عناوین:

العراق: تجزئة المحاصصة وخرافة الإصلاح

7/19/2019 3:12:56 PM
2057 مشاهدة
يحيى الكبيسي
+ -

ارتفعت الأصوات المنادية بالإصلاح قبيل انتخابات مجلس النواب لعام 2018، وقبل هذه الانتخابات بسنتين تقريباً تردد هذا المصطلح/ المفهوم، من دون أن نقف على ماهيته لدى الطبقة السياسية العراقية! إذ تحدث الجميع عن هذا «الإصلاح» كما لو أنه عصا موسى التي سيتوكأ عليها العراق، نحو مستقبل مشرق، لكن الواقع أن هذه الطبقة السياسية كان لها مآرب أخرى من هذا «الاستخدام! ».

فما جرى في الانتخابات من تزوير صريح وتواطؤ جماعي على التغطية عليه، بمشاركة من سلطات الدولة جميعها، ثم ما جرى بعد ذلك من خلال صفقة سائرون ـ الفتح الثنائية، التي أطاحت بالدستور، من أجل إنتاج حكومة حسب الرغبة، بددت بالكامل الأوهام التي تخيلها البعض عن خرافة الإصلاح!

كان من أكثر مقولات الإصلاح التي تم الترويج لها بقوة قبل الانتخابات، الحديث المعاد عن انهاء المحاصصة، وهي التسمية الشعبوية التي شاعت في العراق لمفهوم التمثيل النسبي. فلقد حكمت معادلة رقمية تتعلق بالهويات الفرعية (الشيعية والسنية والكردية والأقليات)، مع تعديلات محدودة، تشكيل الحكومات العراقية المتتالية، فضلاً عن المناصب القيادية الأخرى في الدولة، من اللحظة الأولى لما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. وقد كانت هذه المعادلة مرتبطة بعاملين، الأول هو التصورات الأمريكية للتوزيع الديمغرافي للهويات الفرعية في العراق، والثاني هو التقديرات السياسية التي اعتمدتها المعارضة العراقية لهذا التوزيع الديمغرافي في العراق، والتي طبقتها بشكل رسمي في مؤتمر لندن (كانون الأول/ ديسمبر 2003)، عندما تم فيها توزيع الأعضاء الـ 65 في «لجنة المتابعة والتنسيق» التي انبثقت عن المؤتمر، وفق التوزيع الآتي: الشيعة 50+ 1، السنة والكرد 20٪ لكل منهما، والبقية للأقليات.

فقد تشكل مجلس الحكم الذي أنشأته سلطة الاحتلال في تموز/ يوليو 2003، من 25 عضواً؛ (13 شيعة (52٪)، 5 سنة (20٪)، 5 كرد (20٪)، 2 للأقليات 8٪)! وجرى الالتزام بهذه المعادلة في الحكومة المؤقتة التي ترأسها إياد علاوي وضمت 33 وزيراً: 17 شيعة (51٪)، 7 سنة (21٪)، 7 كرد ( 21٪)، 2 للأقليات (6٪)! وتم الالتزام بالمعادلة نفسها في الحكومة الانتقالية التي ترأسها إبراهيم الجعفري (33عضواً، 17 شيعيا،ً 7 سنة، 7 شيعة، و2 للأقليات)! ثم في وزارة السيد نوري المالكي الأولى التي تشكلت من 38 وزيراً (22 شيعة (57.8)، 7 سنة (19.4)، 7 كرد (19.4)، 1 للأقليات، و1 (2.6٪) للحزب الشيوعي غير المصنف هوياتياً)، ولكن هذا التوزيع بدا مختلفاً بداية من العام 2010، من خلال زيادة الوزارات السنية على حساب الوزارات الكردية، فقد تشكلت وزارة المالكي الثانية بعد الترشيق، كالآتي: (17 شيعية (53٪)، 9 سنية (28٪)، 5 كردية (15.6٪)، 1 للأقليات (3٪).

وهي نفسها تقريبا النسب التي حكمت تشكيل حكومة عام 2014. التي ضمت 32 حقيبة وزارية توزعت كالآتي: 17 وزارة من للأحزاب الشيعية (53٪)، و 9 من حصة القوائم السنية (28٪)، و 5 حقائب من حصة الأحزاب الكردية ( 15.٪)، مع حقيبة واحدة للأقليات (يزيدي) (3٪). وقد تمت المحافظة على المعادلة نفسها في الترشيق الوزاري الذي اعتمده الدكتور حيدر العبادي عام 2016، إذ توزعت الحقائب الـ 23 كالآتي: 13 حقيبة للأحزاب الشيعية (56٪)، و 6 للأحزاب السنية (26٪)، و 3 حقائب للأحزاب الكردية (13٪)، وحقيبة واحدة للأقليات (4٪).

وقد أثبت تشكيل الحكومة العراقية وتوزيع الحقائب الوزارية، التي أعلن عنها في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، أن الجميع دون استثناء لا يزالون متمسكين بهذه المحاصصة/ التمثيل النسبي القائم على أساس الهويات الفرعية. فقد تشكلت الحكومة من 22 وزيراً، فضلاً عن رئيس مجلس الوزراء، وقد توزعت على الشكل الآتي: 13 للأحزاب الشيعة (56٪)، 6 للأحزاب السنية (26٪)، 3 للأحزاب الكردية (13٪)، و1 للأقليات (4٪).

وكانت الملاحظة الهامة في هذا السياق أن إعلان بعض التيارات السياسية عن تخليها عن حصتها/ تمثيلها في الحكومة، ولو بشكل نظري، لم ينسحب على معادلة التمثيل الهوياتية بأي حال من الأحوال! فعلى الرغم من أن تحالف سائرون، قد أعلن عن تخليه عن «حصته» في الوزارة، البالغة 4 وزارات، وأعطى لرئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي حرية ترشيح وزراء «تكنوقراط»، لكن الذي حصل بالنهاية أنه تم ترشيح 4 وزراء من المكون «الشيعي» لهذه الوزارات!

وبعيدا عن الحكومة، فقد بات واضحاً أن توزيع المناصب الهوياتية الأخرى، على مستوى مؤسسات الدولة المختلفة بات أقرب إلى العرف السياسي واجب الاتباع. هكذا كان تحالف سائرون حريصاً على ضمان حصته/ تمثيله في مجلس النواب، من خلال موقع النائب الأول لرئيس مجلس النواب (الحصة الشيعية)، وضمان حصته/ تمثيله على مستوى رئاسات لجان مجلس النواب التي تم توزيعها، كما في كل مرة، على أساس هوياتي! كما كان تحالف سائرون أيضاً مصراً على الحصول على منصب الأمين العام لمجلس الوزراء المهم، والذي يأتي في سياق التوزيع الهوياتي لمواقع الأمناء العامين في رئاسة الجمهورية (سني)، ومجلس النواب (كردي)! كما لو أن اجتزاء المحاصصة/ التمثيل يعني تجاوزها!
هكذا، وإن بادرت كثير من القوى السياسية الى إعلان تخليها عن حصتها/ تمثيلها في المناصب الأخرى على مستوى الدولة، كما في رئاسات الهيئات، ووكلاء الوزارات، والمديرين العامين، والسفراء، أو ما تعرف بالدرجات الخاصة، فإن الوقائع تكشف عن شراكة جماعية بعيداً عن الدعاية الزائفة، في توزيع هذه المناصب على أساس هوياتي بالدرجة الأولى، ثم التوزيع على أساس التحالفات/ الأحزاب في مرحلة لاحقة!
وكانت المفارقة في هذا السياق، ما جاء في مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا الذي يناقش حالياً في مجلس النواب، فقد نصت المادة (4/ أ) من مشروع القانون على أن يراعى التوازن الدستوري بين مكونات الشعب العراقي في بنية هذه المحكمة، على الرغم من أنه لا وجود لهكذا مادة دستورية أصلاً، فالدستور نص على هكذا توازن في المؤسسة العسكرية والأمنية حصراً (المادة 9/ أولاً/ أ)! ولكن هذا النص يكشف عن بالضرورة، طبيعة البنيات الذهنية التي تحكم صانع القرار السياسي في العراق.

في النهاية، يبدو أن الطبقة السياسية العراقية، ذات الطبيعة الهوياتية، ما زالت لا تعي أن الشرط الأول لمقولة الإصلاح هو المصداقية والشفافية، التي تبدو غائبة تماماً في الخطاب السياسي لهذه الطبقة. فالجميع حريص تماماً على التمثيل الهوياتي، بمعزل عن الصخب المثار حول الإصلاح، ليس على مستوى الحكومة فقط، وإنما على مستوى مؤسسات الدولة ككل. وإذا ما بدت هذه المحاصصة/ التمثيل مختلاً هنا أو هناك، فهذا لا يلغي حقيقة تمسك الجميع به، بعيداً عن الشعارات والأوهام التي يتم ترديدها!

البوم الصور