عناوین:

نظرية أم القرى والصراع على زعامة الإسلام

2/7/2021 9:16:03 AM
10485 مشاهدة
اياد العنبر
+ -

في مقال عنوانه "الكوفة العلوية وظهرها المنيع النجف أم القرى للتشيع ورمزيته الحضارية"، نشره الصديق الدكتور حيدر نزار السيد سلمان، أستاذ التاريخ السياسي في جامعة الكوفة، في صحيفة المدى البغدادية، يدافع فيه السيد سلمان عن ضرورة اعتبار مدينة النجف والتي تعتبر امتدادا لحضارة الكوفة؛ قرى التشيع، إذ يقول: "إن تراث النجف وتاريخها وقوتها الروحية هي بالحق من تمثل محور التشيع وأم قرى الشيعة وشرعية التمثيل الروحي، فكل المؤهلات العقدية والمادية والتشريفيةِ والطهرانيةِ والبروتوكولية والطقوسية هي نتاج حضاري لمدرسة النجف، الظهير الجغرافي للكوفة العلويّة". 
كاتب المقال لا ينتمي إلى حركات الإٍسلام السياسي، ولا يريد أن تكون فكرة أم قرى التشيع أطروحة لتبرير استراتيجية الهيمنة والتوسع التي تسعى إليها الأحزاب الإسلامية، وإنما يستنكر تجاهلها من قبل الأحزاب والقوى السياسية الشيعية والتي تُسيطر على مقاليد السلطة والنفوذ في العراق. وما يثير علامات الاستفهام هو غياب العمق الحضاري عن حركات الإسلام السياسي في العراق، لاسيما وأن العراق وريث الكوفة والبصرة وبغداد، تلك أهم ثلاث حواضر أثرت وساهمت في تشكيل العمق الحضاري الإسلامي.
ويبدو أن غياب مشروع بناء الدولة للأحزاب والقوى الإسلامية الشيعية هو المشترك الذي يجمع بين تلك القوى باختلاف عناوينها ومسمياتها. 
والغريب في الموضوع، أن العراق باعتباره من أقدم وأهم الحواضر الإسلامية، لم تستثمر فيه قوى الإسلام السياسي تلك المُقومات الحضارية، وبدلا من أن يكون منافسا قويا للنماذج السياسية الإقليمية التي تتصارع على زعامة الإسلام، تحول إلى ساحة للصراع بين الاستراتيجيات التي ترفع شعار الزعامة الإسلامية، وليس هذا فحسب، بل بات تابعا لطرف على حساب طرف آخر. 
في منطقة الشرق الأوسط يتصارع الآن على زعامة الإسلام السني كل من تركيا والسعودية. ويبدو أن الخلاف القائم بينهما يقوم على هذا الأساس كما كشفته قمة كوالالمبور (ديسمبر 2019). وفي المُقابل تنفرد إيران بتصدير نفسها باعتبارها زعيمة الإسلام السياسي الشيعي، وغياب النموذج المنافس لها يجعلها تقدم نفسها راعية لكل القوى والحركات السياسية الإسلامية الشيعية في المنطقة. 
منذ ثمانينات القرن الماضي كانت إيران أول من سوقت لنظرية جديدة لأم القرى، وذلك ما طرحته صراحة وثيقة بعنوان (مقولات في الاستراتيجية الوطنية: شرح نظرية أم القرى الشيعية) من تأليف محمد جواد لاريجاني. ولُبُّ الموضوع في نظرية أمِّ القُرى الإيرانية: "إن إيران الإسلامية ليست إحدى الدول الإسلامية فحسب، فالواقع أنَّ إيران هي (أم القرى/دار الإسلام). وإنَّ انتصار أو هزيمة إيران هما انتصار وهزيمة للإسلام. "و"دولة أم القرى ستصبح العالم الإسلامي التي لها القيادة، وهي في الحقيقة اللائقة لقيادة كُلِّ الأُمة الإسلامية"، "وإذا ادّعت دولة بأنَّها أمُّ القُرى فيجب عليها أنَّ ترفع مستوى قيادتها إلى أبعد من حدودها الجغرافية".. ولذلك "أنَّ مفهوم أمِّ القُرى ليس إرثًا لأي قوم؛ إذ يمكن أنَّ يكون القوم صاحب أمِّ القُرى الإسلامَ لمدِّة ما، وبعد مُدِّة يسقط عنه هذا الموضوع ... وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران أصبحت إيران أمُّ القُرى دار الإسلام". 
أما تركيا، فانتقلت من سياسة تصفير المشاكل مع الجوار والتي تبناها حزب العدالة والتنمية في بداية توليه سدة الحكم، والتي نظَّر لها أحمد داوود أوغلوا، إلى سياسة التورط في المشاكل والعمل على إنتاجها أو ديمومتها بعنوان عودة تركيا لزعامة الإسلام، والتي يطمح إليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولذلك تجدها تريد أنَّ توسع نفوذها جنوبًا بعنوان غير مُعلن هو "عودة السلطنة الإسلامية" بزعامة تركيا. 
وتبقى السعودية تصارع في سبيل الزعامة الإسلامية، وتعتبر ذلك من ضمن أولوياتها في المنطقة، لاسيما وأنّها تملك أهم مراكز الإسلام الروحية والدينية على أرضها، ولكن النماذج السلفية والمُتطرفة التي أخرجت من رحمها تنظيم القاعدة ومن ثم داعش، جعلتها تخسر الكثير من رصيدها الرمزي في قيادة العالم الإسلامي, وهي الآن تتصارع على جهتين الأولى نفوذها في منطقة الخليج العربي، والثانية صراعها على مناطق النفوذ مع الدول الإقليمية. 
ساحة هذا الصراع على زعامة الإسلام هي الدول الفاشلة أو الهشة، ولذلك تارة تجد التدخل التركي والسعودي والإيراني واضحًا وصريحًا في بلد واحد، مثل العراق. وتارة أُخرى، تجد الهيمنة الإيرانية أو السعودية أو التركية هي المُتفردة في تلك الدولة. وهنا تكمن المفارقة، فبدلًا من أنَّ يكون النموذج الذي يتنافس على زعامة الإسلام هو نموذجٌ لتحقيق التنمية والرفاهية، نجد أنَّه يعمل على إدامة الفوضى والخراب في تلك البلدان الهشة، وبالنتيجة تكون استراتيجية الزعامة للقوى الإقليمية المتنافسة على النفوذ في الدول الهشة مُعتمدة على دعم وإسناد قوى اللادولة في بسط نفوذها وهيمنتها على كيان الدولة الهش ومُؤسساته.
وعلى الرغم من تعدد الأدوات التي تنفذ من خلالها استراتيجية الدول المُتنافسة على زعامة الإسلام، فتجدها تستخدم كافة الوسائل المتاحة، فهي إمّا تكون من خلال التدخلات السياسية بصورة علنية وواضحة، أو الإعتماد على الأذرع العسكرية المُسلحة، أو استخدام سياسات القوى الناعمة، أو حتى من خلال دبلوماسية المسار الثاني والتي تعتمد على مراكز الأبحاث والدراسات, ولكنها بالنتيجة تعمل على تغييبٍ تامٍ لسيادة تلك الدول وجعلها تابعةً لها ولقرارها السياسي. 
الصراع على زعامة الإسلام، بات هو الأيديولوجيا التي تُبرر التوسع والتدخل في الدول الهشة في المنطقة العربية، ولم ينتج لنا إلا بقاء هذه الدول في صدارة قائمة الدول الأضعف في مُؤشرات التنمية، وفي الأكثر فسادًا، وصدارة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان وتقمع الحُريات. ولا يعرف المواطنون في الدول التي تحولت إلى ساحة صراع وحروب للإرادات الإقليمية والتي تتنافس على زعامة الإسلام، إلا الحروب الطائفية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. 
ومن ثم، تحولت نظرية أمُّ القُرى في أجندة قوى الإسلام السياسي، إلى ذريعة للهيمنة والتوسع ومصادرة إرادة شعوب الدول الهشة. وبدلًا من أنَّ تكون رافدًا مهمًا في نموذج الإسلام الحضاري الذي يغذي فكرة الانتماء والهوية الوطنية في دول تفتقد إلى الإجماع الوطني، تحول إلى استراتيجية توسعية تعمل على استبدال مبادئ احترام سيادة الدول إلى الذوبان في مشاريع زعامة الإسلام التي تتصارع العناوين الطائفية في منطقة الشرق الأوسط. 

البوم الصور