عناوین:

عن محنة القضاء في العراق

5/7/2021 10:18:43 PM
3349 مشاهدة
يحيى الكبيسي
+ -

ظل القضاء العراقي، منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة، وحتى لحظة الاحتلال في العام 2003، خاضعا للسلطة التنفيذية. وإذا كان القانون الأساسي لعام 1925 قد حاول الاقتراب من المفهوم دون النص عليه بشكل صريح، فإن الدساتير الجمهورية بداية من العام 1958 قد أسقطت هذا المفهوم تماما. سواء من خلال عدم ذكره في الدساتير المؤقتة المتتالية (1958، 1964، 1968، 1970) أو من خلال الممارسة السياسية التي شهدت احتكارا أحاديا للسلطات؛ وبالتالي لم يكن لعبارة «استقلالية القضاء» التي وردت في هذه الدساتير أي محتوى حقيقي!
بعد العام 2003 فرض الأمريكيون مبدأ الفصل بين السلطات Separation of powers، سواء عبر الأمر رقم 35 لسنة 2003، الذي أعاد تشكيل مجلس القضاء الأعلى ليكون مستقلا بالكامل عن السلطة التنفيذية/ وزارة العدل، أو عبر قانون إدارة الدولة المؤقت الصادر في آذار 2004. وهو المبدأ الذي اعتمده الدستور العراقي لسنة 2005 حين حدد طبيعة السلطات بأنها: «السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات» (المادة 47). إلا أن النخب السياسية العراقية لم تع، لحد هذه اللحظة، مبدأ التوزيع المتوازن للسلطة (Power) بين السلطات الثلاثة: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وضرورة تفعيل الرقابة المتبادلة بينها: Power should be a check to power، ويتطلب ذلك، بداية، احترام كل سلطة لاختصاصاتها التي حددها الدستور.، فاحتكار أي منها للسلطة، يهدد بإحلال الاستبداد والطغيان محل القانون.
وقد فشل القضاء بالعراق في ضمان هذه الاستقلالية، وسمح للفاعلين السياسيين باستخدامه أداة في صراعاتهم، وذلك عبر الاستسهال المفرط في إصدار أوامر إلقاء القبض، وعبر عدم تقيده بالأطر الدستورية والقانونية لأماكن الاحتجاز، وعبر الأخذ بالتحقيقات التي تجريها الجهات الأمنية دون مراجعة، والأخذ بالاعترافات المنتزعة بالإكراه وتحت التعذيب، أو من خلال عدم اعطاء الفرصة للمتهمين بالدفاع عن أنفسهم، وعبر المحاكمات التي لا تلتزم بالإجراءات التي فرضها قانون أصول المحاكمات الجزائية، وبمعايير المحاكمة العادلة.
في تقرير بعثة الأمم المتحدة في العراق الصادر في كانون الثاني 2020 بعنوان «المحاكمات بموجب قوانين مكافحة الإرهاب والآثار المترتبة على العدالة والمساءلة والتماسك الاجتماعي في أعقاب مرحلة «داعش» تحدثت البعثة عن قلقها الشديد «من عدم احترام المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة. وحذرت من أن عدم الامتثال للضمانات الإجرائية ومعايير المحاكمة العادلة قد يدفع إلى نشوء تظلمات جديدة، سواء كانت حقيقية أو منظورة، وإلى الإبقاء على العوامل المحركة للنزاعات، كالتمييز الهيكلي وغياب العدالة والإفلات من العقاب، الأمر الذي سبق أن جعل بعض الأفراد يختارون خيار العنف ومكن داعش من ايجاد دعم له في العراق.
وإذا كانت بعثة الأمم المتحدة بصدد مراقبة محاكمات «غير عادلة» تتعلق بمتهمين بالانتماء إلى تنظيم داعش، وبالتالي قلقها من «العقوبات القاسية التي تفشل في التمييز بين درجات المسؤولية الجرمية» أي دون تمييز «بين من اشتركوا بأعمال العنف والذين انضموا لداعش طلبا للنجاة او تحت الإكراه». فان «العقوبات المخففة» التي تفشل في التمييز بين درجات المسؤولية الجرمية، هي أيضا محاكمات غير عادلة، وهي تجعل النظام القضائي كله مصدر قلق شديد!
حكمت محكمة جنايات الموصل بتاريخ 8 نيسان/ أبريل 2021 بإدانة ضابط بجريمة «الضرب المفضي إلى الموت» وفق أحكام المادة 410 من قانون العقوبات، والحكم عليه بالسجن لمدة «خمس سنوات وشهر واحد». ووفقا لبيان مجلس القضاء الأعلى فان حيثيات الحكم تتلخص « بان المدان قام باعتقال امام وخطيب احد الجوامع في نينوى دون مذكرة قبض او قرار تفتيش واقتياده الى مقر السرية الخاصة والتحقيق معه والقيام بتعذيبه مما تسبب بوفاته»!
وبالعودة إلى المادة 410 من قانون العقوبات العراقي سنجد أنها ترد في الفصل المعنون «الضرب المفضي إلى الموت والقتل بالخطأ» وتنص المادة على أن «من اعتدى عمدا بالضرب او بالجرح او بالعنف أو بإعطاء مادة ضارة او بارتكاب فعل آخر مخالف للقانون، ولم يقصد قتله، ولكنه أفضى إلى موته، يعاقب بالسجن مدة لا تزيد عن خمس عشرة سنة» وهي مادة لا علاقة لها مطلقا بالجرائم الأربع التي ارتكيها المتهم أولا، والادهى من ذلك ان القاضي حكم عليه بخمس سنوات وشهر فقط لكي ينطبق عليه حكم «السجن» لأن القانون يميز بين الحبس والسجن بان الأول يكون أقل من خمس سنوات، في حين يكون الثاني خمس سنوات فأكثر! وبالتالي فان الحكم كان «مخففا» بطريقة غير مفهومة!
وهذا يعني أن المحكمة، لسبب ما، لم تلتزم بصحيح القانون، وتعمدت عدم الحكم على المتهم وفق المادة 421 من قانون العقوبات التي تتعلق بالجرائم الماسة بحرية الإنسان وحرمته، والقبض على الأشخاص وخطفهم وحجزهم. فقد نصت المادة التي تم تعديلها في العام 2003 بموجب الأمر رقم 31، على أنه «يعاقب بالسجن مدى الحياة من قبض على شخص او حجزه او حرمه من حريته بأية وسيلة كانت دون أمر من سلطة مختصة» وكانت المادة الأصلية قبل التعديل قد شددت عقوبة مثل هذا الفعل في حالة صحب الفعل «تعذيب بدني او نفسي»! بل ان المادة 425 تنص على أنه إذا أفضى التعذيب المبين إلى موت «المخطوف» تكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد» حتى من غير التعديل الذي تم في العام 2003.
كما يعني ذلك ان المحكمة لم تلتزم بصحيح الدستور الذي نص على تحريم «جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية» و رغم أن القانون العراقي لا يتضمن عقوبات رادعة حقيقة فيما يتعلق بالتعذيب، وهو ما يخالف التزامات العراق بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984 التي صادق عليها العراق عام 2008، والتي اشترطت في المادة 4 أن تكفل الدول الأعضاء اعتبار كل أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، إلا أن قانون العقوبات العراقي لا يزال، بطبيعة الحال، بعيدا عن روح المادة الدستورية، وأحكام الاتفاقية، فالمواد 332 و 333 من قانون العقوبات تعاقب بالحبس أو السجن كل موظف خدمة عامة عذب او أمر بالتعذيب او استعمل القسوة، وكما هو واضح فنحن هنا امام عقوبات «مخففة» إلى حد بعيد، وغير رادعة بالمرة، ومع هذا لم تلتفت المحكمة إلى حيثية التعذيب في حكمها بالمطلق!
أخيرا ما هو المنطق في أن يحكم على متهم اختطف مواطنا وعذبه وقتله تحت هذا التعذيب بموجب المادة 410 التي تتعلق بالقتل الخطأ؟ أو الضرب المفضي إلى الموت؟ وكأن الفعل وقع في مشاجرة في المقهى، أو في الطريق العام! وليس بموجب المادة 406 التي تعاقب بالإعدام من قتل نفسا عمدا في حالة «استعمل الجاني طرقا وحشية في ارتكاب الفعل» خاصة وانها ارتبطتا بجريمتين أخريين هما الخطف والتعذيب اللتان «نسيتهما» المحكمة!
يمكن للقضاء أن يكون أداة فاعلة وجوهرية في بناء الدولة والمجتمع، ويمكنه في الوقت نفسه أن يكون عاملا من عوامل تقويضهما معا، وإصدار الأحكام القاسية أو المخففة من خلال محاكمات غير عادلة لا يمكنها إلا أن تكون في مسار هذا التقويض!

البوم الصور