عناوین:

دوغمائية التطرف ... الجمود الفكري والانغلاق المعرفي

11/27/2020 5:48:52 PM
2308 مشاهدة
محمد عباس اللامي
+ -

إن ظهور الحركات المتطرفة يعد واحد من اهم الاحداث المفصلية التي شهدها عالمنا سواء على المستوى الايدلوجي او الاجتماعي على حد سواء، والتي تشكل تهديدا جادا للمجتمع وللنظام السياسي على حد سواء.

حيث يعيش الإنسان في عالم مليء بالأيديولوجيات المتصارعة والمتفاوتة والمتعددة، فقد يرى المرء شيئا واحدا في أشكال مختلفة في أوقات مختلفة، وقد يتوقع شيئا ويحدث عكسه، ونتيجة التناقض بين الفكر والواقع فإن الإنسان يتبنى فكرا أيديولوجيا محاولة منه لتبرير موقفه من الواقع الذي يعيشه, ومع ذلك شعر الإنسان بضياعه لكثرة هذه الأيديولوجيات مما جعله يفضل واحدة وينتمي إليها، مما جعله أكثر تصلبا وجمودا.

كما يعتقد كثير من الباحثين أن مفهوم الجمود يرجع في أساسه الى نظرية التحليل النفسي من خلال مبدأ إجبار التكرار والذي يعد الجمود أحد أوجهه، ومبدأ إجبار التكرار مبدأ أصيل في النفس يدفع المرء إلى تكرار السلوك حتى لو أدى إلى سوء التوافق، وظاهرة الجمود تعني استمرار الفرد في إصدار سلوك معين يتطلب تعديل أو تغيير هذا السلوك تحقيقا للتوافق. فالدوغماتية (أو دوغمائية) هي حالة من الجمود الفكري، اذ يتعصب فيها الشخص لأفكاره الخاصة لدرجة رفضه الاطلاع على الأفكار المخالفة، وإن أظهرت له الدلائل التي تثبت له أن أفكاره خاطئة، يحاربها بكل ما أوتي من قوة ، ويصارع من أجل إثبات صحة أفكاره وآرائه، وتعتبر حالة شديدة من التعصب للأفكار والمبادئ والقناعات، لدرجة معاداة كل ما يختلف عنها.

وهي تعد حالة من التزمت لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل يناقضها لأجل مناقشته، أو كما هي لدى الإغريق الجمود الفكري، وهي التشدد في الاعتقاد الديني أو المبدأ الأيديولوجي، أو موضوع غير مفتوح للنقاش أو للشك.

اذ يعاني المتطرف من تقليص التسامح في تفكير المواطن المعاصر والمغالاة في مدح ذاته وتهميش الموضوعية في قراراته وحياته أضافة الى موقفه من الاخرين "معنا" أو "ضدنا"، والاعتزاز الشديد بارائه والمساس بها يعد مساسا بكرامته وكبريائه والاعتقاد المطلق في نظرية المؤامرة وبخاصة الذين لا يتفقون معه في الرأي أو يختلفون معه في المنهجية، والتعصب ضد الثقافات الاخرى من غير علم.

هذا ما يجعلنا أمام مسؤولية تبني مواجهة الجمود الفكري لدى المتطرفين من خلال المؤسسات غير الحكومية ومراكز الابحاث المتخصصة اضافة الى مراجعة المناهج التعليمية التي يمكن أن تهيئ من خلالها جيلا يؤمن بروح الحوار وتعزيز الولاء والانتماء للوطن والعمل على تحريك المشتركات وتجميد المختلفات للمساهمة في معالجة هذه الظواهر التي تضر بالأمن المجتمعي.

البوم الصور