء اليها لإثبات وقوع هذه الجرائم أصلا! وأقصى ما يمكن للقضاء العراقي فعله هو التعامل مع هذه القضية على انها قضية أحوال شخصية، او قضية اختطاف جنائية، وليس بوصفها جريمة ضد الإنسانية ترقى لأن تكون جريمة حرب!
في النهاية لا إمكانية حقيقة لحسم قضية الاختفاء القسري في العراق، في ظل عجز الطبقة السياسية السنية عن متابعة هذه القضة بشكل جدي خارج إطار الابتزاز السياسي أو الاستثمار الانتخابي، وفي ظل إصرار الفاعل السياسي الشيعي على الإنكار المنهجي لهذه الجرائم للتغطية على مرتكبيها، إلا عبر ما تتيحه «الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري» والتي صادق عليها العراق، تحديدا تلك المتعلقة باللجنة المشكلة بموجب المادة (30/ 1) وهي اتفاقية تتيح لهذه اللجنة، في حال إبلاغها بمعلومات ذات مصداقية ان دولة عضو «ترتكب انتهاكا جسيما لأحكام هذه الاتفاقية» كما هو حاصل في العراق في هذا الشأن، أن تطلب من واحد أو أكثر من أعضائها القيام بزيارة للدولة المعنية للتحقق (المادة 34)! كما أتاحت الاتفاقية لهذه اللجنة، في حال تلقيها معلومات «تتضمن دلائل تقوم على أسس قوية وتفيد بان الاختفاء القسري يطبق بشكل عام او منهجي» في دولة عضو، وبعد أن تلتمس من الدولة المعنية كل المعلومات المتعلقة بذلك «أن تعرض المسألة، بصفة عاجلة، على الجمعية العامة للأمم المتحدة عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة» ولا سبيل، غير هذا، لإنصاف الضحايا وتصويب الأمر.

البوم الصور