عناوین:

التراجع الحقيقي

5/20/2019 9:56:38 AM
4862 مشاهدة
هشام الهاشمي
+ -

الشـائعات عن الاستفزاز أكثر من الأخبار الحقيقية، حيث اصبحت أخبار التصعيد بين إيران وامريكا مربكة...وكثـيرا ما كانت الاخبار متضاربة، بحيث يصعـب أن تجـد ما تصدقه. أما في المنطقة العربية فقـد كانت الأحداث في تصاعـد.
كانت جهـود ايران في المنطقة الاسلامية عامــة والجزيرتين العربية والشامية خاصـة تهـدف إلى تمهيـد الطريق إلى بيروت غربا عبر العراق وسوريا بشـكل مبــاشر أو غــير مبــاشر عــن طريـق البر، ويبـدو أن خيـار الوصـول إلى بيروت عـبر البر بــدا أكــثر صعوبــة بعــد ســيطرة الفصائل المسلحة السورية المعارضة لدمشق على الشرق السوري، لذلــك انخرطت ايران بالحرب الاهلية الدائرة في سورية مبكرا منذ عام 2012، ويبـدو أن هــذا الطريــق كان أكــثر تعقيدا وتكاليفــه الاقتصادية والسياسية مثقلة بالنســبة للحكومة الايرانية، لأنهـا كانـت ترغـب بربــط طهران ببيروت عــن طريــق بغداد دمشق بعيدا عن تحكم التحالف الغربي بقيادة أمريكا، التــي كان مقــررا لهــا أن تشارك بالحرب على داعش ضمن استراتيجية التوازن عن بعد، بلا قواعد عسكرية ثابتة في المنطقة، وعــلى هــذا الأســاس بــدأت ايران العمــل مــن أجــل دعــم الأسد في ســورية عــلى أمــل أن تجــد لهــا موطــئ قــدم في سوريا يســاعدها عــلى تنفيــذ سياســتها تلــك من خلال وجب سداد الدين والموقف في رقبة الأسد للمنقذ ايران، وللحيلولــة دون أي نفــوذ أو توســع امريكي في المنطقــة. وبســب هــذه السياســة فقــد فرضــت ايران مــن أجــل ترســيخ وجودهــا في هــذه المنطقــة أمــرا واقعــا، حيــث قامــت قيادة الحرس الثوري، ومنــذ عــام 2011 بممارســة امتيــاز حمايــة المقدسات الشيعية وجماهير اتباع المذهب الشيعي في لبنان وسوريا واليمن والبحرين والسعودية لتحويــل الصراع الى شيعي سني، كما حاولــت تصدير التشيع السياسي الى مصر والجزائر وغرب افريقيا والعمــل عــلى تأســيس مراكز نشر ودعوة للمذهب الاثنى عشري من اجل جذب الأفارقة الى التشيع المذهبي الفقه في افريقيا، لكــن ايران لم تلبــث أن تلكأت في كلا المســعيين. ولقــد كان أمــام ايران فرصـة ســانحة لنشر التشيع السياسي في اليمن، كي يكونـوا يــد ضاربة لهــا في المنطقــة، وبخاصـة وأن اليمن كانــت منقسمة على نفسها وغير راضيــة عــن تراجع النفــوذ الخليجي في اليمن وهذا مــا كان ســببا مــن أســباب قيــام ايران بالهرولــة مــن أجــل دعــم الحوثيين لتسابق بــه دعــم الخليج للنفوذ داخل اليمن، وذلــك حتى لا تتفــوق السعودية عــلى ايران في اليمن ، ولقــد رحـب الحوثي دون أي تــردد بالفرصـة المتاحـة للحصـول عـلى الحماية الايرانية. والواقــع أنــه كانــت هنــاك "عقيدة دينية" تحكــم العلاقــات بــين ايران والحوثي، والفكــرة القائلــة بــأن الحوثيين كانــوا في حقيقــة الأمــر "اليمن الشيعي في جنوب الخليج" كانــت هدفا استراتيجيا وضعه الطرفان، حيــث عهــد الحوثي أمــر مستقبلهم السياسي إلى ايران، التــي عــبرت بدورهــا عــن مشــاعر "دينية وحماسية" تجــاه الحوثيين، ليــس مــن أجــل الحوثي نفسه؛ بــل مــن أجــل هدفهــا المنشــود مــن أجــل إيجــاد فرصــة مثاليــة لتطلعاتهــا في المنطقــة.
في ظــل هــذه المتغــيرات كان مــن الطبيعــي أن تقــوم السعودية كدولــة عربية سنية لهــا اهتماماتهــا في المنطقــة بالإجابــة حــول مــا أثــير مــن أســئلة تتعلــق بتصدير التشيع السياسي والفقهي وفقــا لمــا عــرف بتصدير الثورة الإسلامية الايرانية، وذلــك مــن أجــل الحفــاظ عــلى عروبة مناطق غرب الخليج كدول بحكام سنة وكمنطقــة عازلــة أمــام تزايــد قــوة ونفــوذ ايران ومصالحها في العراق وسورية واليمن. لذلــك كان مــن الطبيعــي أن تثــير الأحــداث في ســورية عــام 2011 كلا مــن السعودية وحلفائها في المنطقة، وكان واضحــا تدخــل السياســة الخارجيــة السعودية والاماراتية في ســورية لتعزيــز نفوذهــما الســياسي والاقتصــادي هنــاك، ودعــم حقــوق السنة هنــاك بمــا يخــدم استنزاف إيران وحلفائها، الأمــر الــذي كان مــن نتائجــه المزيــد مــن التدخــل الأمريكي والغربي والعربي في الشــؤون الداخليــة لسورية. ولقــد شــحذت أحــداث صعود تنظيم داعش عــام 2014 همــم الــدول الأوروبيــة التــي تحالفت مع أمريكا والسعودية والامارات لوقــف صعود التطرف في ســورية والعراق، ولكن كانــت ايران أكــثر الــدول تصميــما عــلى تعزيــز نفوذهــا في الأراضي الســورية والعراقية، مــما أثــار التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة التي قــررت إحبــاط ذلــك الأمــر مــن خــلال القيــام بإجــراءات مضــادة وموازيــة، فقــد كانت الإدارة الامريكية لا تثــق البتــة بتوسع إيران في المنطقة.
وكان انتقـال الأحـداث وتطورهـا في العراق بمثابــة نقطــة تحـول عنــد امريكا بشــأن عملية فرض العقوبات الاقتصادية على ايران المفروضة مــن امريكا، حيــث بــدأ الــرأي العــام العربي يضغــط بشــدة تجــاه القيــام بعمــل افقار واستنزاف النفوذ الايراني العسكري، حيث هنــاك عامــلان يؤثــران في موقــف امريكا مــن ذلــك وهــما: 
- أن ترامب يشك في دوافع ايران المعلنة الخاصة بحماية الطائفة الشيعية ومقدساتها.
- وأنه يخشى قيام تحالف ايراني- تركي-قطري الأمر الذي من شأنه أن يعزل حلفاء أمريكا في المنطقة.
لذلــك كان مــن الصعــب جــدا عــلى ترامب أن يثبــت أن الأخبــار عــن الاستفزاز في المنطقة كانــت دقيقــة، لكنــه في الوقــت نفســه كان لا يــزال يــرى بــأن التدخــل العسكري الامريكي غــير ضروري لفرض العقوبات على ايران ومشروعها النووي.
والسؤال هنا عــن ماهيــة الســلام الــذي ســينتج عــن التدخــل العسكري الأمريكي في إنهاء الملف النووي والصاروخي الايراني؟
وهل هــذا الســلام ســيكون عادلا، ويوقــف مذابــح العنف الأهلي، وأنــه ويمكــن فعــل أي شيء مــن أجــل منــع تكــرار ذلــك؟
والوصول إلى وضعية النضوج من أجل التفاوض على اتفاق نووي جديد تحت مضلة ٥+١، في حال الحديث عن "تراجع إيراني حقيقي"، من وجهة نظر ترامب سوف يستغرق وقتا أطول من الوقت المطلوب للوصول إلى التفاوض مع عدو تكون حساباته مبنية على المنفعة الاقتصادية والربح والخسارة فقط. حتى في هذه الحال، لا يكون المسار من دون نهاية، لأنه حتى "التراجع الحقيقي" الذي يتنازل أصحابه بجد، سوف يصل في نهاية المطاف إلى نقطة الانكسار عنده. ولكن، هذا لا يحصل إلا في "مرحلة نفاذ الصبر "، وهي ٌنقطة لا يمكن تقدير وقت حصولها عند طهران وكذلك عند واشنطن، سريعا. وفي كل هذه الحالات، نجد أن الوصول إلى قرار الحرب يحتاج الى دراسة أكثر نضوجا.
حيث العقوبات الاقتصادية لوحدها لا تؤدي إلى التراجع الحقيقي – بل العكس هو الصحيح، حيث الحصار الاقتصادي يزيد من الإصرار ويؤدي إلى مزيد من الاستعداد للتضحية ومواصلة الصبر حتى يغادر ترامب إصراره على تجريد إيران من برنامجها النووي والصاروخي. 
وعلى أساس هذا العناد والإصرار المتبادل، إذا حدثت حرب فأنها سوف تكون الحرب قصيرة الأمد. وإذا افترضنا بأن أيا من الطرفين لن يستطيع هزيمة الآخر بسرعة، فان امريكا لن تحسم المواجهة بسرعة، لأن إلحاق الهزيمة بإيران لن يتحقق إلا في حال حصول تهديد لنظام ولاية الفقيه بالذات وهذا أمر ليس ببسيط على الإطلاق، وكذلك إيران لن تنتصر، لأن مثل هذا الأمر سيعني القضاء على اقتصاد الدولة بصورة نهائية، وهو ما لن تقبله أمريكا بعد تجربة العراق وأفغانستان. وبالتالي، فهي ستواصل الضغوط الاقتصادية والسياسية، والأرجح أن هذا الوضع سيستمر حتى الوصول إلى "التراجع الايراني الحقيقي"؛ وبالتالي القبول بتفاوض واتفاق جديد لإنهاء الحصار. وهذا يشبه " تفاوض تجرع السم" الذي انهى الحرب العراقية الايرانية 1988، بعد ان كانت كل الخيارات مرفوضة في مراحل سابقة. وحسبما تلك التجربة التاريخية، فإن الوصول إلى تفاوض جديد كهذا إنما يحتاج مسارا قاسيا من الحصار الاقتصادي والضربات العسكرية المحدودة، وهو سيطول أكثر فأكثر حتى الوصول الى "التراجع الحقيقي".

البوم الصور