عناوین:

هل الفقر هو سبب الإرهاب؟

10/17/2020 7:59:30 AM
2275 مشاهدة
د.توفيق حميد
+ -

بعد تفشي وانتشار ظاهرة التطرف الإسلامي والإرهاب في العالم ظهرت فكرة ومقولة أن الفقر هو السبب الرئيسي للإرهاب.
ويا لها من مقولة تحاول بكل الوسائل أن تبعد أنظار الناس عن الأيديولوجيا الجهادية كسبب رئيسي لظاهرة التطرف والإرهاب.
والأمر في غاية الخطورة هنا لأن محاولة صرف نظر الناس والقيادات عن سبب الإرهاب الحقيقي وهو "الفكر الديني المتطرف" هو أمر كارثي بكل المقاييس لأنه يبعدهم عن مواجهة السبب الحقيقي للمشكلة ويوجه طاقتهم إلى أمور أخرى قد تكون هامة ولكنها بالقطع ـ كما سنرى ـ ليست هي سبب المشكلة.
والأمر هنا مثل أن يتم تشخيص مرض آخر لسبب الآم شديدة في البطن بدلا من المرض الحقيقي. ففي هذه الحالة سيتم توجيه العلاج للسبب الخطأ فلا يتم علاج المريض وتستنزف الأموال والقدرات الصحية في علاج سبب آخر للمرض.
ودعونا نتكلم هنا بصراحة شديدة.
إذا كان الفقر هو سبب الإرهاب فلماذا لا نراه ـ أي الإرهاب ـ منتشرا في دول غير إسلامية تعاني شعوبها من الفقر الشديد. فلم نرى الهندوس الفقراء في الهند أو أطفال الشوارع في البرازيل أو المسيحيين الفقراء في أثيوبيا يقومون بعمليات انتحارية لقتل المدنيين العزل.
وإذا كان الفقر هو سبب الإرهاب فما هو السبب يا ترى أن هناك العديد من الإرهابيين في العالم من ميسوري الحال. فأسامة بن لادن كان يمتلك مئات الملايين من الدولارات وأيمن الظواهري كان من عائلة غنية وميسورة الحار والإرهابي نضال حسن في أميركا كان طبيبا مرموقا في القوات الأميركية؟
الحقيقة هي أن التطرف والإرهاب والوحشية الدينية والهمجية الجهادية هم السبب الحقيقي في الفقر وليس العكس.
ولنا أن نتصور ولو للحظة واحدة كيف كان سيكون الحال في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا لو لم يكن هناك تطرف وإرهاب وعمليات انتحارية في هذه الدول. ألم تكن هذه الدول تتمتع الآن بالأمن والأمان والاستقرار الذي يجلب الاستثمار والنجاح الاقتصادي لشعوبها!
ولنا في هذا اللحظات أن نتذكر أيضا كيف تسبب الإرهاب والعمليات الإرهابية في دولة مثل مصر في ضربات شديدة لقطاع السياحة تسببت في إفقار الشعب وإضعاف الدولة اقتصاديا. فالكثير منا لم يزل يتذكر مذبحة الأقصر في أواخر التسعينيات وتفجير مواقع سياحية وقتل العشرات في مدينة دهب بسيناء وغيرها من العمليات الإرهابية الإجرامية التي فاقمت الفقر والعوز في المجتمع المصري بعد تأثيرها السلبي على السياحة وما تدره على الدولة من عملة صعبة.
وفي هذا السياق لا بد من توضيح نقطة هامة ألا وهي أن العلاقة بين الفقر والإرهاب هو علاقة تكافلية بمعنى أن الإرهاب يتسبب في إفقار الشعوب وكنتيجة لهذا الفقر تزيد قدرة الجماعات المتطرفة على اجتذاب أعضاء جدد من هؤلاء الفقراء. فما لا شك عندي فيه أن استقطاب شاب فقير وتشجيعه على الإرهاب قد يكون أسهل من استقطابه وهو ميسور الحال بسبب وجود حافز مادي للانضمام لهذه الجماعات بالإضافة إلى الحافز الديني.
وفي هذه الحالة فإن علاج مشكلة التطرف الفكري والديني المتسبب في الإرهاب يكون أمرا أساسيا لعلاج مشكلة الفقر في هذه المجتمعات وليس العكس.
فعلاج الفقر كمحاولة لعلاج التطرف وإهمال علاج أيديولوجية التطرف هو مثل محاولة علاج العرض وليس علاج المرض نفسه.
وككلمة حق فقد بدأ بعض القيادات والقادة في الدول الإسلامية في الاعتراف بأن الأيديولوجية الدينية في المنطقة ـ وليس الفقر ـ هو السبب الحقيقي للإرهاب. وذكر في هذا الشأن الرئيس عبد الفتاح السيسي والأمير محمد بن سلمان. وكلاهما لم يتردد لحظة في إقرار هذه الحقيقة على الملأ وأمام الإعلام المحلي والعالمي.
وأخيرا وليس آخرا فإن بداية الاعتراف بسبب أي مشكلة هو الخطوة الأولى لحلها. فكما رأينا "فكرا" يولد كراهية وعنف وغلظة ووحشية وهمجية فإن "فكرا" آخر قد يولد من رحمه الرحمة والخير والمحبة ومبادئ الإنسانية.
فمتى يا ترى نرى هذه الحرب المقدسة لإنهاء فكر التطرف واستبداله بفكر التعايش بين الحضارات؟
وللحديث بقية!

البوم الصور