عناوین:

في ذكرى فالح عبد الجبار: رحل فالح وبقيت الدولة المأزومة

3/1/2021 7:57:44 AM
7113 مشاهدة
اياد العنبر
+ -

كان رحيلا مفاجئا، لأن زيارته الأخيرة إلى بغداد لم تكن توحي بأن اللقاء به سيكون الأخير، لكن الأقدار لا تخضع لرغباتنا، وهي تصر على أن تفجعنا كل يوم بسردية الموت. لكننا كنا نراهن الأمل بأن تكون الوعكة الصحية التي ألمت به أمرا طارئا ومؤقتا، وهو في لحظات تسجيل لقاء وثائقي عن العراق في قرن من الزمان. 
كان الرهان على أن القلب الذي تحمل مرارة تردي الأحوال والانحدار نحو المجهول في العراق، لا يمكن أن يوقفه عارض صحي، لكن يبدو أننا خسرنا الرهان، لنستيقظ في اليوم التالي على خبر رحيل المفكر وعالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار، ونحيي ذكرى رحيله الثالثة هذا العام. 
ليس هدفي في هذا المقال الاستذكاري الاستغراق في الرثاء، لأن مفكرا مثل فالح عبد الجبار لا يمكن أن ترثيه كلمات شاعرية، وإنما يجب أن يكون حاضرا في قراءتنا وتشخصينا لأزمة الدولة في العراق، لاسيما أنه يؤسس إلى مدرسة فكرية تقدم مقاربات نظرية وحفريات عميقة يمكن لها أن تقدم لنا خارطة طريق لمعرفة الأزمة والطريق نحو تجاوزها، فمبدأ (التغيير بعد التفسير) الذي أراد الراحل عبد الجبار أن يكون القاعدة العامة التي يجب أن نعتمدها في مشاريعنا البحثية. 
يختصر فالح عبد الجبار الخلل البنيوي في العلاقة بين الدولة والمجتمع بالمعادلة الآتية: "الدولة تملك كل شيء والمجتمع لا يملك شيئا"، فالعراق كان ولا يزال "دولة تبحث عن أمة وليس أمة تبحث عن دولة" ومن هنا كان مشروع بناء الأمة يعطي أسبقية لأسلوب القسر، دون أن تقتصر عليه كليا، ويولي أهمية قصوى لوسائل العنف والقائمين على استخدامها، أي الطبقة العسكرية. وبالنتيجة، إن السيطرة على الدولة، بصفتها هيئة للحكم، لا تقل استعصاء عن إشكالية السيطرة على المجتمع، ولهذا فإن ثمة خصيصة مزمنة تتمثل في احتدام الصراعات التآمرية بين مختلف النخب الحاكمة.
ويعتقد فالح عبد الجبار بأن علة الدولة المأزومة تكمن في: أولا، نمط الاقتصاد الريعي الذي "حول الدولةَ عندنا إلى محض دكان لبيع النفط والتصرف بموارده بلا حسيب"، فاختلت المعادلة بين الدولة والمجتمع، وانفصلت الدولة عن المجتمع عندما أصبح الحصول على الرضا يتم من خلال وسيلة واحدة تتمثل في منظومة مشكلة من مجموعة شبكات الزبائن (الأتباع) وتوزيع المنافع عليهم. وثانيا، البنية المؤسساتية للدولة التي تتسم بعلوية السلطة التنفيذية التي تبسط سيطرتها على السلطتين القضائية والتشريعية وتقوم بصورة تدريجية بإلحاق هاتين الوظيفتين برمتهما بها، والنتيجة غياب المحاسبة المؤسساتية للماسكين بالسلطة، أو التداول السلمي للسلطة، أو استبدال القادة أو تجديد ولايتهم. ولذلك أن تقويض الفصل بين السلطات أو ثلمه، هو، مؤسسيا، تقنية نهوض الاستبداد.
الدولة لدينا تصاب بمرض النرجسية، كما يقول فالح عبد الجبار، ولذلك تنسى نفسها وغاياتها فتقع في مطب الفراق عن المجتمع الذي يفترض بها أن تمثله. وليس الحكام وحدهم السبب في نرجسية الدولة، وإنما بلاهة الجمهور هو ما يؤسس لهذه النرجسية. ونظرا لضعف المؤسسات وضعف الوعي القانوني وغياب قدرة المجتمع على الفعل المؤثر، الدولة حاليا هي أجهزة نهابين من أردأ الأنواع، والفرد المواطن مجرد ذرة صغيرة وتأثيره لا يتحقق إلا عبر المؤسسات، مثل النقابات المغيبة أصلا أو أجهزة القضاء المسيسة لدرجة إفراغها من مضمونها الحقوقي وهلم جرا.
ويقرأ المفكر، فالح عبد الجبار، الانتقال من العهد الملكي إلى العهد الجمهوري على أنه انتقال في فلسفة بناء الدولة- الأمة. إذ في العهد الأول كان العراق يتجه نحو النموذج البريطاني- الفرنسي لبناء الأمة على قاعدة إرادة العيش المشترك، لكن الساسة في العهد الجمهوري اختاروا النموذج الألماني للأمة الممركزة بقوة الدولة من فوق. ويبدو أن حكام العراق بعد 2003 قد اختاروا بناء دولة المكونات بدلا من تحديد رؤية واضحة لبناء الدولة- الأمة. ومن هنا، يقول فالح عبد الجبار في كتابه الدولة.. اللوياثان الجديد: "العراق بحاجة إلى أن يتصالح مع نفسه أولاً، وبخلافه لن تكون ثمة دولة".
يؤكد عبد الجبار أن أساس الديمقراطية الأول حرية التنظيم والانتخابات، وأساسها الثاني تقسيم السلطات، وأساسها الثالث "حكم القانون"، أي التزام القواعد الدستورية. ويعلق على ذلك بالقول: "لعلنا نحظى بالأساس الأول لكن الثاني مهزوز، والثالث مثلوم". وصحيح أن الديمقراطية تقوم على الرضا، "لكنها لا تولده. فالرضا يأتي دوما من توسيع المشاركة الاقتصادية والسياسية والثقافية".
ولطالما اهتم فالح عبد الجبّار بنشر الوعي لمفهوم الديمقراطية التوافقية، وعمل على أن ترجمة كتاب آرنت ليبهارت: (الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد) من قبل معهد الدراسات العراقيّة الذي كان يترأسه. وكان يؤكد مرارا وتكرارا أن الديمقراطية التوافقية تكون على مستوى صنع ورسم السياسة العامة وليس توزيع المناصب الحكومية على أساس الأحزاب باعتبارها حصصا للمكونات الطائفية والقومية. وكان يقول: "أخشى ما أخشاه ان نحوّل مفهوم الديمقراطية التوافقية، كما فعلنا سابقا مع مفاهيم أخرى العولمة، المجتمع المدني، إلى مجرد بهلوانيات كلامية"، لكن ما كان يخشاه تحقق فعلا على يد ساستنا الأشاوس.
كان فالح عبد الجبار عندما يتحدث عن الإصلاح لم يكن يعبر عن أمنيات ورغبات وشعارات، وإنما يستدل كعادته بالمقاربات العلميّة، ولذلك نجده يقول: "لن تتغيّر الحال بكبسة على زِر إصلاح شامل. فالبلد في انتقال، وبناء أساس متين لنظام ديمقراطي قد يستغرق حياة جيل كامل. لكن ذلك لا يعني الانتظار. فالتحول لا يأتي هبةً مجانية، ولا يحقق نفسه بنفسه، ولابدَّ من فعل جمعي متواصل لبلوغه. ينطبق هذا على العراق كما على بلدان الربيع العربي، وسواها. أود التذكير بأن ألمانيا النازية بقيت تحمل ملامح النظام الشمولي بعد سقوطه عام 1945، ولم تتحرر منه إلا في الثورة الطلابيّة عام 1968، ثورة الجيل الجديد على جهاز دولة عاش طويلا على إرث الماضي. ويكاد هذا الملمَح أن يكون في حكم القانون الثابت".
وفي آخر ندوة عقدها الراحل في بغداد، في اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين، ختم محاضرته بالقول الآتي: "أنا أتوقّع بأن هذه الدولة تنهار، ولا أقصد بالانهيار حزب معيّن أو حكم شخص معيّن... نحن نسير نحو الهاوية، لعجز هذا النظام عن استيعاب الأجيال الصاعدة، لأن كل سنة ما بين 300 ألف إلى 350 ألف شاب من حملة الشهادات الجامعية يفترض أنه يدخل سوق العمل، هذه بروليتاريا غير معلنة من المتعلمين وليس العمّال، وهم وقادرون على تنظيم أنفسهم في وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الجيل سيحمل آفاق التغيير". ويبدو أن جزء من هذه النبوءة قد تحقق في احتجاجات أكتوبر 2019.  
ختاما، استحق فالح عبد الجبار صفةَ "العالم" و"المفكر" عن جدارة وتميز، وكما يقول صديقه ورفيق دربه الدكتور رشيد الخيون: "وفي أحوال العراق المتردية ثقافيا وفكريا، لما مر به من حروب وحصارات واجتياحات، يفتقد باحث صدوق مثل فالح عبد الجبار، ومع أن الجميع بعد غيابه دعوه بالمفكر، لكنّه لم يغتر باللقب، والسبب أن الناس جميعا يفكرون.. فكم حامل لقب باحث ومفكر وخبير استراتيجي لكنّه عالة على جهود غيره".

البوم الصور