عناوین:

العراق.. ماذا بعد؟

11/19/2019 9:10:18 PM
4917 مشاهدة
رافد جبوري
+ -

حركة الاحتجاجات في بغداد ومدن اخرى جنوبي العراق مستمرة. صحيح انها  لم تحقق حتى الان ايا من اهدافها الكبرى الا ان زخمها مستمر وقد تجاوزت العديد من محاولات القمع والافشال حتى بات من المتفق عليه بان ما بعد التظاهرات لن يكون مثل ما قبلها. لكن ما هو نوع التغيير المرتجى ؟ وماهي الطرق المحتملة لتنفيذه؟

رغم عدم وجود الية تواصل واضحة مع المتظاهرين لانهم ما زالوا بلا قيادة مفوضة الا انهم اهم المقترحات العلنية المطروحة حتى الان هي قانون انتخابي جديد طرحه رئيس الجمهورية برهم صالح الذي تحظى تحركاته بدعم اميركي. يقول القانون المقترح انه يرمي الى تحقيق اهداف المتظاهرين في احداث تغيير يكسر احتكار الاحزاب السياسية المهيمنة على الحكم في العراق من اجل مشاركة اكبر في الحكم. من اجل ذلك يقترح القانون تصغير الدوائر الانتخابية من مستوى المحافظة ( في العراق ثماني عشرة محافظة تشكل كل منها دائرة انتخابية واحدة) الى مستوى القضاء.التبرير الاساسي لذلك يتمثل في الرغبة الشعبية في وجود رابط مباشر بين خيارهم الانتخابي و نتيجة الانتخابات فلطالما اتهمت الانتخابات السابقة بالتزوير وشتى انواع التلاعب. هناك اعتقاد سائد الان بان نظام الدوائر الصغيرة و الغالبية البسيطة داخل كل دائرة سيوفر معرفة مباشرة بالمرشحين وبالنواب الفائزين بالتالي. لكن كل الشواهد التاريخية والمعاصرة تثبت بان هذا النظام في العادة يخدم الاحزاب الكبيرة ذات القابلية على دعم مرشحين في كل الدوائر الانتخابية في المقابل تضيع عادة في هذا النظام الاصوات التي يحصل عليها مرشحو الاحزاب الصغيرة. لكن من المهم هنا فهم مايريده الجمهور الغاضب والمتظاهرة فهو يريد مساهمة مباشرة واشرافا مباشرا ونتائج يفهما ويلمسها في مناطقه.

لكن اذا نظرنا الى جذور الازمة العراقية فان تتعلق بالمحاصصة الطائفية التي ارستها الاحزاب الطائفية في مبدأ معاد لفكرة الوطن والمواطنة لذا فان اي حل لها على الصعيد الانتخابي يتمثل في جعل العراق كله دائرة واحدة واتفاق الحركة الاحتجاجية على التنسيق والتحول الى حركة سياسية عابرة للطائفية فعلا وليس قولا تدعم وتضم مرشحين من كل انحاء العراق وطوائفه. سيكون ذلك ردا على اول انتخابات جرت بعد الاحتلال واستخدم فيها هذا نظام الدائرة الواحدة لكل العراق للمرة الاولى والوحيدة لكن تلك الانتخابات شهدت مقاطعة سنية واسعة لتحصد الاحزاب التي تدعي تمثيل الشيعة والكرد غالبية كبيرة. تنبهت تلك الاحزاب بعد ذلك ومع تطلع السنة للمشاركة في الانتخابات الثانية والتي جرت نهاية العام 2005 لتقر قانونا انتخابيا اخر يجعل من كل واحدة من المحافظات دائرة انتخابية ولتوزع المقاعد عليها وفق التقديرات في ظل غياب اي تعدادا سكاني لتتكرس صيغة المحاصصة الطائفية التي تضمن ان تأتي غالبية المقاعد من محافظات ذات غالبيات طائفية معروفة تأتي من ناخبين معروفين طائفيا. لكن التظاهرات الحالية هي في جوهرها ثورة ضد الطائفية والفساد اللذان استند اليهما وكرسهما النظام السياسي الحالي فمن غير تغيير لتلك المرتكزات لن يكون هناك تغيير جذري يدعو له المتظاهرون ولا يبدو انهم سيرضون باقل منه.

لكن اي تغيير جذري لن يصطدم فقط بالقوى السياسية الشيعية المسيطرة على الحكم والمتصدرة حتى الان لمشهد القمع والمواجهة فهناك الاحزاب الكردية و المجموعات السياسية السنية. وقد حصل الكرد بعد عام 2003 على مكاسب سياسية كبيرة ولن يكون من مصلحة الاحزاب الكردية القوية ان يعاد تشكيل كل العملية السياسية لان ذلك سيتضمن على الارجح خسارة او خسارات بالنسبة لهم. ناهيك طبعا عن ان رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي معروف بعلاقاته التاريخية الودية مع الاحزاب الكردية وقد كان حتى الان افضل رئيس وزراء عراقي بالنسبة لهم. سيكون التعامل مع الخصوصية الكردية تحديا كبيرا في المستقبل كما كان دائما على طول تاريخ العراق الحديث.

اما المحافظات ذات الغالبية السنية ففيها زعامات محلية معظمها مستحدث ويدين بوجوده ودعمه للنظام الطائفي. اما السكان فيتطلعون الى تغيير حقيقي يعيد لهم الحقوق المدنية التي سلبت منهم تباعا بعد عام 2003 نتيجة لتحول مناطقهم الى مسرح دائم للتمرد العسكري الذي انتهى بكارثة صعود تنظيم داعش ثم الدمار الهائل الذي حل نتيجة للعمليات العسكرية التي ادت الى ازاحته. غابت بعد ذلك اي جهود حقيقية للاصلاح والمصالحة والاعمار لتكون نفس القوى صاحبة الاذرع المسلحة التي يثور ضدها المتظاهرون في بغداد وجنوبي العراق ذي الغالبية الشيعية مسيطرة تماما على الوضع الميداني في المناطق ذات الغالبية السنية. من غير تحرير السكان هناك من التهم الجاهزة بالارهاب ستبقى مشاركتهم في كل الحراك الذي يجري مقتصرة على التعاطف الوجداني. لكن اذا تطورت حركة التظاهرات الى اصلاح انتخابي وحزبي حقيقي وتمكنوا من تشكيل اطار سياسي وطني عابر للطائفية فسيكون في ذلك خلاصا لتلك المناطق و تمهيدا لحلول حقيقية للتقسيمات الطائفية. 

المصدر: العربي الجديد

البوم الصور