عناوین:

الصدر‭ ‬والتظاهرات

10/22/2019 4:20:41 PM
10429 مشاهدة
رافد جبوري
+ -

بعد‭ ‬ان‭ ‬كان‭ ‬موقف‭ ‬زعيم‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬تظاهرات‭ ‬الاسبوع‭ ‬الاول‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬اكتوبر‭ ‬تشرين‭ ‬الاول‭ ‬الحالي‭ ‬هاهو‭ ‬يعود‭ ‬ليعلن‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الموجة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬ان‭ ‬تنطلق‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬القادم‭. ‬ستكون‭ ‬التظاهرات‭ ‬بمشاركة‭ ‬اتباع‭ ‬الصدر‭ ‬اكبر‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‭ ‬الاولى‭ ‬طبعا,‭ ‬فالقاعدة‭ ‬الشعبية‭ ‬للتيار‭ ‬الصدري‭ ‬كبيرة‭ ‬ومتماسكة‭ ‬ومتحفزة‭ ‬ومدربة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬العمل‭ ‬الشعبي‭ ‬والتحرك‭ ‬في‭ ‬الشارع‭. ‬كما‭ ‬وان‭ ‬القوات‭ ‬الامنية‭ ‬لن‭ ‬تقمعها‭ ‬بسبب‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬التيار‭ ‬وامتداده‭ ‬الشعبي‭ ‬وقوته‭ ‬وميليشيا‭ ‬سرايا‭ ‬السلام‭ ‬الكبيرة‭ ‬التابعة‭ ‬له‭. ‬لكن‭ ‬الصدر‭ ‬يمثل‭ ‬جزءا‭ ‬اساسيا‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ .‬لا‭ ‬بل‭ ‬ان‭ ‬كتلته‭ ‬السياسية‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬العدد‭ ‬الاكبر‭ ‬من‭ ‬المقاعد‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الماضية‭ ‬واتفقت‭ ‬مع‭ ‬الكتلة‭ ‬الثانية‭ ‬كتلة‭ ‬الفتح‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬تحالف‭ ‬الميليشيات‭ ‬الاخرى‭ ‬على‭ ‬تعيين‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬وعلى‭ ‬اسس‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومته‭.‬

يطرح‭ ‬الصدر‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬انه‭ ‬خارج‭ ‬الجماعة‭ ‬الحاكمة‭ ‬ويصطف‭ ‬مع‭ ‬المتظاهرين‭ ‬مبديا‭ ‬دعمه‭ ‬لهم‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬ومؤكدا‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬يعرفونه‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬رعب‭ ‬ينتاب‭ ‬كل‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬الحاكمة‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‭. ‬يعرب‭ ‬الصدر‭ ‬بصراحة‭ ‬عن‭ ‬يأسه‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬تغير‭ ‬الحكومة‭ ‬اي‭ ‬شئ‭ ‬او‭ ‬تقوم‭ ‬بأي‭ ‬اصلاح‭. ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬ضمنيا‭ ‬انه‭ ‬يسحب‭ ‬دعمه‭ ‬لعادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لايعني‭ ‬ان‭ ‬سقوط‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬سيحصل‭ ‬مباشرة‭ ‬فذلك‭ ‬لن‭ ‬يحصل‭ ‬كما‭ ‬اوضحنا‭ ‬في‭ ‬مقالات‭ ‬سابقة‭ ‬الا‭ ‬بتخلي‭ ‬الاطراف‭ ‬الثلاثة‭ ‬المؤثرة‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬العراقي‭ ‬عن‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬وتلك‭ ‬الاطراف‭ ‬هي‭ ‬ايران‭ ‬و‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬السيستاني‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الاميركية‭.‬

خطاب‭ ‬الصدر‭ ‬جاء‭ ‬بصيغة‭ ‬نادرة‭ ‬اسماها‭ ‬بالشقشقة‭. ‬والشقشقة‭ ‬هي‭ ‬الكلام‭ ‬العفوي‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬شخص‭ ‬مهموم‭ ‬يبث‭ ‬همومه‭ ‬ويطرح‭ ‬قضيته‭ ‬بمرارة‭. ‬وللكلمة‭ ‬دلالة‭ ‬دينية‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الشيعي‭ ‬اذ‭ ‬ان‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬ابرز‭ ‬الخطب‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬نهج‭ ‬البلاغة‭ ‬اسمها‭ ‬الخطبة‭ ‬الشقشقية‭ ‬وهي‭ ‬ذات‭ ‬محتوى‭ ‬معروف‭ ‬و‭ ‬يمكن‭ ‬للقارئ‭ ‬الكريم‭ ‬ان‭ ‬يعود‭ ‬اليها‭. ‬اما‭ ‬شقشقة‭ ‬الصدر‭ ‬فتخبر‭ ‬العراقيين‭ ‬وتؤكد‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬يعرفونه‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬حكومتهم‭ ‬سلمت‭ ‬امرها‭ ‬لمن‭ ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭. ‬يقف‭ ‬الصدر‭ ‬مع‭ ‬المتظاهرين‭ ‬ويرفض‭ ‬ويدين‭ ‬الاتهامات‭ ‬التي‭ ‬وجهت‭ ‬اليهم‭ ‬بالانتماء‭ ‬او‭ ‬الارتباط‭ ‬بحزب‭ ‬البعث‭ ‬المحظور‭ ‬او‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الاميركية‭.  ‬لكن‭ ‬الصدر‭ ‬,‭ ‬ولعل‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬النقطة‭ ‬الاهم‭ ‬في‭ ‬شقشقته,‭ ‬يوجه‭ ‬المتظاهرين‭ ‬بالهتاف‭ ‬ضد‭ ‬البعث‭ ‬وضد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الاميركية‭ ‬وقد‭ ‬بنى‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معلوم‭ ‬تراثه‭ ‬على‭ ‬العداء‭ ‬للاثنين‭. ‬لكن‭ ‬التظاهرات‭ ‬الاولى‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬موجهة‭ ‬ضد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كما‭ ‬ان‭ ‬المشاركين‭ ‬فيها‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬ولد‭ ‬او‭ ‬كبر‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حظر‭ ‬شامل‭ ‬لحزب‭ ‬البعث‭ ‬لذلك‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬قضيتهم‭.‬ التظاهرات‭ ‬اتهمت‭ ‬بالعداء‭ ‬لايران‭ ‬وقد‭ ‬ردد‭ ‬فيها‭ ‬هتاف‭ ‬ايران‭ ‬برة‭ ‬برة‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بشعبية‭ ‬عند‭ ‬انصار‭ ‬الصدر‭ ‬ايضا‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬عنده‭ ‬شخصيا‭ .‬عداء‭ ‬المتظاهرين‭ ‬وادانتهم‭ ‬لايران‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬معرفتهم‭ ‬بارتهان‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬والطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭ ‬وهو‭ ‬الامر‭ ‬الذي‭ ‬اكده‭ ‬الصدر‭ ‬ضمنا‭ ‬في‭ ‬اشارته‭ ‬للارتهان‭ ‬لمن‭ ‬هم‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭. ‬كما‭ ‬وان‭ ‬الاهم‭ ‬من‭ ‬موقف‭ ‬المتظاهرين‭ ‬من‭ ‬ايران‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬ايران‭ ‬منهم‭. ‬فقد‭ ‬نقلت‭ ‬تقارير‭ ‬صحفية‭ ‬ان‭ ‬قمع‭ ‬تظاهرات‭ ‬الاسبوع‭ ‬الاول‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬تمت‭ ‬بقيادة‭ ‬ايرانية‭ ‬مباشرة‭.‬

كانت‭ ‬التظاهرات‭ ‬في‭ ‬موجتها‭ ‬الاولى‭ ‬بلاقيادة‭ ‬وبلا‭ ‬اي‭ ‬ارتباط‭ ‬سياسي‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬مرعبا‭ ‬للنظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العراق‭.‬ رغم‭ ‬ان‭ ‬معظم‭ ‬المتظاهرين‭ ‬اتوا‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬ذات‭ ‬الغالبية‭ ‬الشيعية‭ ‬التي‭ ‬تدعي‭ ‬الاحزاب‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬انها‭ ‬تمثلها‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬مجابهتها‭ ‬بقمع‭ ‬وحشي‭ ‬وتم‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تبدأ‭ ‬على‭ ‬انها‭ ‬مؤامرة‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تسحق‭ ‬وقد‭ ‬سحقت‭ ‬فعلا‭ ‬وتم‭ ‬قتل‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬وخمسين‭ ‬متظاهرا‭ ‬وجرح‭ ‬الالاف‭ ‬واعتقال‭ ‬المئات‭. ‬لكن‭ ‬دخول‭ ‬الصدر‭ ‬وانصاره‭ ‬سيأخذ‭ ‬التظاهرات‭ ‬باتجاه‭ ‬اخر,‭ ‬سوف‭ ‬يحميها‭ ‬من‭ ‬القمع‭  ‬ويهذب‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬اندفاعها‭ ‬ويجعلها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الحراك‭ ‬السياسي‭ ‬مثلما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬تظاهرات‭ ‬الاعوام‭ ‬السابقة‭ .‬لكن‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬اشرته‭ ‬التظاهرات‭ ‬الاولى‭ ‬سيبقى‭ ‬مذكرا‭ ‬لكل‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬المتظاهرة‭ ‬وغير‭ ‬المتظاهرة‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬رفضا‭ ‬شعبيا‭ ‬عند‭ ‬الطبقات‭ ‬الفقيرة‭ ‬والمهمشة‭ ‬لكل‭ ‬النظام‭ ‬السياسي,‭ ‬وبأن‭ ‬ذلك‭ ‬النظام‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬مشاكل‭ ‬جدية‭ ‬وخطيرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بطبيعته‭ ‬وهيكليته‭ ‬وان‭ ‬بقاءه‭ ‬وعدم‭ ‬سقوطه‭ ‬لايعني‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬شئ‭ ‬على‭ ‬مايرام‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬سيبقى‭ ‬هو‭ ‬الطابع‭ ‬العام‭ ‬للوضع‭ ‬في‭ ‬العراق‭.

 

المصدر: الزمان

البوم الصور