عناوین:

كيف ولماذا قد يتغير المشهد الانتخابي الأميركي

9/29/2020 8:41:53 AM
3762 مشاهدة
هشام ملحم
+ -

لم يطرأ على المشهد الانتخابي الأميركي أي تحولات نوعية خلال الأشهر الماضية، حيث تبين مختلف استطلاعات الرأي وغيرها من المؤشرات، بما فيها استطلاعات واستقصاءات حملتي الرئيس دونالد ترامب ومنافسه جوزف بايدن، أن المؤتمرين الحزبيين في أغسطس، والدعايات التلفزيونية والمهرجانات الحزبية، لم تغير من حقيقة أن المرشح الديمقراطي لا يزال متقدما على الرئيس ترامب في الاستطلاعات التي تجري على المستوى الوطني وعلى مستوى الولايات المتأرجحة التي من المتوقع أن تحسم السباق الرئاسي. 
لكن، هذا لا يعني أن هذه الفترة لم تشهد بعض المفاجآت، ومنها أن حملة بايدن تلقت تبرعات مالية فاقت تلك التي جمعتها حملة ترامب. وبعد وفاة القاضية الليبرالية روث بادر غينزبيرغ تلقى الحزب الديمقراطي ومرشحوه أكثر من 90 مليون دولار خلال أقل من 48 ساعة.
ولكن التوازنات الانتخابية الراهنة مرشحة لتغييرات يمكن أن تؤثر على نتائج الانتخابات خلال الأيام المقبلة على الرغم من أن أكثر من تسعين بالمئة من الناخبين المتوقع أن يدلوا بأصواتهم يقولون إنهم حسموا أمرهم لجهة خيارهم في التصويت، كما أن عملية الاقتراع قد بدأت في عدد من الولايات. وفي طليعة هذه التطورات التي يمكن أن تؤثر على خيارات هذه الشريحة الضئيلة من الناخبين الذين لم يقرروا بعد لمن سيقترعون في الثالث من نوفمبر، أول مناظرة من بين ثلاثة، والتي ستعقد مساء الثلاثاء في التاسع والعشرين من الشهر الجاري. أما التطور الثاني، فهو بداية جلسات الاستماع للنظر في ترشيح القاضية أيمي كوني باريت لخلافة القاضية غينزبيرغ في المحكمة العليا، والتي ستعقدها اللجنة القضائية في الثاني عشر من أكتوبر.
المواجهة الأولى والمباشرة بين ترامب وبايدن سوف تبدأ في التاسعة مساء في مدينة كليفلاند، بولاية أوهايو وتستمر لتسعين دقيقة، وسوف يديرها الإعلامي القدير كريس والاس. وسوف تغطي المناظرة 6 مواضيع: سجل كل من المرشحين، المحكمة العليا، جائحة كورونا، العنصرية والعنف في شوارع المدن الأميركية، ونزاهة الانتخابات، والاقتصاد.
ومن المتوقع أن يراقب المناظرة عدد كبير من الناخبين الأميركيين قد يفوق عدد الذين شاهدوا المناظرة الأولى بين المرشح دونالد ترامب والمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون قبل أربع سنوات وزاد عددهم عن 84 مليون نسمة. محاورة أو مناظرة ترامب صعبة للغاية ليس لأنه متحدث جيد وفصيح، بل لأنه زئبقي ولا يمكن توقع ما سيقوله أو يفعله على مسرح المواجهة. ترامب نادرا ما يجيب مباشرة أو بوضوح أو بلاغة على أي سؤال، وكما يتبين من سجله في مناظرات 2016 ضد المرشحين الجمهوريين كما ضد هيلاري كلينتون فهو تلقائيا يلجأ إلى أسلوب الهجوم الشخصي ضد منافسه، وتكون أجوبته ركيكة ومفككة، يمكن أن تبدأ برد عام على السؤال وتنتهي بالتعليق على موضوع لا علاقة له على الإطلاق بالسؤال المطروح. 
في مناظرته الأولى مع كلينتون لم يأبه ترامب بأي قواعد أو أعراف وانتقد كلينتون بعنف لأنه لم يكن لديه أي شيء يخسره آنذاك، في ضوء التقارير الصحفية التي ذكرت أنه لم يكن يتوقع أن يفوز بالانتخابات، وكان يريد من حملته أن تعزز من مكانته كرجل أعمال يريد أن يوسع ويزيد من أعماله وثروته. 
ولكن في المناظرة المقبلة سوف يكون من الصعب على ترامب التهرب من سجله وخاصة كيفية تعاطيه مع جائحة كورونا التي حصدت أكثر من مئتي ألف أميركي، وإصابة أكثر من 7 ملايين نسمة. أو كيف سيتعامل مع التحقيق الاستقصائي الكبير والموثق والمفصل الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز مساء الأحد حول تهرب ترامب لعشرات السنين، بمن فيهم بعض سنين الرئاسة من دفع الضرائب الفدرالية، بما في ذلك دفعه لمبلغ زهيد قدره 750 دولار فقط في 2016 حين فاز بمنصب الرئاسة، والمبلغ ذاته في 2017. أو لمن يدين بـ 421 مليون دولار، عليه أن يسددها خلال 4 سنوات، لأنه شخصيا ضمن تسديدها.
ترامب يأمل أن تؤدي هجماته ضد بايدن إلى وضعه في موقع دفاعي، حيث يمكن أن يسأله عمن موظف نجله هنتر في شركة أوكرانية للطاقة براتب كبير وهو الذي يفتقر إلى الخبرة في مجال الطاقة، أو الضغط على بايدن من أجل أن يوقعه في هفوات لفظية. واللافت أن للرجلين مشكلة مزمنة مع اللغة الإنكليزية حيث يستخدمانها وكأنها لغتهما الثانية. ولن يكون من المستغرب أن يوجه ترامب الإهانات المباشرة لبايدن، وأن يحاول الهيمنة على المناظرة ليوحي أنه مؤهل للقيادة بينما بايدن "النعسان" هو مرشح ضعيف. في 2016 التقويم السائد كان أن ترامب خسر المناظرة الأولى وإن كان قد تصرف لاحقا وكأنه فاز فيها. حتى ولو لم تشهد المناظرة "ضربة قاضية"، فإنها يمكن أن تعزز من مكانة أحد المرشحين.
في العقود الأخيرة، وبسبب عمق الاستقطابات السياسية والأيديولوجية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، تحولت جلسات الاستماع للجنة القضائية التي تنظر في ترشيح القضاة للمحكمة العليا، إلى مواجهات قوية وأحيانا شرسة للغاية، حيث كان سجل كل قاض يتعرض للتدقيق والتشريح والتأويل، وحيث يتعرض القاضي أو القاضية إلى ما يشبه الاستجواب. 
هذه المرة، يدرك الديمقراطيون أنهم أمام قاضية لن يكون من السهل تفكيك أو تقويض سجلها المحافظ، لأسباب كثيرة من بينها أنها بالغة الذكاء وواسعة الاطلاع، وتتمتع بشخصية جذابة جعلتها تقيم علاقات مهنية وشخصية جيدة مع من يختلفون معها في آرائها الحقوقية. وحتى سيرتها الذاتية لافتة: تحصيلها العلمي متميز، وسجلها كأستاذة قانون باهر، ويساهم في جاذبيتها، أنها شابة نسبيا (48 سنة) أنجبت خمسة أطفال، وتبنت اثنين من هايتي. وسارع بعض الزملاء الأكاديميين للقاضية باريت للدفاع عن شخصيتها ونزاهتها وانفتاحها لسماع الآراء التي تخالفها، وطمأنة المتخوفين من تدينها، والقول إنها سوف تتعامل مع القضايا المطروحة أمامها انطلاقا من نص الدستور وليس انطلاقا من قناعاتها الشخصية، وهو ما قالته خلال شهادتها في 2017، وما كررته حين أعلن ترامب ترشيحها.
وحتى الذين يشكون من تدينها الواضح يجب أن يتعاملوا مع هذه المسألة بحساسية بالغة. وخلال مثول القاضية باريت في 2017 أمام اللجنة حين عينها ترامب لمحكمة الاستئناف الفدرالية، طرحت عليها عضوة مجلس الشيوخ الديمقراطية دايان فاينستاين سلسلة من الأسئلة حول الكاثوليكية، خلصت بعدها إلى اتهام باريت "بأن الدوغما تعيش في داخلك بصخب، وهذا أمر مقلق". وقال بعض المراقبين آنذاك أن مواقف فاينستان وغيرها من الشيوخ الديمقراطيين الذين ركزوا على دين القاضية باريت أدت إلى زيادة شعبيتها في أوساط الكاثوليك والمحافظين عامة.
طبعا معارضو القاضية باريت أشاروا إلى أن قراراتها كقاضية فدرالية أظهرت، على الأقل في حالتي إجهاض أنها تميل تلقائيا للحكم ضد تسهيل عمليات الإجهاض. كما أشار العديد من المعلقين إلى انتقادها لموقف رئيس المحكمة العليا جون روبرتس الذي أنقذ قانون العناية الصحية المعروف أيضا باسم أوباما كير حين وافق مع أكثرية بسيطة على شرعيته، وقالت في مقال لها إن القاضي روبرتس بالغ في معنى القانون لإنقاذه.
حتى الآن لا يبدو أن الديمقراطيين قادرين إجرائيا أو سياسيا على منع الأكثرية الجمهورية من التصديق على ترشيح القاضية باريت، على الرغم من أن أكثر من استطلاع للرأي أظهر أن أكثرية من الأميركيين تؤيد قيام الرئيس الذي سينتخب في نوفمبر المقبل اختيار القاضي الجديد للمحكمة العليا.
بعد المناظرة الأولى بين ترامب وبايدن، ومعركة التصديق على القاضية باريت، سوف تتصلب المواقف أكثر وسوف يتوضح المشهد الانتخابي أكثر من أي وقت مضى، وذلك قبل أيام قليلة من موعد الاستحقاق الانتخابي.

البوم الصور