عناوین:

في العراق: دولة تقتل المتظاهرين بدم بارد… وفي لبنان: دولة مفجوعة بانتحار مواطنيها!

12/12/2019 8:09:45 PM
10999 مشاهدة
مريم مشتاوي
+ -

لبنان يرفل في خير عميم. تساقطات مطرية غزيرة هي رحمة لهذا الشعب الطيب الكريم، وهي اعتراف من السماء بدولة مضيافة لا تحب لهذا المطر أن يذهب هدراً في قنوات مجاري الصرف الصحي.
هذه الدولة، التي حباها الله بسعة الصدر، حبست هذه الأمطار لتوزعها على البيوت والأزقة والشوارع حتى يتعلم السباحة من لا يعرفها وحتى تتغسل السيارات من غبارها ووسخها، الذي علاها منذ سنوات.
كرم الدولة أنها لم تطلب دفع فاتورة من المواطنين مقابل استلذاذهم بدفء المطر وشطف بيوتهم وبعثرة عفشهم وتطوير مهاراتهم في السباحة وإخراجهم إلى العراء يستظلون بروائح الدولة، التي لم تعد تزكم أنوفهم.
لبنان ليس العراق.. لبنان بلد فيه دولة معطاءة جدا.
في العراق الدولة ليست كريمة، لأنها قتلت أبناء شعبها بالمفضوح.. قتلتهم بالرصاص، وسقت أرضهم بسيول من دم.
لبنان ليس هو العراق. الدولة فيه لا تقتل شعبها كباقي الدول الديكتاتورية، إنما تترك الشعب يقتل نفسه بنفسه. إنها الحرية التي منحتنا إياها دولتنا المصونة. حرية مغادرة الأراضي اللبنانية إلى المهجر أو إنهاء حياتنا على أراضيها. المهم أن تقفل أفواهنا لأننا لم نقدر تعبها وسهرها على راحة المواطنين. هذا مصير كل الشعوب الجاحدة! نستاهل!
داني أبي حيدر، رجل في 39 من عمره يقتل نفسه ببارودة صيد بطلقة واحدة، تاركا خلفه ثلاثة أطفال وزوجة وأما اغتسلت بدمائه. اختلط دمه بدموعها فكانت تشهق وتصرخ وتنتحب على فراقه.
من شاهد هذه الأم على شاشات التلفزيون لن ينسى وجهها وثيابها. أم تلونت بدماء فلذة كبدها. ولن يغيب صوتها وهي تقول:
ابني مات برصاصة عصفورة!
طلقة العصفورة أنهت حياة رجل لم يستطع احتمال الأوضاع المعيشية الصعبة، فقرر إنهاء حياته مع أن الدولة تجتهد ليل نهار في خدمة شعبها والحياة الاقتصادية مزدهرة جداً.
شاب آخر من عكار، من بلدة مجدلا، شمال لبنان، حاول حرق نفسه وانتشر الفيديو على الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي.
كانت النار تأكل جسده فيما يحاول أصدقاؤه إطفاءها.
كيف يصل الشاب إلى هذه الحالة من اليأس ودولته الحنون تحتوي كل أبنائها وتؤمن لهم العمل والسكن والاستشفاء.
لا بد أن شباب اليوم مستهترون وانتهازيون ولا يقدرون جهود دولتهم.
وماذا نقول لفاطمة؟ امرأة تجاوز عمرها 65 سنة، رجلها مكسورة لا تستطيع الحراك. حاولت مرتين حرق نفسها بالبنزين لتستريح من عذابها، ولكن الثوار أطفأوها.
كانت تبكي وتشهق وتضرب على وجهها، فيما مراسل قناة “أم تي في” يحاول تهدئتها.
امرأة لا بيت لها. تنام مشردة في الخيم وفي زوايا الطرقات. حفيدها بعيد عنها. تقول بحرقة: أنا أم الثورة وأختها.
لقد نزلت إلى الساحات قبل أن يثور الشباب اللبناني. وعرفت بيافطتها الكبيرة، التي طالبت من خلالها ببيت صغير يقيها برد الشتاء وذل الشوارع. وبعمل يؤمن لها لقمة نظيفة أو بمساعدة صغيرة تمكنها من حياة كريمة. ولكن لم يسمعها أحد.
وعلى الرغم من كل هذا، لا يمكن أن نلوم دولتنا الخدومة، ربما لم يكن صوت فاطمة عاليا بشكل كاف ليصل إلى قصور المسؤولين. إن الحق كل الحق على صوتها الضعيف!
الأصوات الضعيفة لا تصل القصور العالية، ولكنها تشق طريقها إلى القلوب الرحيمة.
هكذا كتب صاحب محمصة “عبد بيطار” في النبطية على واجهة محله: أخي اللبناني إذا لم يكن لديك المال فلا تستحي وتترك عائلتك بلا أكل.. تفضل، خذ ما تحتاجه من بهارات وقهوة ومخلوطة ومونة بلدية.. فرزقي ورزقك على الله.
مبادرة صاحب المحمصة تضيء شعلة أمل ضعيفة، وتؤكد لنا أن هناك نورا خافتا جدا في النفق الأسود الطويل.
نفق تتطاير منه أسئلة عديدة. ربما لخصها المطران الياس عودة في كلمة ألقاها مؤخرا في ذكرى اغتيال جبران تويني بقوله: كل القيم والأخلاق والفلسفات تدعو إلى المحبة وإلى الاعتراف بالآخر والتحاور وإياه على أساس أن لا أحد يمتلك الحقيقة.
الحاكم موجود لخدمة الرعية وليس لخدمة نفسه وعبادتها.
ماذا بقي من الحق والخدمة والتواضع والشورة والشفافية والعدل والانفتاح والحرية والديمقراطية؟ ماذا بقي منها في بلدنا؟!
أسئلة تبقى مفتوحة على جراح أوطان تنزف من أطرافها كافة.
إن لبناننا هو العراق. وعراقنا هو لبنان. تحاول تقزيمهما يد ناهبة وظالمة وفاسدة واحدة!

البوم الصور