عناوین:

خفوت سحر الطوائف

12/10/2019 8:50:18 AM
5265 مشاهدة
رستم محمود
+ -

في مختلف ساحات التظاهر، من بيروت إلى بغداد، وحتى طهران نفسها، ومثلما كانت يوما ما في دمشق وصنعاء والقاهرة، ثمة ألفة طافحة ومساحات مشتركة تجمع المتجمهرين، رمزية وثقافية واجتماعية، أكثر صلابة وحيوية وطاقة من مجموع ما كان يفرق فيما بينهم من قبل، من "تناقضات الهوية"، بالذات منها النزعات والحساسيات الطائفية.
تبدو تلك القواسم قيمية ونفسية وسلوكية، أكثر مما هي سياسية وطبقية واقتصادية، خصوصا بالنسبة للأجيال الأصغر عمرا، الذين لم يتجاوزوا العقد الثالث من أعمارهم.
ولأجل ذلك بالضبط، فإن الطائفية، بمختلف أدواتها ورموزها وسُلطاتها، وحتى زعاماتها، تبدو أكثر هشاشة وضعفا أمام تلك القواسم، التي تستعصي على هذه الطائفية، وتمنعها من تفكيك وتبديد ما يجمع هؤلاء المتجمهرين.
في مختلف دول منطقتنا، بالذات منها تلك المشرقية التي تتوزع مجتمعاتها على حساسيات طائفية متنوعة، كانت الطائفية حاجزا رئيسيا بين الكتلة الأوسع من هذه المجتمعات وبين قدرتها على صناعة أي خطاب أو مشروع عمومي مشترك، مثلما يفعلون راهنا.
كانت هذه الطائفية تعمل على الدوام لاختلاق عوالم سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية في هذه الدول، قائمة على تفتيت هذه الكتلة المجتمعية إلى فضاءات متصارعة فيما بينها، ولو في حروب باردة، لكن دائمة.
صحيح أن الطوائف والطائفية مكونات تاريخية وتقليدية في سيرة مجتمعات هذه البلدان، لكنها تحولت منذ النصف الثاني من القرن المنصرم إلى البُنية والديناميكية الرئيسية في هذه الدول، حتى أنها كانت الوحيدة في بعض الدول.
حدث ذلك، بعدما كانت الطوائف في تراثنا السياسي مجرد مزيج من الفاعلية الثقافية والروحية والرمزية والمجتمعية، والتي كانت تُستدعى وتُستخدم من قِبل الزعماء والقادة والعُصب المُنتصرة عسكريا، فيما لو احتاجت لتلك الطاقة الطائفية، لإضفاء شيء من الشرعية والعصبوية على عمران حكمهم.
لأسباب وفاعليات شديدة التركيب والتعقيد، تظهر هيمنة الطوائف والطائفية وهي تخفت راهنا، وإن بقيت محافظة على بعض مراكز قوتها العسكرية والميليشياوية الصاخبة، والكثير من مغانم هيمنتها الاقتصادية. يظهر ذلك بجلاء أكبر في مراكز المدن الكبرى في هذه الدول، وبنسب متفاوتة في المدن الأصغر.
فالتضخم الذي أصاب هذه المدن طوال السبعة عقود الماضية، منذ أن بدأت الناصرية في مصر وسوريا وانقلاب عبد الكريم قاسم في العراق و"إصلاحات" الشاه في إيران وليبرالية عدنان مندريس في تركيا، بدأت بإعادة هيكلة اقتصاديات هذه البلدان الزراعية، لتكون مزيجا من الاشتراكية العسكرية واقتصاد الخدمات كغطاء للبطالة المقننة، دفعت بملايين الريفيين نحو المدن المركزية، التي راكمت خلال هذه العقود ديناميكيات من الأفعال والأفكار والرؤى والحساسيات المدينية، التي صارت بالتقادم ترى بأن طيف المصالح الحياتية التي تجمع هذه الكُتل البشرية، يتجاوز نسبيا كل قدرات وديناميكيات الطوائف والطائفية.
كانت علاقة الأجيال الأحدث من هذه المجتمعات بوسائل التواصل الاجتماعي الفعل الأكثر أثرا من عملية التمدن هذه. فغير أن هذه الوسائل قد فتحت مساحة تعارف مطلقة لهذه الأجيال مع كل ما في العالم، لكنها، أي وسائل التواصل، صارت تدفع أفراد هذه المجتمعات لأن يعيشوا مواجهة مباشرة ويومية مع ذواتهم وهوياتهم.
فالأناس الذين كانوا "يساقون" بشكل جمعي لأن يعتبروا ويؤخذوا كمجاهيل غير مرئية في بحور الجماعات، الطائفية منها بالذات، بفعل التنميط المتدفق في مؤسسات التعليم الموجه والإعلام المركزي، صاروا راهنا مدفوعين لأن ينخرطوا في طيف القضايا والطروح والشؤون العامة، بشكل يومي ومتدفق بكثافة لا توصف.
هذه التفاعلية الحديثة، كانت تدفع هؤلاء الملايين من البشر لأن يقدموا تعريفا يوميا لذواتهم ومعانيها ومراميها، ذلك التعريف الذي على أساسه كانوا يخوضون شبكة تفاعلاتهم مع تلك القضايا.
كانت النزعة الطائفية، بتواضع أسئلتها وطروحاتها، بعنفها، المستبطن والظاهر، وذكوريتها وماضويتها، كانت على الدوام أصغر وأغبى مما تتداوله هذه الأجيال على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يومي، فيما بينهم ومع العالم. إذ كيف لشاب أو شابة منخرطة في أجواء مثل أسئلة المساواة الجندرية والقضية البيئية وحقوق المثليين وآفات العنف والأشكال الحديثة من العنصرية...إلخ، كيف لهم أن يلفتوا لسذاجة ما تطرحه صراعات الطوائف! غير استحالة الاستلاب لها!
خفوت سحر الطوائف حدث بشكل أسرع وأعمق في الكيانات ذات الأنظمة التمثيلية، مثل لبنان والعراق. فمجتمعات هذه الدول كانت مجبرة لسنوات طويلة لأن تتعايش مع سطوة من يعتبرون أنفسهم الممثلين السياسيين والسلطويين لهذه الطوائف، وما يرونه مزارعهم السياسية وفسادهم وتنمرهم على أبناء هذه المجتمعات، الذين كانوا يعتبرون في هذه المجتمعات أشياء من كتل صلبة، يتوارثونها من جدٍ لأبٍ لابن، كما يتوارثون قصورهم ومزارعهم.
لم يكن سهلا اكتشاف بداهة تطابق أفعال زعماء هذه الطوائف في المحصلة، بين واحد معمم وآخر بيك وثالث رجل أعمال ورابع قائد لميليشيا. ففي المحصلة ثمة تهافت مطلق لاحتكار التمثيل السياسي والسلطوي لهذه الطوائف من قِبل هؤلاء الزعماء، ومن ثم تحاصص خيرات البلاد وعوائدها فيما بينهم.
يحدث ذلك في لبنان أو العراق، وما هو ممنوع من ذلك ظاهرا في دولة مثل سوريا، يفعله ممثلو الطوائف غير المرئيين مع النظام الحاكم سرا.
لكن كل تلك الديناميكيات المبددة لسحر الطوائف وقدرتها على الهيمنة، ما كان لها أن تتظافر وتنتج فعلا سياسيا وقيميا، لولا فظاعة الأحوال العامة المريعة التي صار تعيشها هذه المجتمعات. فهذه المجتمعات باتت تعتقد أن تحسين الشروط العادية لعيشها بالحد الأدنى من حفظ الكرامة الآدمية، إنما يتجاوز أية أسئلة أو هويات سطحية أخرى، قد تحول بينهم وبين سعيهم لتحقيق تلك المطالب، وخلق أوسع تضامن داخلي متجاوز لكافة الحساسيات في سبيل ذلك.
هل صار زعماء الطوائف وممثلوها الرمزيون والثقافيون، في مختلف هذه الدول، هل صاروا أكثر تشنجا وقابلية لاستخدام العنف وتحطيم كل ما يحيط بهم؟!
نعم صحيح، وهذا ما تقوله كافة تفاصيل مجريات الأحداث في مختلف الدول. لكن في ذلك الكثير من الدلالات الواضحة على سقوط هيمنتهم على مجتمعاتهم ـ مزارعهم ـ الذاتية، وصاروا يظهرون كآباء قساة، يواجه أولادا "عصاة".

البوم الصور