عناوین:

"رهاب" الجيش العراقي!

8/18/2019 9:47:07 AM
1602 مشاهدة
مشرق عباس
+ -

يبدو للوهلة الأولى غريبا ومريبا أن يثار الجدل من جديد في العراق حول "حل الجيش" بعد عقد ونصف من الاتفاق على أن القرار الأميركي بحله عام 2003، أسس لكل الخراب العراقي اللاحق وهو الأسوأ بكل المعاني من بين سلسلة طويلة من الأخطاء الأميركية في العراق.
لكن قرار حل الجيش العراقي في تلك المرحلة لم يكن أميركيا بالكامل، بل خضع كما الكثير من القرارات الأخرى لعمليات تضليل نفذها سياسيون عراقيون بإتقان، قبل أن ينقلبوا لاحقا للتبرؤ من المسؤولية. والدافع حينها كان اعتبار وجود الجيش العراقي خطرا على مشروع "العراق الجديد" وأنه "جيش صدام" و"البعث".
المفارقة أنه رغم إعادة هيكلة الجيش لاحقا واستعادة معظم ضباطه، لكن ذلك لم يكن كافيا للعديد من القيادات "السنية" و"الكردية" حينها التي اعتبرته "جيش المالكي"، فيما دافعت عنه القيادات "الشيعية" حتى عام 2014 عندما انهار أمام تنظيم "داعش" وفقد الكثير من هيبته وإمكاناته، وتعرض لانتقادات كبرى.
أعيدت هيكلة الجيش مرة أخرى، وتم إحداث سلسلة كبيرة من التغييرات في قياداته، ما ساعده على النهوض من نكسة "داعش" واستعادة انضباطه وهيبته ليصل إلى منزلته التقليدية لدى معظم العراقيين مع القضاء على ذلك التنظيم وتحرير المدن التي استباحها.
هذه السيرة المختصرة، تكشف بعض أسباب إطلاق بالون اختبار "حل الجيش" مؤخرا على يد مقربين من "الحشد الشعبي" لتليه سلسلة تداعيات وبيانات ومواقف شغلت الشارع العراقي، والأساس في الانتقادات الجديدة للجيش هو التذكير بنكساته، واتهام ضباطه بالتخابر والولاء للولايات المتحدة، والحديث عن وجود بديل له هو "الحشد الشعبي"، وهو الأمر الذي ردت عليه "هيئة الحشد" نفسها ببيان استنكرت فيه دعوات حل الجيش.

وبالطبع كان "جهاز مكافحة الإرهاب" الذي كانت له صولات مشهودة في الحرب على "داعش" هدفا لاتهامات مشابهة خلال الشهور الأخيرة من الأطراف نفسها التي تعمدت إثارة هذا الجدل في هذا التوقيت تحديدا ضد الجيش.
والأصل، سواء في عام 2003 أو اليوم واحد، فالجيش العراقي رغم أزماته وصيروراته المختلفة وتفتته ودخول العديد من المليشيات إلى صفوفه احتفظ بتقاليده الطبيعية في التنظيم والولاء وأنتج قياداته الجديدة بآليات عسكرية، ولهذا فهو كان مصدر خطر دائم طوال 16 عاما مضت، والقيادات السياسية، حتى تلك التي تحاول الدفاع عن الجيش اليوم، كانت تنام وتصحو على مخاوف من حدوث انقلاب يقوده ضباطه في يوم ما.
رهاب الجيش، وليس نكساته، كان دائما المتحكم في زاوية نظر القوى السياسية العراقية إليه، والرهاب حتى في حال لم يكن واقعيا، يزداد حدة كلما تفجرت الأوضاع في دول الإقليم وكان للجيش حضور فيها، كما في مصر والجزائر والسودان أخيرا.
والطعن بالجيش العراقي مجددا، يحمل بصمات أخرى، تخص استمرار وجود "قيادة العمليات المشتركة" التي تحكمت بشكل دقيق بمجريات الحرب على "داعش" وهي الجهة التي تنسق التحركات العسكرية الأميركية في العراق سواء في مجالات التدريب أو أذونات الطيران والقصف الجوي.
ومعلوم أن ثمة شكاوى واتهامات غامضة وغير مثبتة حتى الآن رسميا، عن احتمال تعرض معسكرات للحشد الشعبي إلى عمليات قصف بطائرات مسيرة أميركية أو إسرائيلية، وسط إعلانات صريحة لبعض القيادات في الحشد الشعبي عن دعم إيران في صراعها الإقليمي والدولي، والاستعداد لمشاركتها مآلات هذا الصراع.
في هذا الجو الغائم، لم تمتلك الحكومة العراقية، المحرجة من الضغوط، أي إجابات صريحة لتبديده، بل إن رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة الذي لم يتدخل في جدل حل الجيش، قرر أن يضفي المزيد من الضبابية عليه، بإصدار توجيهات بعد تفجير في معسكر في جنوب بغداد قبل أيام، تتضمن كالعادة إرضاء كل الأطراف.
فأنصار السيناريو الذي يذهب إلى أن سوء التخزين وقلة خبرة عناصر الحشد واختيارهم مواقع قريبة من المدن الآهلة لتخزين أسلحتهم وصواريخهم، بصرف النظر عن مصدرها وحق الحشد في تخزينها، تم ارضاؤهم بإصدار توجيهات لنقل المعسكرات إلى خارج المدن؛ فيما قرر لإرضاء أصحاب سيناريو تعرض مخازن الحشد إلى قصف جوي أميركي أو إسرائيلي سحب تراخيص الطيران العسكري من قيادة العمليات المشتركة ووضعها بيد القائد العام حصرا.
بعض مما أراد أصحاب "رهاب الجيش" قوله خلال الضجة التي أحدثوها أخيرا، هو: "إن إعادة الاعتبار للجيش كعمود فقري لأمن الدولة، هو خط أحمر لن يسمح بتجاوزه، فإذا أردتم جيشا يجب أن يكون في حدود لا تسمح بإثارة رهابنا".

البوم الصور