عناوین:

بلداننا المنكوبة، ألا يستحي حكامها؟

8/12/2020 9:50:37 AM
3237 مشاهدة
اياد العنبر
+ -

بينما تتابع النكبات المتتالية التي تعيشها بلداننا، وحالة الحنين إلى الماضي ومقارنته بتردي الحاضر، يمكنك القول إنه لو اجتمع أهم خبراء استراتيجيات تدمير البلدان ووضعوا خطة تآمرية على بلداننا لما وصل حال الدمار والخراب والانهيار الذي وصلت إليه على أيدي ساستنا وحكامنا، الذين جاءت بهم تجمّعات جماهيرية توصف مجازا بـ"الانتخابات"، وآخرون توارثوا الحكم عائليا، وبعضم استحوذ على السلطة بالانقلابات العسكرية وبقي فيها.
ويبدو أن المنظمات الدولية ومراكز الأبحاث والدراسات التي انشغلت بتوصيفات بلداننا في القرن الماضي بين التخلف والعالم الثالث وعالم الجنوب، ومن ثم الدول الفاشلة أو الهشّة، كانت تجانب الصواب وهي تتجاهل حجم الدمار والخراب والنكبات التي تتحقق على يد الطبقة السياسية الحاكمة في "دولنا". ولذلك من الإنصاف أن تبدأ بتحديد معايير للدول المنكوبة، والتي بالتأكيد ستكون بلداننا في صدارتها.
ورغم الحروب العَبثية ودمارها الذي حل بالأوطان والمواطنين، لم يتنازل زعماؤنا السياسيون عن لعبهم دور "الحكومات الأبوية" والتي كانت ولا تزال السبب الرئيس في تخلف مجتمعاتنا وتحويلها إلى مجتمعات كسولة مستهلكة وليست منتجة. فساستنا كما يصفها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: "هؤلاء الأوصياء حريصون على أن يعتبر الجزء الأكبر من أبناء البشر مسألة تحررهم أمرا خطيرا، لا مسألة غير مناسبة وحسب؛ وهم لتأكيد ذلك يركّزون حديثَهم دوما على المخاطر التي تحيق بالبشر حين ينطلقون وحدهم من دون أدلّة ومن دون وصاية".
ولذلك، بدأ زعماء النكبات فترات حكمهم بالترويج للأيدولوجيات الشمولية التي تلغي أي وجود للإنسان وتلغي حريته وكيانه الشخصي، ليكونوا بذلك هم حماة العقيدة والفكر ومن يحدد مصلحة المجتمع. ولم يتعلموا من السياسة إلا تبريرات فشلهم وسوء إدارتهم وفقا لنظرية المؤامرة.
وهم عملوا على إفراغ كل عناوين الممارسات السياسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة من محتواها، ففي بلداننا يتساءل المواطن عن جدوى الانتخابات، إذا كان الزعماء يتحكمون بمصائر البلاد والعباد وهم يقررون من يكون ومن لا يكون بالمناصب العليا في الدولة! وما فائدة الانتخابات إذا لم تكن اختبارا لنجاح أو فشل الزعامات والأحزاب السياسية في إدارة البلد؟ ما فائدتها إذا لم تكن هي الأساس في المحاسبة والمساءلة في حال فشل الحكام عن الوفاء بواجباتهم وتقصير عن إداء وظائفهم؟!
وحتى عنوان "الدولة الوطنية" التي تعبر عن رمزية الخلاص من الاستعمار وثمرة دماء سالت في سبيل الاستقلال التي كنا نفتخر بها في كتب تاريخنا المعاصر، باتت اليوم محل شك بجدواها! فعشرات السنوات من تراكم فشل الحكام الذي لم تحقق سوى منجزا وحيدا وهو: "نكبة تلد أخرى".
ومن ثم، أي مشهد مأساوي يختزله واقعنا السياسي ونحن نشهد شعارات ترفع بعد النكبات تدعو إلى عودة الوصاية الأجنبية على بلداننا للخلاص من "حكامنا الوطنيين" الذين انتخبنا بعضهم وفرض الآخرون أنفسهم حكاما علينا! وهل كان يخطر ببال أحد أن نصل إلى هذه السرديّة المحزنة لولا فشل الطبقة الحاكمة وفسادها؟!
ويمكنك تخيل حجم النكبة التي تعيشها شعوبنا على يد حكامنا، بعد أن باتت تفرط بحريتها واستقلالها في سبيل ضمان استمرارها على قيد الحياة! ودليل ذلك المناشدات التي رفعها بعض اللبنانيين في أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان بعد كارثة مرفأ بيروت، والتي طالبت بعودة الانتداب الفرنسي!
وفي العراق الذي أثخنت جراحاته بسبب الفاسدين والفاشلين، يطل علينا بين فترة وأخرى من يعترف بالخطأ، لكنه يتعالى عن الاعتذار عن حماقاتهم التي تركت ندبات لا تمحى وهدمت أسس بناء الدولة. حتى بات الحنين إلى أيام الدكتاتورية والتغني بأيام النظام الشمولي يعبّر عن ردة فعل بإزاء تردي الواقع المعاشي ومعاناة العراقيين من الموت المجاني والفساد وطبقية سياسية تثبت يوما بعد آخر فشلها في إدارة الدولة وعجزها عن توفير أبسط متطلبات ديمومة الحياة، ولا نقول العيش الكريم الذي بات مطلبا ترفيا.
ويبدو أن نزار قباني لم يجانب الصواب عندما قال في إحدى قصائده: "إن الثورة تولد من رحم الأحزان". فهذا الجيل الشبابي الذي يستغل منصات وسائل التواصل الاجتماعي لتأكيد رفضه لسياسات الفشل والنكبات التي أنتجتها طبقة سياسية تفصل بينها وبين تطلعات أجيال الشباب سنوات ضوئية. فهذا الجيل لم ولن يتنازل عن مطالبه بحياة حرة وكريمة، حاله حال بقية شعوب المعمورة. وهو يدرك تماما بأن الوصول إليها لن يتم إلا من خلال إعلان الثورة والتمرّد على الأنظمة السياسية التي تديرها وتهيمن عليها إقطاعيات ومافيات سياسية.
لكن المعركة في بدايتها بين تيار شعبي يقوده شباب البلدان المنكوبة، وبين زعماء النكبات الذين يحاولون التحايل على حركة التاريخ بنظريات المؤامرة والشعارات الطائفية والقومية على أمل بقائها في السلطة وعدم خساراتهم مواقع النفوذ. ومهما طالت المعركة وتعددت وسائل التحايل لقادة النكبات والخيبات ستكون النتيجة حتما انتصار إرادة الشعوب التي باتت تدرك تماما بأن لا حياة ولا مستقبل في ظل الخضوع لحكم نخب سياسية تتعامل مع شعوبها على أنهم رعايا وتابعين لهم وليس مواطنين.

البوم الصور