عناوین:

ثورة تشرين.. رهانها وأفقها السياسي

10/1/2020 11:21:53 AM
2657 مشاهدة
حيدر سعيد
+ -

لم تنفك ثورة تشرين في العراق، منذ أن تحولت من كونها حركة احتجاجية ذات طابع مطلبي إلى أن تكون حركة واسعة تستهدف إسقاط النظام القائم أو إجراء إصلاحات جذرية فيه بما يسمح بولادة نظام بديل (وهو ما أطلق عليه “ثورة”)، عن التفكير بآلياتها الداخلية التي توصلها إلى الهدف، والعوائق التي تقف دون ذلك، فلم يعد التفكير ينحصر بهدف إسقاط النظام، وقد بات هذا الهدف مفروغا منه، وبمنزلة تحصيل الحاصل، بل باتت الأسئلة عن الخطوة اللاحقة، وعن سبل تطوير العمل الاحتجاجي، وكيفية إخراج نهاية الثورة، والمسارات السياسية المصاحبة والموازية لذلك، وما إلى ذلك من أسئلة تدور في هذه الدائرة، هي الأسئلة الأكثر حضورا.

وبلا شك، هذه الأسئلة هي الأهم في صناعة مسار الثورة من سواها. ولا تختلف الثورة في ذلك عما سبقها من ثورات في العالم، حددت مساراتها، ورسمت مخرجاتها، وحتى رموزها، وأيقوناتها، وقادتها، أسئلة على هذه الشاكلة. وما حصل لثورة تشرين شيء من هذا، فالقادة الذين أفرزتهم الثورة هم الذين أطلقوا مبادرات لإدارة آلياتها الداخلية، بما يوصلها إلى أهدافها، وليس الذين صاغوا رؤيتها وأهدافها.

وإذا كان التفكير في الآليات الداخلية للثورة تحركه رغبة في نجاح الثورة (أي أن تبلغ أهدافها)، فإن نجاح الثورات لا يتوقف على تماسكها وآلياتها الداخلية، التي – على أهميتها البالغة – لا تمثل سوى عامل واحد فقط، ففي لحظات محددة، ومواضع محددة، يكون لعوامل أخرى القول الفصل في نجاح الثورات، كالعوامل الخارجية والإقليمية، وتركيبة الأنظمة نفسها، وسوى ذلك. غير أن قوى الثورة لا تستطيع إلا إدارة الآليات الداخلية والتفكير فيها، فليس في مقدورها ترتيب وإدارة كم كبير من المتغيرات، يقع خارج نطاق سيطرتها.

وإذ تفتقد الثورة إطارا تنظيميا، أو قادة، أو أحزابا قائدة، باتت الأسئلة عن آلياتها الداخلية أسئلة عامة، تشغل كل المعنيين بشأنها، على اختلاف مواقعهم ومدى إسهامهم فيها، المحتجين الفعليين على الأرض، وداعميها من خارج الميادين، الذين لم ينخرطوا – بالضرورة – في الفعل الاحتجاجي المباشر، ولكنهم لا يجدون أنفسهم بعيدين عن مطالب الإصلاح السياسي. ولذلك، هم يعملون على أن تبلغ الثورة هدفها، كل بقدر ما يملك، ومن حيث يكون.

الثورة حالة لا غاية

ترتبط الأسئلة عن الآليات الداخلية للثورة بالمخاوف العامة المحيطة بها. وبكلمة، هي الوجه الآخر للرغبة في نجاحها، هي ما يمكن أن نعبر عنه – في هذا الموضع – بأنها الخوف على الثورة من أن تذوي قبل أن تبلغ هدفها. وبالتأكيد، كان الخوف على الثورة، في كثير من اللحظات، أعلى وأكثر وضوحا من الرغبة في نجاحها. وستشرح الفقرات اللاحقة ذلك.

كانت ثمة حزمة من المخاوف التي تحيط بثورة تشرين، منها أن تقود الثورة – بشكل من الأشكال وباستغلال ودفع من قوى مختلفة – إلى أن تنزلق البلاد إلى أعمال عنف، بالكاد برأت منه، ومنها أن تحبس الثورة في إيقاع محدد، يقضي عليها، غير أن الخشية الكبرى كانت تتمثل – دائما – في أن “زخم الاستمرارية” مهدد، بمعنى أن الثورة ستتوقف – في لحظة – عن إبداع فعل احتجاجي على الأرض يهدد النظام، وهو الأمر الذي سيجعلها تذوي، فمن دون الاحتجاج على الأرض، لن يكون مفيدا التضامن العام والداعم للثورة، في أي مكان، وبأية وسيلة كانت.

لعبة الوقت هذه يدركها النظام، ويلعب عليها لاستنزاف زمان الثورة، ولا سيما إن شرائح مجتمعية عدة – منها من يتضامن مع الثورة ويعمل على إنجاحها – تحس بالحاجة إلى أن تعود الحياة إلى طبيعتها، فتنتهي الاعتصامات، والإضرابات، والإغلاقات، وتستأنف الدراسة، والأسواق، والأعمال.

غير أن الثورة مفاجأة مستمرة، فقد كانت تمضي في طريقها بإصرار، بعد كل لحظة، كان يبدو فيها أنها ستقلب صفحتها الأخيرة، وقد ووجهت بعنف غير مسبوق، من اغتيال للمئات من شبابها، واعتقال، وتغييب، وترهيب، وتنكيل.

 

كان يحف بكل ذلك شعور يصل إلى حد العدمية: ليس ثمة ما نخسره، إذا استمرت الثورة، أكثر مما خسرناه، وما يمكن أن نخسره وننزفه في حال بقي هذا النظام. هذه العدمية المرافقة للثورة هي التي خلقت التصور بأننا أمام نمط جديد من الثورات: ثورات طويلة، لا تحقق هدفها – بالضرورة – في أسابيع قليلة، ولا تتوقف إذا لم يتحقق هدفها، على نحو عاجل.

ومع ذلك، لم تتحول الثورة إلى غاية، بل أصبحت “حالة”، عبرت هدف إسقاط النظام، وأصبحت فضاء، يكتشف فيه جيل جديد (وشعب بأكمله) معنى الوطنية العراقية، ويعيد بناءها. وما تصنعه هذه الحالة الثورية أهم بكثير، بلا شك، من المسار السياسي الذي ينضج ببطء، ليصنع – في النهاية – لحظة تحول كبير.

وفي الحقيقة، أن تحول الثورة إلى حالة، تجوس عقدا تاريخية مركبة، كان أحد العوامل الأساسية التي أعطتها هذا النفس الطويل، أبعد من الهدف المباشر بإسقاط النظام.

طول الثورة هذا، وقد أصبحت حالة أكثر مما هي ديناميكية تغيير سياسي سريع، ومن ثم، بطء المسار السياسي في صناعة لحظة التحول، كان يزامنه ويرافقه (ويدعمه) أن الأغلبية من العراقيات والعراقيين ليسوا مع الخيار التصفيري. أي خيار الإسقاط الكامل للنظام وبناء نظام سياسي جديد وعملية سياسية جديدة، من الحجر الأول. ومع أن هناك رؤية تنتشر بين بعض المحتجين بضرورة إسقاط النظام القائم، وبناء نظام جديد من الصفر، ثمة – في المقابل – خشية غالبة مما يمكن أن يؤدي إليه التصفير من عودة التجمع في إطار الهويات الإثنية والطائفية لتحقيق المكاسب السياسية، ومما يمكن أن يفضي إليه هذا من عنف، إذا افتقدت البلاد إلى ناظم يوجه عملية الانتقال نحو النظام الجديد وبنائه. ولا تزال ذاكرة تجربة ما بعد 2003 شاخصة، إذ انتهى سقوط الاستبداد إلى حرب أهلية (2006 2008)، مع وجود ناظم خارجي فرض قواه المسلحة في الأرض، وهو الولايات المتحدة. وفوق كل ذلك، لا أحد يملك ضمانة بأن العودة إلى النقطة صفر ستقود إلى نتائج أحسن مما آلت إليه الأمور، منذ 2003 وإلى هذه اللحظة.

ولذلك، كانت ثمة رؤية دائمة بأن الحل يمكن أن يأتي من المسار السياسي القائم.

من هنا، كانت الرؤية الأهم التي بنتها الحركة الاحتجاجية، منذ مبتدئها في مطلع تشرين الاول/ أكتوبر 2019، هي رفض الإصلاحات “الترقيعية”، بفهم أن سائر دعوات الإصلاح التي صدرت عن نظام ما بعد 2003 وسائر ما قام به من إجراءات، لا يمس ولا يستهدف المكامن البنيوية التي قادت إلى عطب النظام.

وفي تقديري، أن “الإصلاحات”، التي كان يبادر إليها النظام (منذ 2010، في أقل التقديرات)، إنما كانت تستهدف احتواء الضغط الاحتجاجي، ومن ثم، “ديمومة النظام”، ببنيته القائمة أساسا.

إن هذا كله يعني أن نقد “الإصلاحات الترقيعية” كان يتضمن – إلى حد كبير – قبولا بمبدأ “الإصلاح”، على أن يكون بشكل آخر، جذريا، غير ما مارسه نظام ما بعد 2003. وما أفكار “الانتخابات المبكرة”، و”إصلاح القانون الانتخابي”، و”إصلاح مفوضية الانتخابات”، التي تبناها طيف واسع من المحتجين، إلا أفكار للعمل من داخل النظام القائم، لا بنقضه وإنكاره ونسفه. ولكنها أفكار ذات طابع جذري، تمس بنى مؤسسية أساسية، تسهم في تشكيل النظام.

وقد تبنت أركان مهمة داخل النظام مثل هذه الأفكار، ما يعني أن النظام نفسه (أو جزءا منه) يؤمن بأن حل أزمته لا يكون إلا بإصلاح بعض مفاصله وتغييرها. وقد كانت لحظة استقالة حكومة عادل عبد المهدي، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 تحت ضغط الاحتجاجات، هي اللحظة الأهم في هذا المجال، فمعها، أصبحت قوى السلطة أمام خيار، لا فقط تقديم رئيس وزراء مقبول – بدرجة ما – من الشارع والحركة الاحتجاجية، بل كذلك فتح مسار لحكومة انتقالية، وإجراء انتخابات مبكرة، وتعديل قانون الانتخابات، وتغيير مفوضية الانتخابات. وهي مطالب تبنتها أركان أساسية في منظومة السلطة.

 

وبلا شك، أن هذه المنظومة، بحد ذاتها، بما تضمه من أحزاب، وتنظيمات، ومؤسسات، وزعامات، هي أهم عائق أمام الإصلاح، وهي – في الحقيقة – ما تريد الحركة الاحتجاجية الخلاص منه لبناء نظام جديد. هذا فضلا عن أن أطرافا مهمة في هذه المنظومة تملك إرادة القتل وأداته، وقد طبقت ذلك في مواجهتها للحركة الاحتجاجية القائمة، ولا يملك أحد – في المقابل – القوة لإقصائها، كما حصل مع نظام البعث، الذي فككته أعتى قوة عسكرية في العالم.

ومع ذلك، أن “غريزة البقاء” لدى النظام، وشعوره بأنه مهدد باحتجاجات يمكن أن تنفجر بأية لحظة، يشكلان لحظة سياسية مفصلية، لا ينبغي أن تمضي من دون أن تستغل لإجبار النظام على القبول بإصلاحات جذرية، تحت وقع الاحتجاجات المستمرة.

 ثورة الإصلاحات الجذرية

أنا أصف، هنا في الحقيقة، الطرق والخلفيات التي قادت إلى رسم الملامح السياسية للثورة، فقد أسهم كل هذا – الموصوف في ما تقدم – في صناعة الأفق السياسي لثورة تشرين: أن يسهم الضغط الاحتجاجي، الطويل والمتواصل، في بناء مسار سياسي، يفضي إلى تعديلات جذرية في النظام، بما يجعل منه شيئا (نوعا) آخر.

وعلى الرغم من شعار “إسقاط النظام”، الذي يرفع في الثورة، هنا وهناك، وبين آونة وأخرى، ثمة قبول ببقاء النظام إطارا، وإنما الأمل الأكبر في إصلاحه إصلاحا جذريا. وهذا ما تكشفه وثائق الثورة(1)، التي تعترف بالمؤسسات القائمة ولا تتنكر لها. ويدخل في هذا الأمل، ترقب ما إذا كانت مخرجات المسار السياسي (تشكيل حكومة جديدة بعد استقالة الحكومة السابقة، وتشكيل لجنة لتعديل الدستور، وإجراء تعديلات على قانون الانتخابات،..) ستقود إلى إصلاحات جذرية.

 

وإذا كان لنا أن نستعمل تعبير “إعادة بنينة” لوصف هذه العملية، فإنها ينبغي أن تتضمن أمرين: الاستمرارية مع النظام القائم (القديم)، بغض النظر عن شكل هذه الاستمرارية وقدرها، والانطلاق منه لصناعة بنية جديدة.

وهذا يعني أن ثمة ثلاثة مكونات أو مفاهيم تشكل الأفق السياسي للثورة ومسار الانتقال إلى نظام جديد:

- الاحتجاجات الطويلة والمتواصلة.

- والمسار السياسي الذي يكون هدفه، الأول والأخير، إصلاح النظام السياسي،

- والطابع الجذري لهذه الإصلاحات.

هذه المفاهيم الثلاثة متراكبة ومترابطة، ولا يمكن أن تستوي الثورة ومسار الانتقال إلا بها جميعا.

والوعي بهذا الترابط مهم جدا، فثمة خشية محيطة بالثورة من أن تؤدي فكرة الانطلاق من النظام القديم لإصلاحه، والرغبة العارمة بدرء المخاطر التي قد تنزلق إليها الثورة، إلى نوع من “الحلول” المتعجلة، التي لا تنهي أزمة النظام.

ولا يمكن أن يكون ثمة حل من دون تفكير جدي بعمق الأزمة، من حيث هي أزمة نظام، وليست أزمة أشخاص، أو سياسات. والانفجار الذي حدث يمكن أن يتكرر في أية لحظة قادمة، ما لم تعالج جذوره.

ومن ثم، ينبغي أن تكون النزعة “الجذرية” حاضرة في أي تفكير بمصير النظام السياسي.

في قراءته لثورات الربيع العربي، يحدد عزمي بشارة هذه الثورات بأنها كانت “ثورات إصلاحية”. وهو يستعمل هذا التعبير، الذي يبدو أنه يجمع بين ديناميكيتين مختلفتين، “ثورة” و”إصلاح”، في الإشارة إلى التجارب الناجحة في الثورات العربية، التي كان من سماتها أنه كان للنظام القديم (أو جزء منه) دور في عملية الانتقال(2). ويمكن القول إن نجاح هذه التجارب إنما بني على صفقة مع النظام، شكلت نقطة مفصلية في مسار هذه التجارب. والمثال الأهم، هنا، تجربة تونس، التي مر الانتقال بها بأزمة في العام 2013، جرى تجاوزها من خلال ما عد صفقة مع النظام القديم، هي التي أرست تجربة الانتقال وأسبغت عليها الديمومة والثبات. وبهذا المعنى، يكون الانتقال أشبه بعملية إصلاح داخل النظام القديم، طويلة ومعقدة وجذرية وهيكلية.

وعلى نحو عام، أن واحدا من أهم الدروس التي قدمتها تجربة الربيع العربي أنه لا يمكن لعملية الانتقال أن تمضي من دون أن يكون ثمة موقع للنظام فيها، بمعنى أن النظام هو أحد الفواعل الأساسيين والمؤثرين المهمين في هذه العملية، وهو يسهم في تحديد مخرجات هذا الانتقال، إلا في حالة قد تكون استثنائية، وهي أن تعمل قوة خارجية على تفكيك النظام بشكل كامل، كما حصل في حالة نظام صدام، فلا تبقى لأي جزء فيه إمكانية الحركة أو الفعل السياسي. وفي العادة، حتى مع الثورات التي تطيح بالأنظمة، تبقى أجزاء من هذه الأنظمة قائمة، إما بشكل مشرعن ومعترف به في النظام الجديد، أو بشكل وحدة متماسكة وقادرة على الفعل. وقد تكون أجزاء النظام هذه مؤسسة عسكرية (كما في حالة مصر)، أو حزبا، أو جهازا بيروقراطيا، أو نخبة سياسية (كما في حالة تونس)، أو مؤسسات، أو سوى ذلك.

ومن ثم، يكون السؤال هنا ذا شقين: كيف يخطط النظام للمرحلة الانتقالية؟ وكيف يرى دوره فيها؟ والشق الآخر، وهو الأهم، كيف تدير قوى الثورة والقوى الفاعلة في المرحلة الانتقالية التعاطي مع النظام؟ وكيف تتعامل معه؟

وهذان العاملان (تصور النظام القديم وخططه لدوره في المرحلة الانتقالية، وإدارة العلاقة مع النظام) هما العاملان الأساسيان اللذان سيحددان نجاح الانتقال من عدمه.

وبالفعل، كان للنظام، في حالات الانتقال العربية، دور حاسم في صياغة التغيير، بدءا من دور الجيش في تونس ومصر في إجبار بن علي ومبارك على الرحيل، وانتهاء بإسهام الجيش السوداني، في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018، في الإطاحة بعمر البشير، تحت ضغط الثورة.

 

إن التفسير الأكثر قبولا من المختصين لفشل الانتقال الديمقراطي في مصر بعد ثورة يناير 2011 يرتبط، من بين أسباب عدة، بفشل قوى الثورة في عقد صفقة مع النظام، وهو ما قاده (ممثلا بالمؤسسة العسكرية) إلى الانقلاب، في حين أن تجربة الانتقال في السودان قد يكون لها مصير مختلف وتمضي باتجاه معاكس، بسبب الاتفاق بين القوى الأساسية في الثورة والمؤسسة العسكرية (التي حكمت السودان من 1989 – 2019) على الشراكة في إدارة المرحلة الانتقالية.

إن هذه السمة التي طبعت تجربة الانتقال في البلدان العربية (موقع النظام القديم داخل عملية الانتقال) ستجعلها شبيهة بتجربة الانتقال في أميركا اللاتينية في السبعينيات، التي حدث الانتقال فيها بعد أزمة سياسية، قادت إلى انشقاق قوة من داخل النظام لتعقد صفقة مع المعارضة، ومن ثم، حدث الانتقال من خلال صفقة، بين معتدلي النظام ومعتدلي المعارضة.

وفي الحقيقة، أن استحضار تجربة أميركا اللاتينية، هنا، لم يكن من جهة كونها حالة يمكن استعمالها لتقريب توصيف الحالة العربية، بل لأن هذه التجربة أصبحت نمطا انتقاليا (على المستوى الدراسي)، أنتجت دراسته مجموعة من المفاهيم النظرية في دراسات الانتقال الديمقراطي، التي جرى تجريدها واستخلاصها منه، وهي مفاهيم يمكن استعمالها بوصفها أطرا منهجية. وفي صدارة ذلك، مفهوم “الصفقة”، أو “الميثاق” (Pact). وهذا يعني أن الأمر يتعدى، هنا، المقارنة المنهجية، ليصل إلى التوظيف المفاهيمي.

التفاوض على الإصلاح

الأفق الذي تمضي إليه ثورة تشرين، إذن، هو الإصلاحات الجذرية؟

ولكن، ما هذه الإصلاحات الجذرية؟ ما الجوهري والأساسي في هذه الإصلاحات؟ وما الهامشي والثانوي؟

لقد اعترفت الطبقة السياسية نفسها (أو جزء منها) بالحاجة إلى الإصلاح، وأنها تريد حلا سلميا للأزمة، “خشية من أن تنزلق البلاد إلى أعمال عنف”، بحسب ما تدعي. ومن هذا الإصلاح، الذي اعترفت به ودعت إليه، ما هو جذري وبنيوي، من قبيل إجراء تعديلات دستورية، وإصدار قوانين أو تعديلات على قوانين ذات صلة بهيكل النظام السياسي.

وفي الحقيقة، ليس ثمة اتفاق على مفهوم “الإصلاحات الجذرية”، من أين يبدأ الإصلاح؟ وأين يقف؟ أو ينبغي له أن يقف؟

وبسبب هذه “اللاتحديدية”، سيتشكل مجال للتفاوض (وللتنازع أيضا) على تحديد ما ينبغي إصلاحه في النظام، بين قوى السلطة وقوى الثورة.

وستتخلق مخرجات الثورة، من ثم، من تقاطع مسارين: الديناميكية القائمة داخل العملية السياسية الحالية وطبقتها السياسية، بما أعلنته من تغييرات ومشروع تعديل للدستور وقوانين جديدة، بما فيها القانون الانتخابي، وكذلك ما سيفضي إليه الجدل داخلها، والحراك الثوري.

وهذا هو معنى ما نقوله: إن الانتقال لا يتحقق إلا من خلال موقع النظام داخله، والدور الذي يؤديه فيه.

وهذه هي، بالأحرى، صفقة الانتقال في الحالة العراقية.

غير أن الحالة هذه، والكيفية التي تموقعت بها قوى الثورة وقوى النظام من عملية تفاوض (وانتقال) طويلة، وعدم وضوح ويقينية المخرجات، التي سيرسمها – في النهاية – نضال كل طرف من أجلها، تلك الأمور كلها ستصنع استراتيجيات مختلفة ومتعارضة، ستؤثر في عملية الانتقال.

وفي تقديري، وبما يمكن أن نستنتجه منطقيا، ستكون الاستراتيجية الأساسية التي تعتمدها قوى السلطة خلال هذه العملية هي تحجيم ما يمكن أن تضحي به، وما يمكن أن تحصل عليه قوى الثورة. وستستعمل في سبيل ذلك مجموعة من الأدوات، لن تقف عند التلاعبات السياسية، أو تحريك الشارع المضاد للاحتجاجات، وهو – في العادة – جزء من الشبكة الزبائنية للنظام، بل سيكون العنف إحدى أدوات السلطة الأساسية. ومع أن للعنف الذي استعملته قوى السلطة خلال الثورة وظائف (ومعاني) مختلفة، تغيرت مع تطور الثورة وما فرضته من مسار سياسي، بات كونه أداة تفاوضية (أو أداة في النزاع) هو وظيفته الأولى والأهم، ولا سيما بعد أن لم يعد بإمكان هذه القوى القضاء على الثورة، وأصبح من المحتم على النظام السياسي أن يجري تعديلات (إن لم نقل إصلاحات) بتأثير الاحتجاجات ومطالبها.

وفي النتيجة، لا تدل هذه الاستراتيجية فقط على عدم إيمان قوى النظام بالإصلاح، بل إنها تكشف أنها تريد أن تجعل توازنات القوى خلال عملية التفاوض على الإصلاح، مسارا لاستعادة (وفرض) فكرة الإصلاحات الترقيعية، التي ما فتئت تقدمها.

وفي المقابل، لا ينبغي لقوى الثورة أن تغادر الإيمان بأن جذرية الإصلاح ستضعف ولن تكون نتيجة أكيدة، إذا ضعف الزخم الثوري، وأن المسار السياسي – من ثم – لا يمكن أن يمضي وحده من دون هذا الزخم، وأن الثورة (بما تعنيه من احتجاج مستمر) هي الأداة (أداتنا) الوحيدة للوصول إلى عراق آخر.

الهوامش

(1) في كل الأحوال، تعد وثائق ثورة تشرين (أي البيانات والنصوص الصادرة عنها، وتعبر عن رؤى سياسية، عن شكل النظام البديل، وشكل المرحلة الانتقالية) قليلة، قياسا بوثائق ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018 في السودان، مثلا. ويعود الأمر، في تقديري، إلى وجود طرف منظم، رئيس ومركزي، في الحالة السودانية، وهو طرف كلاسيكي – إلى حد ما -، بمعنى أنه ينتمي إلى أشكال تنظيمية تقليدية وقارة، وهي النقابات، التي كان لها الدور الأساسي في الثورة السودانية. ولا يعدم هذا الطرف، من ثم، تدريبا في صياغة الرؤى السياسية، في حين أن ثورة تشرين في العراق تنطلق من عقم الحياة الحزبية في البلاد، بمعنى أنها – بنحو من الأنحاء – اعتراض على الفضاء الحزبي القائم ورد فعل عليه، ولكنها لا تنطلق من بديل قائم له. ومن ثم، وللمقارنة ذات الدلالة هنا، إذا كانت الثورات العربية في العام 2011 قد نتجت من التنظيمات السياسية الجديدة والحركات الاجتماعية التي انتعشت في العقد الذي سبق الثورات، وبعضها كان له صلة بأحزاب راسخة، وكلها استطاعت التنظيم داخل فضاء الثورة، كما في حالة “ائتلاف شباب الثورة في مصر”، فإن ثورة تشرين في العراق هي حالة خاصة من هذه الحركات الاجتماعية، لم تنطلق من تنظيم مسبق، ولم تنتج تنظيما، ولا يمكن تصنيفها جزءا مما بات يسمى راهنا في العلوم الاجتماعية “اللاحركات الاجتماعية”، ولكنها أيضا شكل متقدم من الحركات الاجتماعية.

(2) انظر: عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت، 2020.

البوم الصور