عناوین:

الشعب العراقي والمرحلة الثانية من العقد الاجتماعية

12/8/2019 7:21:21 AM
5586 مشاهدة
بسام القزويني
+ -

يتغاضى اغلب القائمين على الواقع السياسي بعض من تاريخ الفكر السياسي لعدة اسباب اهمها فشل تجارب طُرحت او عدم إمكانية تطبيقها في الزمن المعاصر مع ان اي فشل في جانب اليأس يقابله أمل في جانب الاصرار بشريطة معالجة نقاط الضعف ، ومهما قيل فقد طرح الوضع الراهن تجارب سياسية تبدو جديدة على صناعها وان رافقتها تدخلات دولية تضيف لمحصولها دون الاكتراث لأرض العراق التي غزتها الأملاح، ومن النظريات التي وِصفت بالفشل (الثيوقراطية) بالإضافة إلى المرحلة الأولى من العقد الاجتماعية مع ان الاخيرة مرحلة حتمية في الغالب. 
فالثيوقراطية نظرية لازمت عصور غلب على قائميها الجهل وتقضي بأن الله عز وجل هو من وضع الدولة واختار الملوك والامراء وعلى المحكومين (الشعب) الطاعه المطلقه ، لكن مع مرور الوقت احتضرت هذه النظرية في المجلد السياسي المسيحي مع تفاقمها النسبي في المجلدين الاسلامي واليهودي بإعلان الولاء المطلق لملوك ورؤساء حكموا بلدان غنيه بموارد نفطيه وغازيه وغيرها.
أما المرحلة الأولى من نظرية العقد الاجتماعية فهي افضل من الثيوقراطية لإنها تمثل نقطة تحول الشعب من طرف يحصل على بعض الحقوق إلى طرف اساسي في توزيع الحقوق في مقابل منح صلاحيات اكبر للحاكم وهي مرحلة تمر بها اغلب الانظمة الديمقراطية بسبب معاناة شعوبها جراء دكتاتورية سبقت هذا الاتفاق وان رافق المرحلة الأولى غياب القانون واستفحال الوحشيه وعدم الاستقرار والتدخل الخارجي فهي تبقى مرحلة لا بد منها لتوقيع عقد المرحلة الثانية بمنح الصلاحيات والحصول على العيش الأفضل والظفر بعملية انتقالية من (اللادوله) إلى (الدوله).
وبفارق الواقع المعيشي وتباين الديمقراطيات فإن المواطن بقوميته العربية او بدينه الاسلامي لم يصل إلى مرحلة بناء الدولة السليمة بسبب هيمنة التطور السياسي على المرحلة المعاصرة وشمل هذا التطور نفوذ الدول العظمى وتناميه تباعاً مع تمسك الشعوب بالثيوقراطية العفويه من جانب وتخوفهم من خوض المرحلة الأولى في ابرام العقود من جانب آخر للابتعاد عن محور المجازفة في الانسلاخ القومي او الاسلامي وهذا بمجمله يشكل عامل ضعف لدى الشعوب لا سيما وان النظرية السياسية تحولت منذ فترة طويلة من (الفلسفه) إلى (فكر علمي) يتطلب الدراسة الستراتيجية وبالأخص بعد الثورة التكنولوجية والاتصالاتية في العالم.
 كما ان الواقع فرض الاعتراف بالشعوب كمتماثلة بالنوع ومتمايزة بالعقل بدليل ان حكاماً ذهبوا بسياستهم صوب غرب العالم وآخرين إلى شرقها متحولة بذلك ساحة المعتدل إلى حلبة لتصفية الحسابات لتتمايز حكومات الشرق الاوسط بالانتماءات والتصورات السياسية وان كانت التصورات خاطئة او صائبة في الوقت لا القرار فأن النضج السياسي يحتم على من يدعيه ان يركز في التوقيت ويدق جرس ساعته بنفسه.
في نهاية المطاف، ان رؤية التظاهرات الاخيرة الجارية في العراق تتلخص في موت الثيوقراطية العفوية والاعلان عن نهاية المرحلة الأولى من العقد الاجتماعية والشروع بالمرحلة الثانية منها كون الحراك الشعبي ماض إلى منح صلاحيات اكبر للنظام السياسي في مقابل الحصول على مكتسبات افضل للشعب وهو ما تحقق على أرض الواقع بعد الشروع بمحاسبة الفاسدين وإصدار اوامر القبض بحقهم واطلاق عشرات الآلاف من الدرجات الوظيفية كما شرعت لجنة التعديلات الدستورية بعملها والاتفاق على تعديل قانون الانتخابات وتغيير مفوضيته وبما يتناسب والمطالب الشعبية مع وجود حركات مندسه حاولت حرف التظاهرات إلى اقتتال داخلي لكن وعي الحكومة والمتظاهرين حال دون وقوع ذلك، لتستمر التظاهرات الشعبية بتكاتف فئات المجتمع العراقي لاحباط محاولات التدخل الخارجي وابرام المرحلة الثانية من العقد الاجتماعية.

البوم الصور