عناوین:

الموقف الأميركي.. فوق الطاولة أم تحتها؟

1/18/2020 2:31:14 PM
4504 مشاهدة
مشرق عباس
+ -

المتغير الأبرز في السياسة الخارجية الأميركية، أحدثه الرئيس دونالد ترامب، الذي وضع الدبلوماسية وتقاليدها وتوافقاتها السرية جانبا، وأمسك هاتفه الخليوي ليدير العلاقات الخارجية للدولة الأقوى في العالم عبر موقع "تويتر"، ولأن هذه الخطوة، على رغم ما تسببه من إرباكات، تكتنف الكثير من الشفافية، لم تعد تفاصيل الكواليس بالأهمية التي كانت عليها سابقا.
لكن مشهد الموقف الأميركي المعلن لا يبدو مكتملا عندما يتعلق الأمر بالعراق، منذ بداية التظاهرات الشعبية في الأول من أكتوبر الماضي عندما بدت المواقف الأميركية الرسمية مترددة حول تعريف التظاهرات وأسبابها وتأثيراتها، ولم يتطور هذا التردد كثيرا، وتم التعبير عنه في الغالب في الكواليس السياسية أكثر من التغريدات، بشكل دعم لحكومة عادل عبد المهدي لحثها على معالجة الأزمة وتقليل فرص انفلاتها نحو الفوضى، رغم كل الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها، وهي تشهر ابتساماتها العريضة بوجه المجتمع الدولي.
يمكن القول إن الموقف الرسمي الأميركي إزاء تفاقم انتهاكات حقوق الإنسان في العراق كان متأخرا وخجولا حتى في قضية استقالة حكومة عبد المهدي، رغم أن تلك الاستقالة بدت حتمية بعد انفلات الأوضاع في النصف الثاني من نوفمبر الماضي، وتحول الموقف الشعبي إلى إدانة جماعية لمقترحات المساومة السياسية التي طرحتها بعثة الأمم المتحدة، وهي البعثة التي بذلت ـ بدعم رسمي أميركي ـ كل الجهود لإيجاد مفاوضين عن المتظاهرين ينقذون الحكومة من مأزقها، وينتجون مشهدا عراقيا يتم تعريفه دوليا بأنه نزاع بين فئتين.
تغير موقف ممثلة الأمين العام في العراق في بداية ديسمبر وتزامن تغير الموقف مع استقالة رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي، وتغير الموقف الأميركي أيضا منذ ذلك الحين، وأصبح فجأة أكثر صراحة في الحديث عن المجازر وعن دور المليشيات في العراق، وعن الدعم الإيراني الصريح لهذه المليشيات.
لكن هذا الموقف لم يرتبط بالعراق مفصليا ولم تكن قضية التظاهرات في صدارة اهتماماته، بل اندرج دائما في صراع عابر للحدود تخوضه إيران في المنطقة وتجاريها الولايات المتحدة فيه، حتى انفجرت الأوضاع في نهاية الشهر نفسه، مع مقتل متعاقد أميركي ثم قصف مقر "كتائب حزب الله" ومن ثم محاصرة السفارة الأميركية ببغداد من قبل المليشيات وحرق بوابتها، قبل أن ينفتح بشكل أكثر خطورة بعملية استهداف زعيم فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس الحشد العراقي أبو مهدي المهندس، وصولا إلى قصف إيران لقاعدة عين الأسد غرب بغداد.
عرفت إيران وأتباعها في العراق التطورات بمجملها باعتبارها تندرج ضمن "مخطط أميركي ـ إسرائيلي ما بأدوات عراقية تقود التظاهرات وتؤثر في خياراتها"، واستجابت الولايات المتحدة لهذا التعريف واعتبرته مكافأة، رغم أنه لم يكن لها يد في التظاهرات، ورغم أن الثابت في الكواليس السياسية هو استمرار دعم واشنطن لحكومة عبد المهدي حتى إعلان استقالته.
أكثر من فهم هذا المشهد الملتبس هو عبد المهدي نفسه، فبادر إلى تشجيع دعوات إخراج القوات الأميركية من العراق، مع أنه كان يتحدث مع الأميركيين بأن حكومته هي الضامن الأساسي لبقاء تلك القوات ضمن مبدأ "سياسة تحت الطاولة" حتى أن الأميركيين أنفسهم الذين تماهوا مع نزعة رئيسهم للحديث المكشوف عبر "تويتر"، استجابوا لهذا المبدأ، وبدأ من ذلك الحين حديث أميركي يمزج بين التهديد الضمني بإقرار عقوبات اقتصادية ضد العراق، وبين التفاوض على إمكانية حل المسألة برمتها عبر ضمان إبقاء الحكومة الحالية، في مقابل حل هذه الأزمة في نطاق تخفيف التوتر مع إيران.
إيران من جهتها، لم تكن راغبة بأكثر من "تهدئة مشرفة" رغم خساراتها الفادحة من الأزمة، والتخلي عن بعض مساحات النفوذ التي اكتسبتها عبر سيطرة المليشيات التابعة لها على قرار الدولة العراقية منذ مجيء الحكومة الحالية يعد حلا مقبولا، يمكن معه الحديث عن استعراضات شكلية لنفوذ المليشيات تتراجع بعدها إلى ما كانت عليه في ظل آخر أيام حكومة حيدر العبادي.
واقع الحال أن هذه التسوية المقترحة في الكواليس خارج مبدأ استراتيجية التغريدات الأميركية وبإهمال التظاهرات ودلالاتها الحاضرة والمستقبلية، لن ترضي طرفين في العراق:
أولهما، أصدقاء إيران وأذرعها في العراق الذين يبرر تطرفهم الحالي بدفاعهم المستميت عن مصالح خاصة كبيرة اكتسبوها من تحالفهم مع إيران وأحيانا بمعزل عن هذا التحالف، حتى باتوا أكثر تشددا من الموقف الإيراني نفسه، وأقل تقبلا للخيارات الوسطية المطروحة لحل أزمة التظاهرات.
أما الطرف الثاني، فهو الحراك الشعبي العراقي الذي دفع حتى الآن أكثر من 24 ألف ضحية بين قتيل وجريح ومعوق، متحملا الاتهامات التي وجهت إليه وحملات الترويع والقمع والقتل والاختطاف التي ما زالت مستمرة ضده من دون توقف، وهو ليس بمعرض المساومة السياسية المحلية أو الدولية على تضحياته.
وبالتأكيد لن يسأل الحراك الشعبي الرئيس الأميركي عن تغريدة تشابه تلك التي حذر فيها إيران من قمع تظاهرات سكانها الأخيرة احتجاجا على حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية، لأنه يعرف تماما، أنه عندما يتعلق الأمر بمعادلة حقوق الإنسان والمصالح فإن ما تحت الطاولة سيستمر تحتها.

البوم الصور