عناوین:

محنة المثقف.. بين الحكومات وقوى اللادولة

2/14/2021 9:41:08 PM
8332 مشاهدة
اياد العنبر
+ -

يقول هربرت ماركيوز في كتابه (نحو ثورة جديدة): "موت المثقف يكمن في تخليه عن وظيفته المتمثلة في تحرير الوعي من الأوهام، ورفض الأوضاع السائدة.. إن مهمة المثقف هي صون الحقيقة من الضياع، المثقف هو من يرفض التسوية مع الفئات المسيطرة."

وهو يتحدث عن دور المثقف، لم يخطر ببال المفكر الألماني ماركيوز، أن تكون محنة المثقف في بلداننا التي باتت توصف بالدولة الفاشلة أو الهشة أن تكون تلك الفئات المسيطرة هي قوى ما قبل الدولة، وبنفس الوقت تفرض سيطرتها على الكيان السياسي الذي نعيش فيه!ومن هنا لم تعد محنة المثقف في مواجهة الحكومات الدكتاتورية فحسب، وإنما تكون المحنة أكثر تعقيدا عندما تعيش في واقع اللادولة. 

في الأنظمة الدكتاتورية عقوبة المثقف الناقد والمتمرد واضحة وصريحة، فهي تتنوع بين القتل بتهمة التآمر على الدولة، أو يغيب في السجون، أو يختار المنفى وطنا. أما في الحكومات التي تأخذ شرعيتها من قوى اللادولة، ولا سيما عندما يكون لتلك القوى حيازة الشرعية السياسية عن طريق الانتخابات، وتملك في الوقت ذاته سلاحا خارج نطاق الدولة! يكون الانتقاد أو الموقف الصريح من هذه الازدواجية هو مواجهة مصير مجهول.

في الديمقراطيات الهشة، التي تتحكم بها قوى اللادولة، يكون المثقف إزاء محنة أكثر تعقيدا من محنة المثقف مع الحكومات الدكتاتورية، إذ في الدكتاتورية يكون الموقف محصورا بين ثلاث خيارات: الهروب، أو الانعزال، أو التبعية للسلطة. أما في الديمقراطيات الهشة فالمحنة تكون مركبة وأكثر تعقيدا، المحنة الأولى تكون أمام تحدي الثبات على المبادئ والأفكار التي يطرحها أو يدعو إليها، وبين الانفتاح الذي يشهده المجال العام للمشاركة في السلطة، وهنا نكون أمام عقدة أخرى، فالأحزاب والقوى السياسية المتنفذة لا تؤمن بمبدأ الكفاءة والخبرة، وإنما معيارها الأول والأخير هو السمع والطاعة لمن تمن عليه بمنصب سياسي، إذ الحصول على المنصب لا يتم إلا من بوابة القبول والرضا الحزبي والقبول بمبدأ الشراكة بنهب المال العام.

أما المحنة الأخرى، في الديمقراطيات الهشة، فهي ضعف الدولة وعجزها في أن تكون المؤسسة المتعالية عن التناقضات والانقسامات المجتمعية والقوة القادرة على احتكار العنف المنظم، وتتحول بدلا من ذلك إلى مؤسسة تتقاسمها قوى لا تؤمن بالدولة أصلا، وتعمل وفق منطق جماعات ما قبل الدولة. وهذه الجماعات تملك السلاح الذي يعلو على سلاح الدولة. ولذلك تجد هامشا من الحرية متوفرا نوعا ما، لكن يمكن أن يكون ثمن الكلمة والموقف هو هدر دم المثقف، فلا سلطة تحميه من بطش الجماعات المسلحة التي تعتبر كلمته وموقفه أكثر فتكا وضررا في رمزياتها السياسية والدينية.

في البلدان التي تسيطر فيها قوى اللادولة على النظام السياسي ممكن أن تشخص ازدواجية المثقف بصورة أكثر وضوحا من البلدان التي تحكمها حكومات دكتاتورية، ففي الحالة الأولى تجده ينتقد الفوضى ويتباكى على انعدام الدولة، لكن في المجالس الخاصة فقط. وعندما ينتفض الجمهور ضد قوى اللادولة وفسادها وهيمنتها على مؤسسات الدولة يتخذ جانب الحياد أو الصمت، أو في أفضل الأحوال يكون ناقدا بأسلوب مخملي للحكومات، ولكنه لا يجاهر بنقد قوى اللادولة، لكنه يمكن أن يكون ناقدا لاذعا لأي تصرف عفوي من قبل الجمهور!

محنة المثقف الملتزم مع واقع اللادولة، تجعله يخوض معركتين: الأولى أمام عجز الدولة وغيابها عن المجال العام؛ والثانية في مواجهة قوى ظلامية متطرفة، لا تتهاون مع من يعمل على تعريتها أمام جمهورها، ويكشف زيف ادعاءاتها وتسترها خلف شعارات ورمزيات تستغفل الشعب.

أغلب مثقفينا الآن ليسوا أيديولوجيين، وقد تكون هذه إيجابية، لكنها سلبية لأن الكثير من دعاة الثقافة باتوا غير ملتزمين مبدئيا، ولا نعرف لهم أي التزام مبدئي، وتحولوا إلى (مثقف سائل) يتحول موقفه حسب متطلبات العرض والطلب، سواء أكان من قبل السلطة أو قوى اللادولة. ومن ثم بات المثقف غير الملتزم بقضايا الجمهور ولا بمبادئ النخبوية، يجد في التقرب من السلطة فرصة لتعزيز مكانته الاجتماعية أو موارده المالية، فالمعرفة بالنهاية قد يكون هدفها السلطة والحضور، كما يعتقد بذلك ميشيل فوكو. ولا يهم كيف يكون الطريق للوصول إلى حاشية السلطة، إذا ممكن أن تتحالف مع القوى التقليدية والأوليغارشيات السياسية في سبيل المنصب.

كتب أحد المثقفين العراقيين مقالا بعنوان: "المثقف وعالم اللامصلحة النقي" وختمه بالتساؤل الآتي: " كيف يمكن للمثقف الذي يتورط بالموقف السياسي أن يبقى الضمير عنده متقدما؟" لكن هذا المثقف نفسه عندما حصل على منصب حكومي، تحول إلى مداح لرئيس حكومته، لأنه تكرم عليه بمنحه المنصب، ولم يلتفت إلى تاريخه وعنوانه في عالم الثقافة الذي يؤهله إلى أن يكون في هذا المنصب استحقاقا وليست تكريما. وهذا المثقف نفسه يقف اليوم يبرر عجز وضعف الحكومة إمام خروقات قوى اللادولة.

قد نتهم بالقسوة أو جلد الذات، عندما ننقد التحول في مواقف المثقف، ونجده ينتقل من موقف إلى آخر نقيض لما يدعوا إليه، كما يحدث في بلداننا، ويكون كل هدفة الدخول في منظومة السلطة والتحول من ضمن حاشيتها، ليس لمشروع ثقافي أو سياسي، وإنما لإرضاء الغرور الذاتي، أو أنه يجب أن تكون له حصة من مغانم السلطة تحت تبرير معيار الكفاءة. ورغم ذلك لا يريد أن ننتقده لأنه يبقى مثقفا حتى وإن تحول إلى ذيل ومداح لمن هم في السلطة. سواء أكان النظام دكتاتوريا، أو نظاما سياسيا عنوانه "ديمقراطية" وواقعه بعيد تماما عن الديمقراطية؛ بل هو واجهة لمافيات سياسية تهيمن عليه قوى اللادولة.

قد يمكن للبعض أن يتلمس الأعذار للمثقف الذي يتماهى مع هذين النموذجين في الحكم، لكن لا يمكن تبرير تحول "المثقف" إلى رقم إضافي في منظومة الخداع والنفاق السياسي، فتلك خطيئة لا يمكن للتاريخ أن يغفرها لأن الجماهير تبقى لوحدها تواجه الخديعة والتضليل من قبل السياسيين وحفنة من المثقفين.

البوم الصور