عناوین:

اغتيال هشام الهاشمي: رسالتهم للإبقاء على واقع اللادولة

7/12/2020 10:38:25 AM
3516 مشاهدة
اياد العنبر
+ -

ينتمي هشام الهاشمي إلى جيل كان يتأمل أن يعيش في ظل دولة كما قرأ عنها في الأدبيات السياسية. في أيام دولة الدكتاتور كان جيل هشام يجد في الأيديولوجيات الدينية بتوجهاتها اليمينة واليسارية طريقة للتعبير عن رفضهم لقمع وبطش النظام الشمولي. وبعد إسقاط الدكتاتورية كان الأمل بالتغيير ممزوجا بالتفاؤل بأننا نخطو نحو العيش في دولة تكون وظيفتها الأولى والأخيرة هي حماية المواطن وتحقيق رفاهية شعبها، لكنَّ الأمل والتفاؤل قد حوّله الإرهاب، بالإضافة إلى غباء الطبقة السياسية وفشلها وفسادها، إلى كابوس يخيّم على حياة العراقيين.  
وبعد أن دمر ثالوث الإرهاب والفساد والفشل بقايا الدولة، كانت النتيجة في 2014 ظهور جماعات تنظيم "داعش" الإرهابية وأصبح مقرّها في ثلاث محافظات عراقية. تصدّى هشام الهاشمي لتفنيد مشروعه وتفكيك منظومته وأيديولوجيته التي تدعو إلى "الدولة الوهم". وكان موقفا بطوليا من هشام، لأن بغداد وكل محافظات العراق كانت مفتوحة أمام جماعات التنظيم وخلاياه النائمة والصاحية يسرحون ويمرحون بها ويختارون أهدافهم بالتوقيتات والطريقة التي يحددونها.  
تصدي الهاشمي، كما تصدى الكثير من أبناء جيله صحفيون وأكاديميون، لم يكن طمعا بمنصب أمني أو سياسي أو رغبة للسكن في قصور الخضراء أو على أقل تقدير أن يكون من حاشية السلطة، وإنما دفاعا عن مشروع بناء الدولة؛ فهو السبيل الوحيد لضمان حقوق المواطن وهو المشروع الحقيقي الذي يوفر العيش بأمان ورفاهية، وعدا ذلك من عناوين "الدولة الموازية" أو "دولة المليشيات" أو "دولة الإرهاب" كلها عناوين تخدم مافيات السياسة وزبائنها ولا تخدم مواطني الدولة.  
هشام الهاشمي لم يكن شخصا ولم يغتالوه لشخصه، هشام كان صوتا وكلمة تدافع عن الدولة، واغتياله محاولة لإسكات كل من يريد للعراق أن يكون دولة يحكمها القانون والمؤسسات وليس العصابات الإرهابية ومافيات السلطة. واغتيال هشام ليس إلا رسالة لجميع الأصوات التي تهدد مشروع الجماعات التي صادرت وظائف الدولة لتعظيم مواردها وبناء إمبراطوريتها التي باتت موازية للدولة.  
ولم يكن الهاشمي يؤمن بأن الطريق الوحيد للمواجهة هو استخدام العنف المنظم الذي تحتكره الدولة في مواجهة الكيانات التي تريد ابتلاعها وتحاول شرعنة امتلاكها للسلاح والنفوذ وتسعى لكي تعلو على الدولة ومؤسساتها وقانونها، بل كان يدعو إلى احتواها "بفتح حوار قانوني وطني" قبل اللجوء إلى خيار المواجهة المسلحة ومعالجة المتمرد بفرض القانون ولو بالعنف. وذلك ما كتبه في مقاله الذي نشرته صحيفة العالم البغدادية بعنوان "المواجهة مع الفصائل الهجينة". لكن من قتله ومن أصدر الأمر بقتله لا يعرف غير لغة السلاح لإسكات أي صوت يسعى لحل الأزمات بإنفاذ القانون وليس العنف.  
والرسالة التي يجب قراءتها من اغتيال الهاشمي، بأنها رسالة تحدي لحكومة مصطفى الكاظمي، فالهاشمي كان مدافعا عن حكومته وعن خطواتها في المواجهة مع الجماعات التي تريد إحراجها وإضعافها أمام الرأي العام، ودفاع الهاشمي لم يكن بعنوان رسمي وإنما إيمانا منه بأن الدولة يجب أن تفرض سيطرتها ونفوذها. وبهذا الموقف كان أكثر شجاعة من جوق المستشارين الذين عينهم الكاظمي، إذ بعد أن كانوا ينتقدون واقع اللادولة اختاروا اللوذ بالصمت والسكن بالقصر الرئاسي في المنطقة الخضراء.  
المفارقة في اغتيال الهاشمي، هي أن لا الحكومة ولا من نفذ وأمر بالاغتيال كان يتوقع تعاطف الرأي العام ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية والصحف العالمية والبعثات الدبلوماسية، ولم يكن التعاطف الشعبي مع الاغتيال موضوعا عفويا، وإنما كان تعبيرا واستنكارا لاغتيال من يدافع عن الدولة. إذ لا يزال الكثير من العراقيين يعولون على حكومة الكاظمي باتخاذ خطوات نحو الجماعات التي تريد أن تبقي وضع اللادولة.  
حادثة اغتيال الهاشمي لا يمكن أن يوازيها رد فعل إلا بإعلان بداية المعركة ضد كل من يريد أن يعلو على الدولة، ويريد إرسال رسائل الاغتيال والتهديد بالقتل كتحدي للحكومة ولكل الأصوات التي تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة وفرض هيبتها.   
وتبقى المبادرة بيد حكومة الكاظمي، فعلى الرغم من تلكؤ الحكومة بتوفير رواتب الموظفين وسوء إدارة مواجهة جائحة كورونا إلا أن الكثير لا يزال يعتقد أن المعركة الأهم هي الآن ضد الجماعات المسلحة باختلاف عناوينها.  
دخل العراقيون في معارك شرسة مع الجماعات الإرهابية منذ 2003 إلى يومنا هذا، ولم يتحقق النصر بإرادة السياسيين ولا بخططهم التي لم تكن موجودة أصلا إلا لحماية المنطقة الخضراء، بل أن النصر قد تحقق بإرادة العراقيين الذين كان إصرارهم على مواصلة الحياة ومواجهة التحديات أكبر من إرادة الموت والدمار التي حاول نشرها الجماعات الظلامية.   
وقريبا سيقود العراقيون معركتهم النهائية لاستعادة الدولة، ووضع حدّ لحالة الفوضى التي تسعى إليها الجماعات المسلحة للإبقاء على سلطتها ونفوذها من خلال إشاعة الفوضى والخراب والدمار والموت المجاني.  
ولم تخسر دولة معركتها مع جماعات وتنظيمات تريد التنافس معها على فرض سلطتها وقانونها إلا بتخاذل قادتها وغياب إرادتهم السياسية. وعليه فالاختبار الحقيقي الآن أمام الكاظمي وحكومته، إذ عليها أن تختار ما بين أن تكون حادثة اغتيال الشهيد هشام الهاشمي هي الدافع نحو استعادة الدولة، أو إبقاء الوضع على ما هو عليه، والتعايش مع دولة بسلطات وقوى موازية.   
ومن يختار الدولة سيكون معه الجمهور ويخلده التاريخ. أما من يختار الصفقات السياسية مع القوى اللادولتية في سبيل رغبة شخصية دافعها البقاء بالسلطة، فإن التظاهرات التي أتت به ستلحقه بسابقه الذي رحل عن كرسي رئاسة الوزراء بالعار الذي سيلاحقه طوال التاريخ.  

البوم الصور