عناوین:

التقارب السعودي – العراقي: عودة الأمور إلى طبيعتها

4/30/2019 8:51:39 AM
1858 مشاهدة
حميد الكفائي
+ -

من الطبيعي جدا أن تقوم علاقات وطيدة بين المملكة العربية السعودية والعراق. ولا داعي لشرح الأسباب فهي واضحة، إذ إضافة إلى الجيرة والعلاقات القومية والثقافية بين البلدين، هناك مصالح مشتركة، عدا عن حاجة البلدين إلى بعضهما اقتصاديا وسياسيا وأمنيا.
"الجفاء" الذي شهدته العلاقات العراقية - السعودية ما كان يجب أن يحصل، فهو تسبب بضرر فعلي لهما، علما أن الأسباب التي أدت إليه مفهومة. لكن، هل التقارب الحالي بين البلدين قابل للاستمرار أم أنه ضرورة أملتها ظروف دولية آنية سرعان ما تزول ليعود الفتور في العلاقات مرة أخرى؟
ثمة جدية غير مسبوقة بين الجانبين للتأسيس لعلاقات وطيدة قابلة للتطور بمرور الزمن. وهناك حاجة ماسة لتطوير العلاقات الاقتصادية بينهما بما يعود بالنفع على الشعبين، ولكن هناك معوقات حقيقية يجب ألا يغفلها الجانبان، لأن إغفالها سيعصف، عاجلا أم آجلا، بأي تطور يمكن تحقيقه على الأمد القريب. هناك من يسعى جاهدا إلى تعميق الخلاف المذهبي في العراق بهدف عزل شيعته عن محيطهم العربي، فكلما اتسعت الهوة الطائفية، أصبح الشيعة غرباء في منطقتهم، لا يجدون من يثقون به أو يتعاملون معه، فيضطرون إلى الاتجاه شرقا إلى "المنقذ والحامي من الأخطار المحدقة بهم". وليس خافيا أن هناك جماعات تبدو مدفوعة دفعا لتعمل على تعميق الخلاف الطائفي، وإلى جرّ الشيعة إلى عداوات ومواجهات مع جيرانهم العرب، بينما هم أحوج ما يكونون إلى تجنب تلك العداوات، وإقامة علاقات ودية قائمة على التفاهم وتعميق القواسم الثقافية والمصالح الاقتصادية.
وبغض النظر عن العلاقات الخارجية، يجب ألا ننسى أن تعميق الخلافات الطائفية يزعزع استقرار العراق داخليا، ويتضرر منه الشيعة قبل غيرهم كما رأينا خلال الأعوام الـ15 الماضية.
وفي الجانب الآخر، هناك من "شيطن" الشيعة وكفرهم وتعامل معهم على أنهم مجموعة "صوانية" معادية للسنة، بينما الحقيقة هي أن هناك مدارس شيعية متعددة، منها المعتدل والقريب جدا من مذاهب السنة (وهؤلاء هم الغالبية)، ومنها ما هو بعيد وهامشي.
سيحاول المتطرفون في الجانبين تخريب العلاقة العراقية - السعودية، لكن حكومتي البلدين مدعوتان إلى ضرب كل من يسعى إلى تعريض أمن البلدين واقتصادهما وتماسك شعبيهما للخطر، بيد من حديد. يجب ألا يكون من يرتدي الزي الديني فوق القانون، خصوصا إذا كان يسعى إلى تأجيج الكراهية وإثارة الفتن.
على من يتصدى للوعظ والإرشاد الديني، أن يتحلى بأقصى درجات التسامح والقبول بالرأي الآخر، وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة كما تدعو الآية الكريمة، وليس عبر التنابذ واستفزاز الآخر وإطلاق العنان للسباب والشتائم التي لا يقرها أي دين أو عرف أو أخلاق، ناهيك عما تجلبه من أحقاد وبغضاء وزعزعة للأمن والاستقرار والاقتصاد. يجب أن يلجم كل من يدعو إلى التفرقة ويحض على العداوة والكراهية بين الناس، وكل من يسيء إلى الرموز الدينية للآخر، فهذا خط أحمر يجب ألا يتجاوزه أحد.
يجب أن يترك التاريخ للمؤرخين فقط، وألا يكون حديثا للتسلية والاستئناس بين الناس، كما أن الشؤون الدينية هي أمور فلسفية عميقة، لا يفهمها كليا إلا الدارسون والمختصون فيها. لذلك، يجب أن تكون الثقافة العامة مبنية على المبدأ الذي سنه الحديث الشريف "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وما قاله الإمام علي في وصيته لابنه الحسن "لا تقل ما لا تعلم وأن قل ما تعلم". ويمكن لوزارات الثقافة والإرشاد والشؤون الدينية أن تلعب دورا كبيرا في بث قيم التسامح وتقريب الآراء بين الناس، ويمكن أن تعدل القوانين الحالية لتتعامل بحزم مع مثيري الفتنة الذين لا يدركون أنهم يلعبون بالنار التي تحرق الجميع.
ملت شعوبنا الاقتتال والتناحر، وعليها أن تتعلم العيش بسلام وتعاون وألفة وتسامح، من أجل خدمة الأجيال المقبلة وبناء دول قوية منتجة منسجمة مع بعضها، تتعاون على البر والتقوى وتتصدى للإثم والعدوان، بدلا من الانشغال في خلافات تأريخية لن تنتهي ولا يمكن الاتفاق عليها.
لا يمكن تغيير التأريخ أو مسح القصص التي كتبها الأولون، الصحيحة منها والمختلقة. وثمة خلافات عميقة عصفت بشعوب أخرى، لكنها أدركت بمرور الزمن ألا حل عمليا لمثل هذه الخلافات في الرأي والعقيدة والثقافة، سوى القبول بالآخر ومحاولة فهمه والتعايش معه. وهذه مسألة ليست صعبة حينما يدرك الجميع أن الأديان والمذاهب جميعا، إنما سلكت طرقا مختلفة لتفسير النصوص الدينية، لأنها آمنت بأنها صحيحة ونافعة لأتباعها، ولم يكن في حسابات مؤسسيها أن يؤدي الاختلاف في الرأي إلى عداوات وقطيعة.
بإمكان العراق والسعودية أن يتكاملا اقتصاديا وأن يتعاونا سياسيا وثقافيا ويتقاربا اجتماعيا. علما أن مجالات التعاون كثيرة ووشائج القربى عميقة وممتدة عبر مئات بل آلاف السنين، كما تشابه الديموغرافيا والجغرافيا كفيل ببناء روابط وثيقة دائمة ومتطورة تخدم مصالح البلدين والشعبين، بما يعود على المنطقة والعالم بالخير والأمن والسلام.
السعودية متقدمة في العديد من المجالات خصوصا الصناعية منها، ولدى العراق الكثير من الإمكانات التي يمكن أن تنتفع منها السعودية خصوصا الطاقات البشرية ومجالات الاستثمار الهائلة في مجال الخدمات التي يمكن المال السعودي أن يملأ الفراغ الهائل فيها.
أمام رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي فرصة تاريخية نادرة لتوطيد هذه العلاقات وإزالة معوقات تطورها، فالرجل متوازن طائفيا ومؤثر في الأوساط الدينية الشيعية، وبإمكانه أن يحثّ المراكز والحوزات والجماعات الدينية المختلفة على التوجه لخدمة مصالح العراق عبر الترويج لخطاب متسامح يؤمن بأن الاختلاف بين الناس مسألة طبيعية، وأن اختلاف الأنظمة السياسية لا يمنع الدول من التعاون والتحالف في ما بينها، وأن الوفاق والوئام والتعاون ممكن ويخدم مصالح كل الأطراف. كما يمكن لعبدالمهدي أن يكون حاكما قويا، وأن يشرع على وجه السرعة في تفعيل القوانين التي تخدم مصلحة العراق وتمنع كل ما يثير الفرقة.
لا منصب دائما لأحد، لكن ما يدوم هو العلاقات الوطيدة النافعة التي تؤسس لعراق قوي ومتصالح مع نفسه ومع محيطه العربي ومتفاعل مع العالم.
بإمكان رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي أن يجمع حوله دعاة الوحدة والمصلحة والتسامح، وما أكثرهم. وأن يحشد القوى في اتجاه السلام والوئام والتعاون الاقتصادي من أجل القضاء على الإرهاب وتوفير الخدمات والوظائف والأمن والاستقرار في بلد عانى ما عاناه خلال نصف قرن من الحروب والديكتاتورية والفوضى. لن يكون التعاون العراقي - السعودي على حساب دول أخرى، بل هو مسار طبيعي ومطلوب لتطور البلدين والمنطقة برمتها، بعدما رأينا الأضرار الفادحة الناتجة عن القطيعة بينهما خلال العقود الثلاثة المنصرمة.
هل تأخر التقارب بين البلدين؟ نعم، تأخر كثيرا، لكن هناك ظروفا استثنائية حالت دون حصوله. وبما أن تلك الظروف زالت الآن، أو أزيلت، فإن عصرا جديدا بدأ، يتمنى الجميع أن يستمر ويتطور لأن المنطقة في حاجة ماسة إلى الاستقرار والانصراف كليا إلى ابناء والإعمار. أما الذين يصرون على البغضاء وإثارة الضغائن والفتن، فيجب ألا تتردد حكومتا البلدين في منعهم بقوة القانون من إرباك حياة الغالبية كما فعلوا مرات كثيرة سابقا.
إن ظاهرة التطرف الديني والطائفي يجب أن تنتهي، وهذا ممكن عبر اتخاذ خطوات جريئة مدروسة.

نقلا عن صحيفة "الحياة"

البوم الصور