عناوین:

هل تنسحب اميركا من العراق ؟

7/16/2019 12:04:21 AM
3276 مشاهدة
رافد جبوري
+ -

تتصاعد‭ ‬التساؤلات‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬تردد‭ ‬من‭ ‬تصريحات‭ ‬لمصادر‭ ‬في‭ ‬ادارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الاميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬خفض‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الموظفين‭ ‬في‭ ‬سفارته‭ ‬في‭ ‬بغداد‭. ‬الصيغة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬هي‭ ‬تمديد‭ ‬الخفض‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬الاشهر‭ ‬الاخيرة‭ ‬حيث‭ ‬قامت‭ ‬واشنطن‭ ‬بسحب‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬موظفيها‭ ‬الدبلوماسيين‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ممن‭ ‬وصفوا‭ ‬بان‭ ‬دورهم‭ ‬ليس‭ ‬ضروريا‭. ‬لكن‭ ‬الحديث‭ ‬الان‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬تحويل‭ ‬ذلك‭ ‬الى‭ ‬تخفيض‭ ‬دائم‭ ‬للوجود‭ ‬الدبلوماسي‭. ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬او‭ ‬اتخذ‭ ‬القرار‭ ‬فعلا‭ ‬باجراء‭ ‬تخفيض‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬سفارة‭ ‬اميركا‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬فهل‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬فعلا‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬انسحابا‭ ‬اميركيا‭ ‬قادما‭ ‬من‭ ‬العراق؟

الاجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تتطلب‭ ‬فهما‭ ‬لمرتكزات‭ ‬واولويات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وادارة‭ ‬ترامب‭ ‬تحديدا‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬فاذا‭ ‬كان‭ ‬السؤال‭ ‬يتعلق‭ ‬بالانسحاب‭ ‬العسكري‭ ‬لحوالي‭ ‬خمسة‭ ‬الاف‭ ‬عسكري‭ ‬اميركي‭ ‬ينتشرون‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬غربي‭ ‬وشمالي‭ ‬العراق‭ ‬فان‭ ‬هذا‭ ‬لن‭ ‬يحصل‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬صعود‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬واجتياحه‭ ‬لمناطق‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬الفين‭ ‬واربعة‭ ‬عشر‭ ‬صدمة‭ ‬كبيرة‭ ‬للاستراتيجيات‭ ‬الاميركية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والعالم‭. ‬وجدت‭ ‬ادارة‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬باراك‭ ‬اوباما‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬استراتيجي‭ ‬حينذاك‭ ‬ادى‭ ‬به‭ ‬الى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬صعب‭ ‬هو‭ ‬العودة‭ ‬الى‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬انسحب‭ ‬منه‭ ‬بقناعة‭ ‬تامة‭ ‬وكان‭ ‬يأمل‭ ‬ان‭ ‬يطوي‭ ‬صفحته‭ ‬تماما‭ ‬كاولوية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الاميركية‭. ‬اما‭ ‬ترامب‭ ‬فقد‭ ‬حدد‭ ‬موقفه‭ ‬حول‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يصعد‭ ‬للرئاسة‭ ‬حتى,‭ ‬وهو‭ ‬ابقاء‭ ‬قوة‭ ‬من‭ ‬بضع‭ ‬الاف‭ ‬من‭ ‬العسكريين‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬وقوع‭ ‬صدمة‭ ‬مثل‭ ‬صدمة‭ ‬صعود‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬واجتياحه‭ ‬للمدن‭. ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬خيارا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬لم‭ ‬يصنعه‭ ‬ترامب‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬موجودا‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬لكن‭ ‬اوباما‭ ‬لم‭ ‬يختره‭ ‬بل‭ ‬اختار‭ ‬الانسحاب‭ ‬الكامل‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬العبء‭ ‬المادي‭ ‬والنفسي‭ ‬والسياسي‭ ‬الذي‭ ‬مثله‭ ‬العراق‭ ‬بالنسبة‭ ‬لواشنطن‭. ‬اما‭ ‬ترامب‭ ‬فقد‭ ‬اتخذ‭ ‬ذلك‭ ‬القرار‭ ‬ولن‭ ‬يغيره‭ ‬لان‭ ‬القضية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالامن‭ ‬القومي‭ ‬الاميركي‭ ‬لا‭ ‬بسياسة‭ ‬اميركا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬فقط‭.

معلوم‭ ‬ان‭ ‬السفارة‭ ‬الاميركية‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬فهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬اكبر‭ ‬السفارات‭ ‬الاميركية‭ ‬وسيكون‭ ‬تخفيض‭ ‬عدد‭ ‬العاملين‭ ‬بصورة‭ ‬دائمة‭ ‬قرار‭ ‬مهما‭ ‬يستحق‭ ‬الدراسة‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مستغربا‭ ‬عن‭ ‬ترامب‭ ‬وادارته‭ ‬التي‭ ‬تضيق‭ ‬بالاعباء‭ ‬المالية‭ ‬وتريد‭ ‬التخلص‭ ‬منها‭ ‬الا‭ ‬انها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬تساوم‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬الامن‭ ‬القومي‭ ‬والانفاق‭ ‬العسكري‭ ‬بل‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬تلك‭ ‬المجالات‭. ‬لهذا‭ ‬قد‭ ‬يدوم‭ ‬تخفيض‭ ‬عدد‭ ‬الموظفين‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬وقد‭ ‬يتأثر‭ ‬التمثيل‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬الاميركي‭ ‬وهو‭ ‬متأثر‭ ‬فعلا‭ ‬باغلاق‭ ‬القنصلية‭ ‬الاميركية‭ ‬في‭ ‬البصرة‭ ‬بسبب‭ ‬احداث‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬و‭ ‬التقدير‭ ‬الامني‭ ‬الاميركي‭ ‬بوجود‭ ‬خطر‭ ‬من‭ ‬ايران‭ ‬وحلفائها‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬امن‭ ‬وسلامة‭ ‬القنصلية‭. ‬وهذا‭ ‬طبعا‭ ‬كان‭ ‬ايضا‭ ‬هو‭ ‬الدافع‭ ‬وراء‭ ‬التخفيض‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬والقنصلية‭ ‬الاخرى‭ ‬في‭ ‬اربيل‭ ‬ايضا‭.

لن‭ ‬تنسى‭ ‬الذاكرة‭ ‬الاميركية‭ ‬ابدا‭ ‬عملية‭ ‬احتلال‭ ‬السفارة‭ ‬الاميركية‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬بعيد‭ ‬الثورة‭ ‬الايرانية‭ ‬وكيف‭ ‬تعرضت‭ ‬ادارة‭ ‬الرئيس‭ ‬كارتر‭ ‬للاذلال‭ ‬ولم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬الرهائن‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬خسارة‭ ‬كارتر‭ ‬للانتخابات‭ ‬الرئاسية‭. ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭ ‬اللبناني‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬عمليات‭ ‬خطف‭ ‬شهيرة‭ ‬لرهائن‭ ‬اميركيين‭ ‬في‭ ‬لبنان‭. ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬ان‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬سيناريوهات‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬خصوصا‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬المواجهة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬طهران‭ ‬حتى‭ ‬وان‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬الى‭ ‬الحرب‭ ‬بعد‭.

يراهن‭ ‬الكثيرون‭ ‬بشئ‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الواقعية‭ ‬على‭ ‬تصعيد‭ ‬اميركي‭ ‬يقوده‭ ‬ترامب‭ ‬ضد‭ ‬ايران‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬تغيير‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬مستبعد‭. ‬بات‭ ‬واضحا‭ ‬الان‭ ‬بعد‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬عامين‭ ‬ونصف‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الابيض‭ ‬على‭ ‬انه‭ ‬لن‭ ‬يحول‭ ‬العراق‭ ‬الى‭ ‬ساحة‭ ‬للمواجهة‭ ‬مع‭ ‬ايران‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬تتصرف‭ ‬ادارته‭ ‬بعقلية‭ ‬دفاعية‭ ‬محظة‭ ‬تخشى‭ ‬تصعيدا‭ ‬ايرانيا‭ ‬ضدها‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬مايك‭ ‬بومبيو‭ ‬الى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬مطالبا‭ ‬اياه‭ ‬بضمان‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القوات‭ ‬الاميركية‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬اميركا‭ ‬هي‭ ‬القوة‭ ‬الاكبر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لكن‭ ‬قواتها‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ليست‭ ‬قوات‭ ‬قتالية‭ ‬مجهزة‭ ‬بوسائل‭ ‬الدفاع‭ ‬والردع‭ ‬المباشر‭ ‬ذلك‭ ‬سيتطلب‭ ‬ارسال‭ ‬مائة‭ ‬الف‭ ‬عسكري‭ ‬اخر‭ ‬على‭ ‬الاقل‭ ‬وهو‭ ‬امر‭ ‬من‭ ‬شبه‭ ‬المستحيل‭ ‬ان‭ ‬يقرره‭ ‬ترامب‭ ‬المعادي‭ ‬للحروب‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وافغانستان‭ ‬لانها‭ ‬ارهقت‭ ‬الخزينة‭ ‬الاميركية‭ ‬وكلفتها‭ ‬مئات‭ ‬المليارات‭ ‬فيما‭ ‬جنت‭ ‬منها‭ ‬ايران‭ ‬مكاسب‭ ‬استراتيجية‭ ‬هائلة‭ ‬بلا‭ ‬ثمن‭.

حتى‭ ‬ان‭ ‬حصل‭ ‬التخفيض‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬فلن‭ ‬يحصل‭ ‬انسحاب‭ ‬اميركي‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬او‭ ‬اي‭ ‬من‭ ‬اجراءاتها‭. ‬اميركا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب‭ ‬مثلها‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬اوباما‭ ‬وبوش‭ ‬الابن‭ ‬تسلم‭ ‬لايران‭ ‬بدور‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ولا‭ ‬تريد‭ ‬ان‭ ‬تدفع‭ ‬الثمن‭ ‬الكبير‭ ‬المادي‭ ‬والعسكري‭ ‬والسياسي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬لاحداث‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬لكن‭ ‬الرهان‭ ‬الاميركي‭ ‬مستمر‭ ‬على‭ ‬حدوث‭ ‬تغير‭ ‬بطئ‭ ‬في‭ ‬التوجهات‭ ‬العراقية‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬و‭ ‬الاستقلالية‭ ‬والتوجه‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬ايران‭ ‬او‭ ‬موازنة‭ ‬نفوذها‭ ‬بحضور‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تعززت‭ ‬علاقات‭ ‬العراق‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الاخيرة‭.

المصدر: جريدة الزمان

البوم الصور