عناوین:

ورشة المنامة واحتلال الخمس نجوم

6/28/2019 3:30:41 PM
1777 مشاهدة
يحيى الكبيسي
+ -

 

طرحت الخطة الأمريكية في ورشة «السلام من أجل الازدهار» التي عقدت في المنامة/ البحرين قبل أيام قليلة، ما سمي بـ «رؤية جديدة للشعب الفلسطيني والشرق الأوسط الكبير»، وحددت هدفها بـ «تمكين الشعب الفلسطيني من بناء مجتمع فلسطيني مزدهر وحيوي»، وتكونت هذه الخطة من ثلاث مبادرات لدعم الركائز الثلاثة للمجتمع الفلسطيني، وهي: الاقتصاد، الشعب، والحكومة. وتصف الخطة نفسها بأنها تفتح فصلا جديدا من التاريخ الفلسطيني لا علاقة له بتاريخ المحن والخسارات السابق! ومن الواضح من خلال قراءة الخطة، وبعيدا عن التزويقات اللفظية والتلاعب بالكلمات، إن هدف هذه الخطة الرئيس هو تكريس الأمر الواقع القائم، المتمثل بالاحتلال، ومحاولة تجميله، من أجل تسويق الموقف العربي الرسمي!

تاريخيا كانت الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول التي صوتت لصالح قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 المتعلق بتقسيم فلسطين، كما صوتت مع القرار 194 الذي تحدث عن عودة اللاجئين وتقرير وضع القدس. ولكنها صوتت في الوقت نفسه ضد القرار رقم 303 الذي كان يتضمن جعل مدينة القدس كيانا منفصلا تحت حكم دولي خاص تقوم بإدارته الأمم المتحدة (صوتت جميع الدول العربية حينها لصالح هذا القرار في حين صوتت إسرائيل ضده)، كما عارضت نقل السفارة الاسرائيلية إلى القدس في العام 1949. وطوال سنوات ما بعد عام 1967، لاسيما بعد الانخراط الأمريكي الواسع في الصراع العربي – الإسرائيلي، كانت ثمة مبادئ عامة حاكمة، ومتفقا عليها دوليا، تتعلق بحل هذا الصراع.

بداية من القرار 242 الذي صدر في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، الذي شكل حجز الزاوية في كل مبادرات السلام اللاحقة. وبرغم الخلاف الشهير حول الفقرة المتعلقة بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها (حسب الصيغة الإنجليزية)، أو من أراض احتلتها (حسب الصيغة الفرنسية للقرار)، في حرب الخامس من حزيران/يونيو، كان يمكن للعودة إلى ديباجة القرار الذي تحدث بشكل صريح عن «التأكيد على عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب» أن تكون المقدمة المنطقية للتعاطي مع هذا الاختلاف بين النصين، وتحسم هذه السفسطة السياسية، ولكن إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية، انفردتا بتقديم تأويلهما الخاص لهذه الفقرة، وبان القرار لا يلزمها بالعودة إلى الحدود السابقة للحرب في ما يتعلق بالأراضي الفلسطينية!

في مبادرة وليم روجرز، وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، التي أطلقت في حزيران/يونيو 1970 وفي المبادرات الأمريكية اللاحقة، وصولا إلى اتفاقيتي كامب ديفيد عام 1978 ووادي عربة عام 1994، بدا واضحا ان ثمة ازدواجية أمريكية صريحة في التعاطي مع القرار 242، فهي تتعامل مع القرار بأنه يعني «الأراضي المحتلة» في ما يتعلق بمصر والأردن، ولكنها تتعاطى مع القرار بأنه يتحدث عن «أراض محتلة» عندما يتعلق الأمر بالأراضي الفلسطينية! ومع هذا لم يصل الامر إلى الاعتراف الصريح بسيادة إسرائيل على أي من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها في حزيران/ يونيو عام 1967.

من الواضح أن ثمة رؤية أمريكية جديدة يتبناها الرئيس ترامب، ويرسمها جاريد كوشنير، تقضي بمقاربة القضية الفلسطينية بوصفها مشكلة اقتصادية بحت.

فالولايات المتحدة لم تستخدم حق الفيتو للاعتراض على القرار 476 الذي أصدره مجلس الأمن في 30 حزيران/يونيو 1980، واكتفت بالامتناع عن التصويت. وقد نص هذا القرار على بطلان الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير طابع مدينة القدس، والأهم أنه عدّ القدس جزءاً من «الأراضي المحتلة عام 1967 « والتي يجب الانسحاب منها.

وبعد إعلان إسرائيل رسميا في 30 تموز/ يوليو 1980 ضم القدس الشرقية بقانون أساسي أصدره الكنيست الإسرائيلي، لم تستخدم الولايات المتحدة حق النقض ضد القرار 478 الصادر في20 آب/ أغسطس 1980، واكتفت بالامتناع عن التصويت، والقرار كان يشير صراحة إلى وضع القدس الشرقية بوصفها أرضا محتلة، وكان يدين في الوقت نفسه القانون الأساسي الذي شرعه الكنيست الإسرائيلي.

في سنوات الرئيس الأمريكي رونالد ريغان الثمانية، وعلى الرغم من انحيازه الصريح لإسرائيل، وموقفه المعلن ضد إقامة الدولة الفلسطينية، إلا أنه لم يعمد إلى انفاذ تصوراته المتعلقة بالقدس الشرقية، حتى مع تأكيده على أن القدس (الموحدة) هي عاصمة إسرائيل، ومع إقرار الكونغرس عام 1984 بضرورة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس.

لكن الموقف الأمريكي بدأ يأخذ مسارا مختلفا في التسعينات، ففي عام 1990 أصدر الكونغرس الأمريكي قرارا بأن القدس هي عاصمة إسرائيل، وأن المدينة يجب أن تظل موحدة، كما حاول كل من مجلس الشيوخ الأمريكي والكونغرس في العام التالي تمرير قرار يلزم الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام حق النقض ضد أي قرار للأمم المتحدة يسمي القدس «أرضا محتلة» ولكن القرار لم يصدر في النهاية! وبين الأعوام 1994 وفي عام 1999 كانت هناك اكثر من رسالة جماعية من أعضاء الكونغرس تحث الإدارة الأمريكية باتجاه عد القدس عاصمة لإسرائيل، والتأكيد على وحدتها وعلى مسألة نقل السفارة الأمريكية اليها، كما أقرت لجنة الشؤون الخارجية في العام 2000 مبلغ 50 مليون دولار لبناء سفارة أمريكية في القدس!

لقد تعاملت الولايات المتحدة، على مستوى الإدارة الأمريكية، مع منظمة التحرير الفلسطينية بطريقة غير مباشرة في مؤتمر مدريد، واعترفت رسميا بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا للشعب الفلسطيني، وذلك بعد التوقيع على إعلان المبادئ بين المنظمة واسرائيل في واشنطن في أيلول/ سبتمبر 1993، والذي تضمن الاتفاق على أن تكون القدس، الى جانب مسائل الحدود واللاجئين والمستوطنات الإسرائيلية، من بين موضوعات مفاوضات الحل الدائم، وكان ثمة تفاؤل مفرط بأن هذه المفاوضات المقرر انهاؤها في العام 1999 يمكن لها أن تنجح! في الوقت نفسه بدأ يتبلور قبول أمريكي بحل الدولتين، من دون وجود تصور نهائي لهذا الحل، تحديداً في ما يتعلق بالأراضي المحتلة ووضع القدس.

في نيسان/ إبريل من العام 2003، طرحت اللجنة الرباعية المكونة من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي، ما سمّي بخارطة الطريق التي تضمنت مراحل ثلاثة، وانتهت هذه اللجنة الى فكرة إقامة «دولة فلسطينية». وكانت العقبة الرئيسية في وجه الخطة هي الحدود النهائية بين الدولتين! ولكن الجميع كان مع فكرة أن يترك للمفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي انهاء هذا الملف المعقد، الذي يتضمن موضع حدود العام 1967، والقدس الشرقية، والمستوطنات، والمسائل المتعلقة بالمياه، خاصة مع طرح فكرة إمكانية «تبادل الاراضي»، أي عدم الالتزام الصارم بحدود العام 1967.

مع إدارة ترامب، يبدو واضحا ان كل هذا التاريخ لم يعد له أي معنى، وان فرض الامر الواقع على الجميع، وليس على الفلسطينيين وحدهم، هو الاستراتيجية الجديدة، بداية من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والحديث عن حل دولتين مفترض وفق ما تقرره علاقات القوى وحدها! وانتهاء بورشة المنامة، وخطة الازدهار المفترضة التي تنقلنا إلى قطيعة أخرى مع هذا التاريخ، فمن الواضح أن ثمة رؤية أمريكية جديدة يتبناها الرئيس ترامب، ويرسمها جاريد كوشنر، تقضي بمقاربة القضية الفلسطينية بوصفها مشكلة اقتصادية بحت، وإذا ما كانت هناك مقاربة سياسية مستقبلاً، فهي لتعزيز وهم المقاربة الاقتصادية! هكذا لم تعد المشكلة تتعلق بالاحتلال، أو باللاجئين، ما دام بالإمكان تحويل اللاجئين إلى أيدٍ عاملة، وما دام بالإمكان تحويل الاحتلال، إلى احتلال خمس نجوم!

البوم الصور