عناوین:

إحذروا فخ الانتخابات المبكرة في العراق

12/9/2019 4:23:13 PM
13887 مشاهدة
صادق الطائي
+ -

تردد في العراق اليوم تعبير (الانتخابات المبكرة) بشكل مفرط، يردده الأكاديمي ورجل الشارع البسيط، السياسي المحترف المنخرط في العملية السياسية، والشاب الصغير في ساحات الاحتجاج، الذي لو سألته عن تفاصيل مطالبته بانتخابات مبكرة، وفهمه لآليات تنفيذ هذا المطلب لن يحضره ما يمكن أن يجيب به، لكن المفارقة تبدو في أن الكل متفق على وجوب أن تتم الانتخابات المبكرة، والأدهى أن الغالبية تضيف إطارا متمثلا بـ(وبأسرع وقت).
لتوضيح خطورة الأمر نبدأ بطرح بعض الأسئلة؛ هل يمكن أن تتم الانتخابات المبكرة وفق قواعد الدستور الدائم المعمول به الآن؟ الكل متأكد من أن الأحزاب الفاسدة هي من يسيطر على الحياة السياسية الآن، فهل يمكن لهذه الأحزاب أن تنتج حلا حقيقيا للأزمة؟ وهل سيسمح للأحزاب الموجودة في العملية السياسية الحالية أن تخوض الانتخابات المبكرة؟ هل سيتم تشكيل مفوضية انتخابات مستقلة بشكل حقيقي؟ وما هي آليات تشكيل هذه المفوضية؟ وما هو الدور المطلوب من الأمم المتحدة لعبه لدعم التحول الديمقراطي في العراق؟ هل سيستطيع شباب الانتفاضة مواجهة نفوذ وثروات وسلطة الدولة العميقة التي امتلكتها أحزاب الفساد طوال عقد ونصف العقد من النهب المنظم؟
الأسئلة كثيرة وقابلة للتوالد، وبعض الأسئلة يحيلنا إلى بدء مأساة الوضع العراقي، عندما أطاح الاجتياح الامريكي نظام صدام الشمولي، وبات البلد يعيش فراغا دستوريا وقانونيا تم ملؤه بإعلان اعتراف الولايات المتحدة بأنها دولة احتلال، نتيجة غياب الغطاء الأممي للعملية العسكرية التي أطاحت النظام القديم. ليتم تعيين إدارة مدنية يرأسها السفير بول بريمر بصلاحيات تشريعية وتنفيذية مطلقة، ونتيجة ضغط ساسة المعارضة لنظام صدام، الذين اتفقوا مع الخارجية الأمريكية في مؤتمر لندن على أن يكون لهم دور في إدارة المرحلة الانتقالية، تم تشكيل مجلس الحكم، وفق صيغة الترويكا العراقية البغيضة، شيعة، سنة، كردا، لتولد الخلطة التي سيطرت على العملية السياسية التي فرخت نظام المحاصصة وتخادم الفساد الذي يخيم على الوضع السياسي العراقي حتى اللحظة الراهنة.
ضغوط أحزاب الاسلام السياسي الشيعي العراقي، التي اتفقت مع الحزبين الكرديين على تقاسم المغانم، أجبرت الإدارة المدنية لبول بريمر على تقصير عمر المرحلة الانتقالية، عبر الاستخدام الجائر لشعار ‏(تقصير عمر الاحتلال)‏ الذي تحول إلى كلمة حق اريد بها باطل، وتم حينها رفض نصائح ممثلية الأمم المتحدة في العراق التي تمثلت بـ "لا تستعجلوا كتابة الدستور" و"العمل على إرساء حياة سياسية سليمة تتسم بالنزاهة والشفافية، حتى إن تطلب ذلك إطالة عمر المرحلة الانتقالية"، لكن الادانات والاتهامات بالخيانة كانت تطال كل من كان يطالب بالتأني وعدم الاستعجال .
الأحزاب التي ادعت تمثيل الشيعة، كانت موجودة وجاهزة وقادمة من مختلف المنافي (أغلبها أحزاب اسلام سياسي يضاف لها المؤتمر العراقي وحركة الوفاق العلمانيتين)، الاحزاب الكردية موجودة كواقع حال، وتحكم كردستان كدولة مستقلة بدونعلان الاستقلال، والكرد يتفاوضون مع شركائهم السياسيين العراقيين وفق قاعدة (لو ألعب لو أخرب الملعب)، بمعنى إما أن تقبلوا بشروط الفيدرالية المفصلة على مقاس الاحزاب الكردية، وإما يعلنون الاستقلال الذي هو واقع حال والذي لم يعلنوه إلا خوفا من الامريكان فقط، لتبقى معضلة تمثيل السنة سياسيا، فالبعث تمت شيطنته ورفضه مبكرا، على الرغم من وجود جناح آخر له هو بعث سوريا، الذي كان حليفا فاعلا لأحزاب المعارضة العراقية، وقد تم سن قانون اجتثاث البعث، ونفذ بحق المنتمين له نظام الحجر أو المنع من العمل السياسي في العراق الجديد، وبقي الحزب الاسلامي (حزب الإخوان المسلمون في العراق) المغترب عن الساحة العراقية منذ أربعين عاما، بالاضافة إلى بعض الشخصيات القبلية أو المشايخ العشائريين في المحافظات السنية، الذين حاولوا خوض اللعبة السياسية عبر الاستثمار في خضم هذه الزوبعة حالكة الظلام، من دون أن يتبينوا طريقا واضحا لهم، إلا عبر دخول الائتلافات المريبة مع كتل الشيعة والكرد ليتم تسويقهم على انهم ممثلون للسنة، فتم اختيار شخصية هامشية منهم لتشغل منصب اول رئيس جمهورية في الحكومة الانتقالية.
الضغط الشيعي كان الأوضح والأعنف، ممثلا بمطالب المرجعية الشيعية في النجف بضرورة الاسراع بكتابة الدستور بأيد عراقية، وتم تشكيل لجنة كتابة الدستور، التي طالها الكثير من الشكوك والرفض والاتهامات، وكتب الدستور بعجالة، وجاء مليئا بالقنابل الموقوتة التي أخذت بالتفجر مع كل خطوة من خطوات العملية السياسية، وساسة أحزاب الفساد لا يجدون أمامهم إلا الهروب نحو الأمام والقفز على الكوارث بتوزيع الاتهامات، ونصب الفخاخ لشركاء العملية السياسية.
مع اندلاع موجة الربيع العربي الأولى في تونس ومصر وبقية الدول التي شملها إعصار التغيير من دول المنطقة، لم يكن العراق استثناء منها، خرجت مظاهرات 2011 في ساحات الاحتجاج إبان حكومة المالكي الثانية، تردد شعار الربيع العربي الاشهر (الشعب يريد إسقاط النظام)، ولأن دول الربيع العربي كانت محكومة بتنين ذي رأس واحد هو الديكتاتور، وحالما تم قطع رأس التنين انتصر الشعب في تونس ومصر وليبيا واليمن، بينما فشل الأمر في سوريا والبحرين، إلا أن الوضع العراقي كان مختلفا، لأن تنين العراق كان متعدد الرؤوس وفق قانون توزع القوة بين شركاء العملية السياسية، وكلما قطع الشعب رأسا من رؤوس التنين نبت له رأس جديد، وباتت إطروحة التغيير عبر صناديق الاقتراع الورقة الاقوى بيد طبقة سياسية فاسدة، ومتخادمة مع بعضها بعضا عبر آليات تقاسم سلطة المحاصصة السياسية والطائفية والقومية.
مع تتابع هبات الاحتجاج العراقية عام 2013، و2015 كانت الصفة الغالبة على الحراك الاحتجاجي، هو المطالبة بتحسين الخدمات والأمن، وتوفير فرص العمل، لكن مع بداية اندلاع انتفاضة تشرين 2019 بدا الامر مختلفا، وبدت مطالب شباب الانتفاضة مختلفة، إذ أكدت على تغيير المنظومة الحاكمة بشكل جذري، والتأكيد على تغيير آليات اللعبة السياسية بشكل جوهري ليعيد التمثيل الحقيقي للشعب في العملية السياسية.
إن خروج دولة من براثن نظام شمولي وسيطرة حكم الحزب الواحد التي استمرت ثلاثة عقود ونصف العقد، كان يجب أن تحظى بمرحلة انتقالية تعمل على معالجة حقيقة للتشافي من تأثيرات الحكم الشمولي السلبية، لكن ما حصل هو سيطرة نظام فاسد أشاع الكراهية ورسخ نمط النهب في المجتمع، وسيطرة أحزاب أثبتت فشلها وفسادها، خدعت الشارع عندما صورت له أن الديمقراطية تعني صناديق الاقتراع التي يستطيعون اللعب عليها والسيطرة على مقدراتها، عبر تخادم الفاسدين في السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وهنا يجب أن ننتبه، واتمنى أن يضع شباب الانتفاضة هذا الامر في حسبانهم، إذ يجب أن لا ينشغلوا بمن سيكون رئيس الحكومة المقبل، الذي ستتفق عليه احزاب السلطة الفاسدة، لأنها في كل الاحوال لن تجلب إلا من تستطيع السيطرة عليه وتنفيذ أجندات فسادها في ظله، لذا أقترح على شباب ساحات الاحتجاج أن تكون الآن المطالبة منصبة على تشكيل حكومة مؤقتة يديرها شخص مستقل، وتكون وظيفتها تهيئة الوضع لسن قانون أحزاب جديد، وقانون انتخابات جديد، ورسم آلية جديدة ضمن اطار إعلان دستوري مؤقت، يضمن عدم الوقوع في فراغ دستوري، وأن لا يكون هنالك أي ضغط لتقصير عمر المرحلة الانتقالية، بل السعي والعمل وفق سيناريو مقارب للسيناريو التونسي، الذي أنتج واقعا سياسيا صحيا، والتجربة الوحيدة التي نجت من مطبات الثورات المضادة والوقوع في فخاخ الفوضى أو عودة الديكتاتورية. أرجوكم إحذروا الوقوع في فخ الانتخابات المبكرة، لأننا سنقع في مطب تدوير الوجوه الفاسدة نفسها.

البوم الصور