عناوین:

فوضى التأويلات وغياب منطق الدولة

3/20/2020 6:18:59 PM
4942 مشاهدة
يحيى الكبيسي
+ -

مرة أخرى تدخل المحكمة الاتحادية العليا في العراق طرفا مباشرا في أزمة سياسية، من خلال إصدارها قرارا إشكاليا يتعلق بتفسير المادة الدستورية المتعلقة بتكليف رئيس مجلس الوزراء! فقد أفتت المحكمة الاتحادية بقرارها المرقم (29/ اتحادية/ 2020) الصادر بتاريخ 16 أذار/ مارس 2020، بأن المادة 76/ ثالثا التي نصت على أن «يكلف رئيس الجمهورية، مرشحا جديدا لرئاسة مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوما، عند إخفاق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة»، تعطي لرئيس الجمهورية «الخيار حصريا» بتكليف مرشح جديد لرئاسة مجلس الوزراء!
وبعيدا عن المفارقة المتعلقة بتاريخ إرسال هذا الطلب إلى المحكمة الاتحادية والذي كان يوم 16 آذار/ مارس، أي اليوم الأخير للمهلة الدستورية لترشيح رئيس الوزراء الجديد، وما يعكسه ذلك من مشكلة حقيقية في التعاطي مع النصوص الدستورية، إذ يفترض برئيس الجمهورية أن يطلب تفسير هذه المادة في اليوم الأول للمهلة الدستورية! وبعيدا عن مشكلة استخدام عامل الوقت في إصدار قرارات المحكمة الاتحادية، بدون أي ضابط سوى الرغبة الشخصية (هكذا يصدر هذا القرار في يوم إرسال الطلب، في حين يتم تأخير البت في طلبات أخرى لمدد طويلة وغير منطقية ولأسباب سياسية (تأخر إصدار القرار رقم 22/ اتحادية/ 2007 المتعلق بعدم دستورية قانون الانتخابات البرلمانية لعام 2005 مدة 15 شهرا! فقد قدمت الدعوى في كانون الثاني/ يناير 2006 ولم يصدر القرار إلا في ابريل/نيسان 2007)! بعيدا عن ذلك كله، فإن هذا القرار يأتي في سياق جملة من القرارات الإشكالية التي أصدرتها المحكمة الاتحادية خلال السنوات الماضية، والتي كانت قرارات مسيسة بامتياز تبعا لإرادة الفاعل السياسي الأقوى (كما في القرار رقم 25/ اتحادية/ 2010) الخاص بتفسير الكتلة الأكثر عددا)، أو قرارات متناقضة (كما في القرار 113/ اتحادية/ 2017 الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 بشأن المناطق المتنازع عليها الذي ألغت فيه عمليا فحوى المادة 140 من الدستور، والذي نقضته بالكامل بعد 110 أيام فقط بقرارها رقم 43/ اتحادية/ 2018)! فهذا القرار يعكس مشكلة حقيقية في فهم النصوص الدستورية، وفي محددات تأويلها. ففي الأنظمة البرلمانية، مثل العراق، فإن صلاحية ترشيح رئيس مجلس الوزراء هي صلاحية حصرية لمجلس النواب/ الكتلة الأكثر عددا. وفي الأنظمة الرئاسية، تكون صلاحية ترشيح رئيس مجلس الوزراء صلاحية حصرية لرئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من الشعب. أما في الأنظمة شبه الرئاسية/ المختلطة، مثل فرنسا، فيتم فيها انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من قبل الجمهور، ولكن رئيس مجلس الوزراء يرشحه البرلمان/ الحزب أو التحالف الفائز. وليس ثمة دولة في العالم تعتمد النظام البرلماني تعطي لرئيس الجمهورية «صلاحية حصرية» لترشيح رئيس مجلس الوزراء، لأن ذلك يعني الإطاحة بالنظام البرلماني بالكامل! ومن ثم فإن هذا القرار يعني أن المحكمة الاتحادية العليا قد «ابتكرت» نظاما سياسيا جديدا، لا علاقة له بالفقه الدستوري، أو بالعلوم السياسية/ الأنظمة السياسية، لتدخلنا مرة أخرى في متاهة حقيقية! خاصة في ظل فوضى العلاقة بين السياسة والسلاح من جهة، وفي ظل عدم وجود أعراف سياسية متفق عليها من جهة أخرى! وهو ما عكسته التصريحات التي أعلنتها الكتل الشيعية التي رفضت احتكار رئيس الجمهورية «الكردي» ترشيح رئيس مجلس الوزراء «الشيعي» رغما عن أنف الفاعل السياسي الشيعي، بدون أن تعترض على الإشكالية الدستورية المتعلقة بهذا الترشيح.
على أن ثمة متغيرا جديدا دخل اليوم على خط هذه الأزمة، وهو الصراع المتجدد بين رئيس المحكمة الاتحادية ورئيس مجلس القضاء الأعلى، والذي سبق أن أشرنا إليه قبل عام تقريب في مقالنا عن الصراع على إرث المحكمة الاتحادية ليطيح بمنطق الدولة كله هذه المرة، وليس بالنظام السياسي فقط! فقد أصدر رئيس مجلس القضاء الأعلى، تفسيرا للمادة 67/ ثالثا تنقض تفسير المحكمة الاتحادية (وهو لا يملك الصفة ولا الصلاحية)، بل ويصف تفسيرها بالخاطئ! مع أن الدستور قرر أن قرارات المحكمة الاتحادية باتة وملزمة للسلطات كافة، بما فيها مجلس القضاء الأعلى! وقد تم نشر هذا «التفسير» على الموقع الرسمي للمجلس تحت عنوان «وجهة نظر»! جاء فيها أن مفردة المرشح الواردة في المادة تعني «أن جهة ما رشحته»، وأن «حق تكليف المرشح بدون موافقة الكتلة التي رشحته لا ينقل لرئيس الجمهورية مطلقا لأن هذا التفسير خاطئ»! فضلا عن هذا التنازع غير المسبوق، فإن رئيس مجلس القضاء الأعلى كرر توصيفه للمحكمة الاتحادية العليا بأنها «محكمة ناقصة النصاب قانونا»، على الرغم من أن لا ولاية، ولا صفة، للمجلس لكي يحدد قانونية المحكمة الاتحادية من عدمها! والمفارقة هنا أن القاضي المختلف عليه، والذي تصفه المحكمة الاتحادية بالشرعي، ويعترض عليه رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان قد أدى اليمين كعضو احتياط في المحكمة الاتحادية أمام رئيس مجلس القضاء نفسه، في انتهاك آخر لقانون المحكمة الاتحادية !
كانت المحكمة الاتحادية ومعها مجلس القضاء الأعلى بعد 2005، مجرد أدوات سياسية يستخدمها الفاعل السياسي تبعا لمصلحته، وقد استمرت هاتان المؤسستان بأداء هذا الدور بعد عام 2018، مع تصاعد الصراع، المدعوم سياسيا من حلفاء سياسيين، على وراثة المحكمة الاتحادية، ولكن مع متغير جوهري هذه المرة، وهي أنهما أصبحا أداة في صراع شخصي بين القائمين عليها، ولكل منهم حلفاء يدعمون موقف صاحبهم لغايات آنية، ولطموحات سياسية مستقبلية!

البوم الصور