عناوین:

ماذا أراد الضاري من كشف كواليس مؤتمر العراق في القاهرة 2005؟

8/24/2019 10:34:36 AM
2746 مشاهدة
وائل عصام
+ -

ماذا أراد الضاري من كشف كواليس مؤتمر العراق في القاهرة 2005؟
احتفظ الشيخ الراحل حارث الضاري، بمكانة رمزية كأبرز زعيم ديني لسنة العراق، ورغم تعرضه ومؤسسته «هيئة علماء المسلمين» لانتقادات عديدة، إلا أنه ظل إلى وقت وفاته، يمثل (مع قيادة الهيئة بشار الفيضي وعبد السلام الكبيسي ومثنى الضاري) مرجعية تحظى باحترام واسع لدى معظم الأطياف السنية، وإن لم تكن تلتزم بخطه السياسي، خصوصا بموقفه المعارض منذ البداية لانخراط القوى السياسية السنية في مؤسسات الدولة العراقية الجديدة، كما أنه بالمقابل، اختلف في خطابه ورؤيته للواقع العراقي، مع شخصيات سنية بارزة أخرى، كالراحل عدنان الدليمي، الذي كان يصر على وجوب اعتماد خطاب «سني» أكثر منه وطنيا.
أما موقف «شركاء الوطن» منه، كالقوى الشيعية والكردية، التي شكلت السلطة في بغداد ما بعد 2003، فتمثلت في رفض قبوله كشخصية «وطنية»، ليس هذا فحسب، بل لاحقوه مع نجله مثنى الضاري قضائيا، بتهمة دعم الاٍرهاب، حيث نظرت الأحزاب الشيعية، إلى كل من يؤيد المقاومة السنية المسلحة، ضد الأمريكيين، على انهم مراكز تهدد صعود القوى الشيعية للسلطة، وليس فقط تحارب الامريكيين، وبالطبع كانت هناك فصائل مقاومة مسلحة، مرتبطة أو مقربة من هيئة علماء المسلمين، «كتائب ثورة العشرين» و«جيش الراشدين» وغيرهما، ورغم أن هذه الفصائل كانت مفترقة عن خط تنظيم «التوحيد والجهاد» بزعامة الزرقاوي، بل اشتبكت معه بمعارك دامية لاحقا، قتل على اثرها قائد كتائب العشرين، القيادي الراحل «أبو محمود»، إلا أن هذا لم يخرجها من دائرة «الاٍرهاب» بنظر القوى الشيعية رغم كل ما طرحته من خطاب ورؤية وطنية.. ما قاد لإقصاء الشيخ حارث من العراق. 
ومع استمرار هذه السياسات، اضطر الشيخ الضاري، لمغادرة العراق للأردن، قبل أن تصدر الحكومة العراقية بحقه مذكرة توقيف، وفي عمان واصل معارضته لسياسات الحكومة العراقية، إلا انه لم يكن وحيدا في منفاه، إذ انضم اليه بعد سنوات قليله أبرز شخصيات السنة في العملية السياسية، الذين تم طردهم من قبل المالكي، عدنان الدليمي وطارق الهاشمي ورافع العيساوي، وهم كانوا أبرز من ينتقد مواقف الشيخ حارث «المتعنتة» من المشاركة السنية في مؤسسات الدولة العراقية الجديدة، ما منح الشيخ حارث ورؤيته بمعارضة دخول السنة في العملية السياسية، مصداقية.
واليوم، وبعد سنوات على وفاة الشيخ حارث، تحاول مؤسسته «الهيئة» مواصلة الاضطلاع بدور قيادي اجتماعي وسياسي بين سنة العراق، ولملمة بعض الخلافات بين أعضائها، ويبدو أن مؤتمرها الأخير في إسطنبول التركية، قبل أسابيع قليلة، نجح إلى درجة ما بذلك، وهو المؤتمر الذي غادر فيه الشيخ مثنى موقعه في قيادة الهيئة مكتفيا بالإشراف على الملف السياسي فيها .وفي لقاء إعلامي بمقر الهيئة في العاصمة الاردنية عمان، فتح الدكتور مثنى، ملفا قديما، وهو مؤتمر الوفاق العراقي في القاهرة عام 2005، هذا المؤتمر الذي يتذكره كثيرون، من خلال المواجهة والسجال الشهير بين الشيخ حارث ورئيس الوزراء الجعفري، خلال كلماتيهما في الجلسة العلنية، وبسبب انسحاب وفد القوى الشيعية في جلسة داخلية، بعد انتقاد حاد من ميناس يوسف القيادي المسيحي العراقي، وجهه إلى «شيعة العراق» بأنهم «استولوا على حكم العراق ووضعوا الدستور حسب أهوائهم».
وتثار أسئلة عديدة حول الغاية من حديث الضاري عن مؤتمر القاهرة قبل 14 عاما، رغم انه كشف، لأول مرة، كواليس ذلك المؤتمر، ومنها أن «هيئة علماء المسلمين» لم توافق على المشاركة في موتمر القاهرة إلا بشروط ستة، قبلها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، في زيارته لمقر الهيئة بجامع ام القرى ببغداد، والنقاط الست تلخصت في «جدولة انسحاب قوات الاحتلال برعاية اممية، واعتبار المقاومة حقا مشروعا، ورفض كل أشكال الإرهاب وإعادة الجيش، ومعالجة ملف المعتقلين وحل المليشيات الطائفية، وطرد العناصر المتهمة بارتكاب جرائم بحق المعتقلين من الأجهزة الأمنية.
وتحدث الضاري أيضا، عن اعتراضهم على البيان الختامي لمؤتمر القاهرة، محددا أبرز الفقرات التي تم التحفظ عليها وهي: النظام الاتحادي، وتوسيع العملية السياسية والفقرات المتعلقة بالمقاومة والإرهاب.
ويبدو أن طرح مثنى الضاري حول مؤتمر القاهرة بعد سنوات على انقضائه، يهدف إلى الدفاع عن مواقف الهيئة حول القضية التي تصر عليها دوما، وهي المشاركة في «العملية السياسية» وعدم الاعتراف بشرعيتها، وطرحه قد يهدف أيضا لإظهار المرونة وفتح الباب مجددا أمام مفاوضات وتفاهمات سياسية، مع السلطات العراقية، وفق «الشروط الستة»  التي ما زالت صالحة للتطبيق، ومفاعيلها حاضرة حتى اليوم، كما أنه أراد ربما، التذكير بأن قيادة والده لم تكن متعنتة بالكامل أمام أي حلول وعمليات سياسية ضمن «شروط» كما ذكر،  خصوصا خلال مرحلة عام 2005، عندما اتهمت الهيئة بأنها أصدرت فتوى بتحريم المشاركة بالانتخابات، التي انتشرت بشكل كبير، بدون أن يكون لها أي اساس من الصحة.
إعادة مثنى الضاري فتح هذا الملف، قد تنطوي على مؤشرات رغبته بإعادة الزخم لمشروع قديم جديد، لطالما سعت إليه «الهيئة» وهو تشكيل كيانات سياسية معارضة تحاول سحب الشرعية من السلطة القائمة في العراق، في إحياء ربما لصيغة جديدة من «حكومة المنفى»، إذ سعت الهيئة في الأشهر السابقة للإعلان في إسطنبول عن «ميثاق عراقي وطني». وبغض النظر عن إمكانية أن ترى هذه الطروحات النور، على أرض الواقع، فإن الكثير من التساؤلات تبقى قائمة حول مدى نجاعة الحلول التي تطرح لمعالجة الأزمة العراقية، خاصة أن المشكلة تبدو في بنية الدولة العراقية عموما، وليس في شكل النظام السياسي، فتبادل الهيمنة والتداول على السلطة بين النخب الحاكمة السنية والشيعية في العقود الأخيرة، جاء عبر حمامات من الدم، وبعد احتلال بغداد، ويبدو وكأن الطرفين لم ولن يتفقا عبر التاريخ، على صيغة تعايش سياسي مشتركة تحت سقف سلطة متفق عليها في بغداد، تنتج «دولة» تملك تمثيلا عادلا للمكونات، وهذا ربما ما قرأه الاكراد مبكرا، ففضلوا الابتعاد بأنفسهم بالحكم الذاتي عن «الدولة العراقية».
كما أن مشكلة العرب السنة، بانتخابات ما بعد 2003، هي انهم حتى إن حصلوا على كامل تمثيلهم الانتخابي العادل، فإنهم سيتعرضون أيضا للتهميش من سادة العراق الجديد الشيعة والكرد، الناقمين على نظام صدام ونخبته العربية السنية، ففي أجواء ما بعد 2003، كانت الانتخابات ستقود لدور محدود للعرب السنة، فمهما بلغت كتلتهم الانتخابية وكانت عادلة التمثيل لحجمهم، فإنهم لن يكونوا قادرين على مواجهة تحالف كتلتي الشيعة والكرد، اللتين تحالفتا سياسيا، واستمر تحالفهما لعدة سنوات خلال الحكومات المتعاقبة، لذلك، تبدو خيارات السنة بلعب دور قيادي في العراق الجديد، محدودة، ومن هنا انطلقت الدعوات لما يعرف بالإقليم السني، ثم تبعتها دعوات اخرى ما بعد الحراك السني عام 2013، من تنظيمات جهادية مسلحة لتشكيل كيان سياسي ما، يشد عضد سنة العراق، بالعرب السنة في سوريا، لكن مع استعادة الأسد سيطرته على البلاد، وترسخ قوة المحور الايراني، بدا أن سنة سوريا في حال أضعف من أن يتم الاستقواء بهم، وبات وكأن السنة في البلدين خسروا الخيارين معا، فلا هم تمكنوا من الاحتفاظ بمكانة لائقة في دولهم «الوطنية» ولا هم تمكنوا من إقامة أقاليمهم المستقلة.

البوم الصور