عناوین:

مصطفى الكاظمي واستمرار انتفاضة العراقيين

5/21/2020 6:09:29 PM
5364 مشاهدة
أمير المفرجي
+ -

يتفق العراقيون على أن أمام مصطفى الكاظمي مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة، للتميز عن من سبقه في رئاسة الوزراء، في ظل انهيار سعر برميل النفط، واستمرار الصراع الأمريكي ـ الإيراني على أرض العراق، فضلا عن تصاعد المطالب الشعبية التي عكستها المظاهرات الاحتجاجية المستمرة، التي لم تتوقف بمجيئه في المنصب الجديد، على الرغم من حالة التفاؤل المفرط عند القلة القليلة من العراقيين، التي لا زالت تأمل أن يكون مجيء رئيس الوزراء الجديد، الفرصة الأخيرة لتغيير مسار العملية السياسية الطائفية، في بناء الدولة الوطنية ومحاربة الفساد والخروج من دائرة الصراعات الإقليمية، التي أوصلت العراق والعراقيين لهذه الحالة البائسة.
وإذا كان من الطبيعي أن يتفاءل العراقيون من احتمال الرجوع للعيش بأمن واستقرار من خلال محاربة الفساد، وملاحقة الميليشيات المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة. والابتعاد عن زج العراق في دائرة الصراعات الدولية والإقليمية لحساب الولايات المتحدة وإيران، بعد سماعهم لخطاب رئيس الوزراء الجديد، الذي وعدهم بأن حكومته ستكون في خدمة الشعب، بيد أن طريقة اختيار الحكومة الجديدة وتشابه أسس تكوينها الطائفي من خلال نفس الأحزاب، سيبدد لا محالة هذه الآمال ويجعل من تداولها في الشارع أقرب إلى عنوان اغنية «حجيك مطر صيف» للمرحوم فؤاد سالم، لا تروي ظمأ العراقيين المتعطشين للحرية والأمان والعيش الكريم.
في المقابل يرى كل من له بصيرة وطنية فيما يتعلق بوعود التغيير التي يحملها رئيس الوزراء، على أنها ليست سوى أمنيات يصعب تحقيقها، إذا أخذنا بعين الاعتبار العلاقة بين طبيعة العملية السياسية والمقاييس المذهبية التي رسمت للعراق، التي حددت بوضوح حدودها ومن له الحق في المشاركة فيها. وبالتالي حصرها لصالح الأحزاب الشيعية والسنية والكردية ولمن يدين بولائه للخارج ويرتبط به عقائديا.
من هنا أصبح من الصعوبة، قيام أي نظام سياسي عراقي وطني تنطبق عليه مواصفات الشارع العراقي، الذي ارتبط قبوله بشخصية رئيس الوزراء وتشكيلته الوزارية، بشروط الولاء للوطن والنزاهة والشفافية والاستقلالية عن الأحزاب والكتل السياسية، وعدم تسنمه أي منصب تنفيذي أو تشريعي بعد عام 2003. وكما سيكون من المستحيل تصديق تصريحات رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي حين يقول «إن الحكومة العراقية الجديدة ستكون حكومة خدمات، خادمة للشعب بالأفعال وليس بالأقوال والجميع يتحمل مسؤولية نجاحها».
لا شك أن قابلية نجاح العملية السياسية وإعادة ترتيبها بشكل حضاري ودستوري بعيدا عن سيطرة الكتل والأحزاب المدعومة من الخارج التي عاثت بالبلاد فسادا، يرتبط بحتمية وأولوية السماح والبدء بعملية تحول نظام سياسي واجتماعي يحقق تطلعات الشارع العراقي، من خلال إبعاد إدارة البلاد من الأحزاب الطائفية الفاسدة. بعد أن أثبتت هذه الأحزاب من خلال خطابها الطائفي عن دورها الواضح والخطير في تقسيم البلاد، ودخولها بالنيابة في صراعات دولية وإقليمية لحساب القوى المؤثرة، وربط مصير البلد بإيران في قضايا ومشاكل ليس للعراق فيها لا ناقة وجمل. وهذا هو الواقع الذي يلمسه العراقيون، من خلال ولادة حكومة مصطفى الكاظمي التي ستبدد عاجلا أم آجلا آمالهم في التغيير، لتصبح في النهاية مجرد أمنيات.
حيث ترجمت إشكالية صعوبة التوافق بين أحزاب المحاصصة لاختيار حكومة الكاظمي، وعدم اكتمالها نتيجة استمرار الخلافات بين الأطراف السياسية وكما كانت في السابق على بعض الوزارات وخروجه بالنهاية بحكومة غير كاملة، على استمرار عملية المحاصصة الطائفية التي رسمتها الإدارة الأمريكية وتم استغلالها من قبل إيران، لينتهي المطاف بولادة حكومة وفق أطر المحاصصة الطائفية، التي رسمت شكل النظام السياسي، وشرعنت هويته الفئوية من خلال اعتمادها على المحسوبية. وهنا لا بد من التذكير في ان التركيز على طبيعة الهوية المذهبية كاستحقاق سياسي لاختيار رئيس الوزراء، يدخل ضمن سياسة المحاصصة التي ترتكز على مبدأ دكتاتورية الطائفة المعمول بها منذ 2003، وهي سياسة يراد منها افشال قدرة النظام السياسي الوطني في إزاحة النظام الطائفي المرتبط بالخارج، ومن ثم قبول ترشيح الرئاسات الثلاث على أساس الانتساب للهوية الوطنية وليس على حساب التقسيم القومي والطائفي.
يبقى السؤال عن أسباب قبول مصطفى الكاظمي لهذا المنصب على الرغم من أنه لم يكن خيارا مقبولا لدى ساحات الاحتجاج من جهة، وقبوله متأخرا من إيران وأحزابها في العراق بعد رفضه واتهامه في البداية بتدبير قتل قاسم سليماني والعمالة للولايات المتحدة الأمريكية؟
من الواضح أن استمرار الجدل والخلاف في أسباب اختيار مصطفى الكاظمي لرئاسة الحكومة العراقية، وتأكيد رفض الشارع العراقي وساحات التظاهر لترشيحه، واستمرار القمع الحكومي لثوار انتفاضة تشرين في فترة استلامه للسلطة، والإصرار في نفس الوقت على قبوله أمريكيا وإيرانيا قد تدفع بالكثيرين، بقبول قراءة مختلفة لأسباب اختيار رئيس الوزراء الجديد.
ثمة ما يبرر بعض الأسباب التي قد تدخل في سياق آخر ولدوافع خارجة عن نطاق الساحة العراقية، نظرا للأهمية الكبيرة التي يمثلها العراق كساحة للصراع والتفاوض بين أمريكا وإيران، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، إشكالية تطور الموقف الإيراني ورغبة طهران في الوصول إلى اتفاق مع الإدارة الأمريكية، نتيجة للوضع الاقتصادي والصحي المتدهور، وهذا ما قد يفسر من وصول مصطفى الكاظمي الذي يتمتع بتوافق أمريكي ـ إيراني في هذا الوقت بالذات، على الرغم من رفض ساحات التظاهر في بغـداد ومدن الجنوب لترشيحه.
من هنا، تظهر الأسباب الحقيقة لقبول مصطفى الكاظمي وتبدو أكثر ارتباطا مع ملف الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية عن ملف الأزمة الداخلية العراقية ومشكلة رفض العراقيين للعملية الطائفية في بلدهم. نظرا لقبول طهران بمرشح الإدارة الأمريكية، رغبة للوصول لحل مشاكل فشل المشروع الثيوقراطي الذي جلب لها الويلات والاستمرار ببقاء عملية المحاصصة الطائفية التي يتقاسمها الطرفان الأمريكي والإيراني في العراق. وهذا يعني بدون شك في ان الأزمة التي خلفتها عملية اغتيال قاسم سليماني لم تعد بتلك الأهمية التي يراها ملالي إيران في الوقت الحاضر. واعتبار خطورة نهاية النظام الإيراني المتهاوي هي بمثابة الأهمية الأولى التي ما تعادلها أهمية أخرى.
لا شك أن قبول مصطفى الكاظمي على رأس حكومة محاصصة طائفية، يأتي ضمن نفس السياق ولكن قد يختلف في الشكل على الرغم من استمراره في المضمون عن طريق تقسيم الكعكة العراقية بالسكين الأمريكية والملعقة الإيرانية، التي رفضها العراقيون من خلال استمرار ثورتهم، ثورة الهوية العراقية، التي ستسقط الكاظمي كما أسقطت عادل عبد المهدي، اذ تجرأ على إخمادها بالرصاص.

البوم الصور