عناوین:

خيارات أميركا في لبنان بعد كارثة المرفأ

8/8/2020 8:26:10 AM
2311 مشاهدة
جويس كرم
+ -

كرة النار التي انفجرت فوق بيروت الثلاثاء لتحرق وتدمر جزءا كبيرا من المدينة وتصعق أهلها وتشرد مئات الآلاف منهم، هي ـ عدا عن كونها كارثة إنسانية ـ كرة النظام السياسي الذي يحترق فوق جثامين اللبنانيين.
أطنان المتفجرات المحشوة في مرفأ استخدمته مافيات السلطات اللبنانية للتهريب والمتاجرة بالسلاح والثراء، انفجرت في وجه بيروت وأهلها لتقتل 145 منهم وتصيب أكثر من خمسة آلاف وتشرد 300 ألف فيما التقدير الأولي لحجم الأضرار يفوق الـ 15 مليار.
النظريات المحاكة عن طائرة أو صاروخ أو اعتداء قبل أن ينتهي التحقيق كلها مبررات سياسية لإعفاء جهات معروفة في السلطة من المسؤولية عن الكارثة. واقع الأمر أن معرفة ما حصل يتطلب تحقيقا شفافا، لا السلطات في لبنان قادرة على إجرائه، وحتى إذا أتيحت لها القدرة فلا ثقة في ما تقوله أو في قدرتها على محاسبة نفسها. فهي التي كذبت أولا وقالت "مفرقعات"، قبل أن تكذب ثانيا وثالثا ورابعا بالتعهد بالمحاسبة "وتشكيل لجنة" فيما تمنع خبراء الجريمة من الوصول إلى ساحة الانفجار. ولنفترض لداعي الجدل أنه كان صاروخا أو قنبلة، فأين مسؤولية الدولة ودوائرها الأمنية لحماية المرفأ؟ وأين سلطتها من منع تحويل مرفأ من نقطة تهريب للسلاح والمتفجرات وتلاق للمافيات الإقليمية؟
ما نعرفه هو انفجار آلاف الأطنان من أمونيوم نيترات في مرفأ هو شريان الحياة للمواطن اللبناني فوق غرق البلاد بعجز مالي يفوق 86 مليار دولار وإفلاس أخلاقي لطبقتها السياسية.
من يتابع الشأن اللبناني لم يتفاجأ بوقع وحجم الكارثة. فاضمحلال الدولة اللبنانية بما يعنيه ذلك من تهاو مؤسساتي واقتصادي بدأ منذ عقود وتعتمد على تضعضعه اليوم مافيات الداخل ومجموعات مثل "حزب الله" تعتبر وجود دولة قانون ومؤسسات وأمن تهديدا لها. فأي دولة تحترم نفسها وشعبها تخزن 2700 طن من الأمونيوم نيترات على بعد أمتار من مواد غذائية ومن دون أدنى إجراءات لحماية المخزون. وأي دولة تستخدم المرفأ والمطار والحدود لتهريب وتوصيل السلاح فوق أعين القوى الأمنية. 
الشعارات والخطابات لم تعد تنفع في لبنان، فالتذرع بمحور إقليمي وممانعة وكلام فضفاض جاء على حساب لقمة العيش ومصلحة المواطن. مقاومة إسرائيل لا تكون عبر تشريد وتجويع وتفقير للشعب اللبناني، بل تبدأ أولا وأخيرا ببناء دولة قادرة على حماية مواطنيها بدل تدمير بيوتهم وأرزاقهم وتسلط المافيا فوق رقابهم.
الإدارة الأميركية تتابع عن كثب كارثة المرفأ وهي اليوم تعتمد أربعة خطوط:
1 ـ التنسيق مع وليس التمويل للحكومة اللبنانية: فليس هناك ثقة بحكومة حسان دياب لا في أميركا ولا في أوروبا وهي حكومة الضرورة في ضوء كارثة وحال طوارئ داخل البلاد. أما المساعدات والتمويل، فآخر ما تراه واشنطن هو تعويم حكومة الانهيار والكوارث من خلال ارسال المعونات لها. فالطائرات الأميركية الثلاث ستحمل مساعدات إلى منظمات إنسانية على الأرض وأخرى تابعة للأمم المتحدة.
2 ـ التواصل مع الجيش اللبناني كمؤسسة تثق بها واشنطن أكثر من الباقين: من هنا كان اتصال قائد القيادة الوسطى الجنرال فرانك ماكينزي بقائد الجيش اللبناني جوزيف عون لإرسال الطائرات والتحضير لخطوات أخرى أيضا عبر المؤسسة العسكرية.
3 ـ لا تغيير بموقف واشنطن حول الإصلاحات الضرورية في لبنان، لا بل فإن كارثة مرفأ بيروت تؤكد اليوم على ضرورة القيام بإصلاحات يطالب بها صندوق النقد الدولي ويرفضها "حزب الله" ومافيات الدولة مثل وضع كاميرات في المرفأ، والدفع إلكترونيا لمنع التهريب وضمان سجل للمحاسبة.
4 ـ لا ضغوط أميركية اليوم لإسقاط الحكومة فالفراغ الحكومي هو أسوأ في هذا الوقت، مع الرغم أن واشنطن تدرك مستوى الغضب في الشارع اللبناني واحتمال اندلاع احتجاجات واسعة.
كارثة مرفأ بيروت هي منعطف للبنان إما بطوي صفحة الانهيار والقيام بإصلاحات تمهد لدولة قانون ومؤسسات أو المضي نحو هزة سياسية وشعبية ضخمة رافضة لهذا الواقع وستسعى لإسقاط أدوات السلطة في الشارع. رماد بيروت لم يعد يحتمل أعذارا ومؤامرات سياسية، والخيار اليوم هو بين المافيات والإصلاح ولا ثالث لهما.

البوم الصور