عناوین:

المحنة العراقية وأسئلة المثقف التظاهري

11/18/2019 7:50:37 PM
2641 مشاهدة
علي حسن الفواز
+ -

وسط ما يجري من أحداث في الواقع العراقي، يأخذ الحديث عن المجال الثقافي مسارا من الصعب السيطرة عليه، والتعرف على حمولاته وتحولاته، وحتى على أسئلته، ليس لأن «الثقافي» بطيء جدا في اللحاق بالسياسي والاجتماعي وحسب، بل لأن الواقع العراقي يعيش مخاضات «جيل» جديد، لم تصنعه الأيديولوجيات، ولا العصبويات، ولا حتى الانقلابات العسكرية التي استغرقت منذ عقود ذلك الواقع.
هذا الجيل الاغترابي عن الماضي، وعن عصبوية الظاهرة الدينية والحزبية، يكشف عن أفق أنثروبولوجي مغاير للهوية والفكر والعادات، وحتى للأزياء وللغة، ولكل ما يجعله خارج القياس النمطي، وغير ملتاث بقدسية الأفكار القومية أو اليسارية، أو الطائفية، إنه جيل متدفق بروح الجرأة والمغامرة، لا يمالي السلطة، ولا يخاف من عنفها اللوثياني، ولا من ذاكرة الرعب التي تركتها في اللاوعي الجمعي.
علاقة هذا الجيل بالثقافة وأنماطها الأدبية والسحرية باتت غير آمنة، وبعيدة عن التبعية وأوهام التصديق بالشعارات والسرديات الكبرى، فهو جيل بلا بيانات خادعة، وبلا كارزمات تصطنع لها نوعا من المقدس الشعري، وهذا ما يجعله أكثر تمردا واستعدادا للمواجهة، ولنزع المعاطف الكثيفة التي تورطت بها الأجيال السابقة، بما فيها معطف ماركس، أو غوغول، أو ميشيل عفلق، أو سيد قطب، إذ وجد نفسه أمام رعب الاحتلال وصعود «السلفية الإسلاموية» و«الجماعات الإسلامية» وعدوى «الربيع العربي» وغيرها من الظواهر التي قصمت ظهر الأنظمة التقليدية بخفة طبقاتها الماكرة، وبمعسكراتها وأوهامها الأيديولوجية.
مثقف هذا الجيل هو رجل الشارع، أو هو المدون والبطل الرقمي، أو الكائن الذي يهجس بعلامات مغايرة تماما، حتى في لغته، وربما هو البطل العاطل عن العمل، والمُهمّش من قبل حكومات الإسلام السياسي، أو حكومات ما بعد الربيع العربي، لا شأن له بالعضوية الغرامشوية، ولا بالهوية الجماعوية، وقد يكون هو أقرب إلى «دنيوية» أدوارد سعيد، حيث الرغبة العميقة للعيش في التفاصيل، وفي صناعة الأسئلة التي تلامس الوجود، وتهجس بالأخطار التي يصنعها «العدو» الكولونيالي، أو العدو «الوطني» بوصفه عدوا عصابيا أو سلفيا أو طفيليا. حضور هذا المثقف المدهش والمفارق يعني طردا فاضحا للمثقف التقليدي، في عضويته الموهومة، أو في غروره، وتعاليه، مثلما يعني حضورا استثنائيا للمثقف المتسائل، النقدي، أو المثقف التظاهري الذي يمكنه أن يحتج ويرفض ويصنع الشعارات الضد.
فهل ثمة غياب واقعي للمثقف النمطي بمعناه التقليدي الثوري والأيديولوجي والعضوي؟ وهل هناك صورة واضحة للمثقف الجديد، مثقف المحنة، والهامش والقلق والبحث عن الاسئلة الفاعلة؟ وهل طرحت تظاهرات الشارع العراقي أنموذجا لسيروة مثقف الحراك الثقافي، الحراك الذي يقوده جيل يبحث عن المعنى والحرية والحق، مثلما يبحث عن العمل والحب والسلام الأهلي؟
هذه الاسئلة ليست دافعا لتفكيك مفهوم المثقف على مستوى «التاريخ» والمؤسسة أو الوظيفة، بقدر ما تعني ضرورة توصيف هذا المثقف التظاهري، بوصفه أنموذجا للقوة الجديدة، القوة الخلاقة، العابرة للخصوصيات القاتلة، والمشارك بحيوية في صناعة أسئلة التغيير التي نسعى إلى إثارتها وتكريسها في واقعنا العراقي، وأحسب أن الغياب الحقيقي للثقافي، ولوظيفة المواجهة، هو الذي أعطى مبررا للحديث عن موت «المثقف المسلكي»، المسؤول عن فضائح وأوهام (الثقافات) التعويضية/ والإشباعية، التي ظل يمارسها البعض كجزء من الأيديولوجيا، أو العصاب، أو باتجاه فرض السيطرة على البعض الآخر، وضبط حركة الجماعات، وإعادة إنتاج السلطة العصابية والنص بوصفهما محركات لنظرية السيطرة تلك.
حضور هذا النمط الثقافي بصورته الفقهية او الإعلامية أو الأصولية العنفية يمثل، أيضا من أكثر العناصر تهديدا لمشروع الدولة المدنية، ولقيم الحداثة والتنوير والإصلاح، إذ يكون هذا (النمط) صانعا للإشاعة، وللعصاب، وللخطاب، ولجزء سري من صناعة وهم الهوية القاتلة، هوية الجماعة والفرقة والطائفة، وهو ما يعني الشك بكل قيم الحمولات المدنية والهوياتية للجماعات والمكونات الأخرى..
النقد هو المسؤولية الضد للمثقف الجديد، مثقف التظاهرات والتفاصيل، لأن هذه المسؤولية تعني الوعي والحرية والإرادة، مثلما تعني وضع المثقف في المجال الحيوي لمفهوم الثقافة ولوظائفها الاجتماعية والإنسانية والتعليمية
النقد هو المسؤولية الضد للمثقف الجديد، مثقف التظاهرات والتفاصيل، لأن هذه المسؤولية تعني الوعي والحرية والإرادة، مثلما تعني وضع المثقف في المجال الحيوي لمفهوم الثقافة ولوظائفها الاجتماعية والإنسانية والتعليمية، أي أن يكون المثقف في سياق فعل المواجهة، وفي ممارسة حريته، على أساس أنها قوة داعمة للاحتجاج والرفض، مثلما هي واسطة فائقة الخطورة للكشف والتغيير والبناء والتواصل، وعلى أساس أنها باعث لفعالية التفكير الحر، إزاء ما يمكن أن تحدده السلطة، أو الأيديولوجيا، أو الجماعة القرابية والعصابية.
فهل مارس هذا المثقف مسؤوليته في المواجهة؟ وهل أن تاريخ الأنتلجنسيا العراقية سيعترف بوجوده، ويمنحه نوعا من «الأرخنة» في التداول السياسي والاجتماعي؟ وهل اصطنع هذا المثقف لنفسه مجالا حيويا مؤثرا للخروج من معطفه العائلي والأيديولوجي والسلطوي والطائفي باتجاه التموضع في فضاء المواجهة والتفكير العلمي والفردية الوجودية الفاعلة؟
أحسب أن مراجعة تاريخ الأنتلجنسيا العراقية سيضعنا فعلا أزاء الكثير من الشكوك، وأمام الكثير من الأوهام، لأن هذه الأنتلجنسيا لم تصنع صورة واضحة للمثقف الفرد، وللمثقف النقدي، بل طالما ربطت هذا المثقف بالجماعة، أو المثقف بالأيديولوجيا، ولعل التفكيك المرعب الذي تعرضت له هذه الجماعات الثقافية والحزبية منذ عام 1963 انعكس بشكل سلبي على صورة هذا المثقف، وعلى وظيفته وعلاقته بالمجتمع والأيديولوجيا والدولة. إذ بات شائها، أو معزولا، أو مسجونا أو منفيا، أو متعاليا، أو باحثا عن أمجاد.
أوهام المثقف العراقي لا تشبه أوهام مثقفي البير كامو، ولا وجوديات جان بول سارتر، ولا انتمائيات كولن ولسن، ولا عبثية بيكيت، لأن نموذجها الثقافي كان يعيش الاغتراب الواعي، والتمرد على الانسحاق البورجوازي، والإرادة الباعثة على الانسحاب من الأيديولوجيا إلى فعل الأنوية الساحر، والعميق، بينما المثقف العراقي الذي سحقته الانقلابات المرعبة والأيديولوجيات الضاغطة والحروب والاستبداد تحوّل إلى مثقف انهزامي، أو سلطوي، أو مثقف حزبي، أو ديني بمزاج طائفي، وصورة غائمة للمثقف العضوي، تلك التي ظلت معلّقة على الحائط الأيديولوجي المتعالي، الذي تركته الماركسية اللينينية في فتوتها اليسارية، وبأبهتها الغرامشوية، والقومانية في أوهامها المعطوبة..
اليوم باتت صورة المثقف أكثر انشغالا بإعادة توصيف وظيفة الثقافي وسط مهيمنات أكثر رعبا، مهينمات السلطة الوحشية ومهيمنات الحركات الجهادية ونزعات التكفير والغلو والعنف، وبملامح المثقف المضطرب والعالق بيوتوبيا الخلاص، فضلا عن الانشغال بمتاهة المهجر، إذ ترك لنا هذا المهجر مثقفا عائما، ضالا، مسكونا بالحنين السلبي، والكراهية السلبية، وحتى بالوطن الضد، والتعالي السلبي.
السؤال الأكثر مرارة هنا: كيف يمكن الحديث عن استعادة الثقافي إلى السياق الفاعل، وإلى مواجهة تاريخ الأوهام؟ وكيف يمكن لهذا المثقف – غير المسلكي- أن يرى الأشياء والظواهر بعيون أكثر اتساعا، وبوعي أكثر ثراء، لكي لا نعيد إنتاج مثقف الطوارئ، ومثقف الحرب ومثقف الحزب؟ هذه الأسئلة قد تكون مدعاة لرؤية صورة أخرى للتحول الكبير، على مستوى النظر إلى السلطة، والنظر إلى المؤسسة التي تشبه السلطة كثيرا، وإلى الخطاب، لكنها أيضا مدعاة لأن يكون المثقف فاعلا في تأصيل قيم أخرى للحداثة، بكل حمولاتها، وبكل رمزيتها وإجراءاتها، وحتى بقوتها على مستوى تأهيل المدينة السياسية/ الثقافية، وعلى مستوى البناء المدني للمجتمع، وتنشيط حركة البحث العلمي، وتعميق المعنى الحقوقي للحريات العامة والخاصة، بما فيها حرية المثقف الفرد المنتمي بوعي وإرادة إلى الحياة والمستقبل.

البوم الصور