عناوین:

إيران وجوارها العربي

4/7/2019 10:14:14 AM
2263 مشاهدة
هشام الهاشمي
+ -

أن العلاقات الإيرانية الخليجية سـتبقى على حال مـن التوجس والتوتر ما دامت أيديولوجية ولاية الفقيه تحكم إيران والتي تناقض الإيديولوجيا القومية أو القطرية التي تؤمن بهـا معظـم التيارات العربية، لكن إيران ودول المشرق العربي يحكمها نوع مـن الـترابط الاسـتراتيجي والمصلحي، مما يفرض على إيران جهدا دبلوماسيا منظما، لأجـل ممارسـة دور إقليمـي أكـثر فاعليـة، ومـا يـدفعها نحـو ممارسة مثل هذا الدور طموحها بأن تكون دولة كبيرة على المستوى الإقليمي الذي يتقاطع مع إرثهـا التـاريخي ومجـد الأمة الفارسية، واعتقاد صانع السياسية الخارجية الإيرانية بأن إيران كلما بقيت داخل حدودها وانطوت عـلى نفـسها، زادت الضغوط والأخطار المحدقة بها، والقادمة من المحيط الإقليمي والدولي، إيران لاعب قوي في منطقة الخليج خاصة ونطاقها الإقليمي عامة، كـما أن إيـران لا يمكـن إغفـال دورهـا في أمن واستقرار منطقة الخليج، وهذا يلزم اشتراك إيران في أي ترتيبـات أمنية لمنطقة الخليج وعدم تجاهل دورها في مثل هذه الترتيبات.
تشير نيفين مسعد إلى أن إيران تشتبك ديمغرافيا مع الوطن العربي عـلى ثلاثة محاور أساسية هي: محور العرب، ومحور الأكراد، ومحور الشيعة، مع إمكانية التداخل بين أكثر مـن محـور، كـأن تجمع إحدى الجماعات مثلا بين التشيع والعروبة. ويقطن العرب جنوب غـرب إيـران ويتركـزون في محافظـة خوزسـتان "عربستان"، وهم كثيرو النزوح من موطنهم إلى أماكن أخرى سواء داخل إيران أو خارجها ,وبالذات إلى السواحل العربيـة للخلـيج (بحثـا عـن فرصـة عمـل أو تهربـا مـن أداء الخدمة العسكرية) الأمر الذي يضفي صعوبة إضافية على تحديد عددهم بدقة طالما يـصعب تحديـد حجـم التغـيرات التي تطرأ على التركيبة السكانية الجنوبية بفعل هـذه الهجـرات .وهنـاك قائمـة طويلـة مـن الأسـباب تفـسر الحـساسية الشديدة للحكومات الإيرانية المتعاقبة تجاه الأقلية العربية .ففـي خوزسـتان (عربـستان) أكـبر حقـوق الـنفط الإيرانيـة، وأضخم مصافي تكرير نفطها، وأوسع موانئها (خورامشهر)، وبعض أهم مـدنها (مثـل عبـدان، والأهـواز، وبنـدر شـهبور)، وأكبر نسبة من العاملين في مجال النفط، وأهم من كل ذلك تواصل الأقلية العربية مـع دول الجـوار الخليجيـة .(انظر: مسعد، نيفين، ١٩٩٤، أمن الخليج العـربي دراسـة في الإدراك والـسياسات، تحريـر د. عبـدالمنعم المـشاط، القاهرة، دار أنجلو مصري، ص٢٢.)
عملية صنع القرار في إيران معقدة ومتداخلة بين فكر اية الله خمينـي والدسـتور الإيـراني، ويعد مجيء الخميني نقطة تحول في العلاقات الإيرانية – الخليجية، وذلك نتيجة ايدولوجية النظام الجديد الذي ترأسه، وحيث أصبح الفكر الخميني مسيطرا على الدوائر والمؤسسات التي تصنع القرار في إيران بصورة مباشرة وغير مباشرة. هذا الفكر المتأثرة بفكرة أسلمة الدولة الإيرانية على خط الفكر الشيعي، يعد تحولا تاريخيا دفع بدول الخليج ان تأخذ بعدا آخر في التعامل يجنح إلى التوجس مـن الـسلوك الـسياسي الإيـراني، وإن المكون الشيعي في الدول العربية الخليجية زاد من تعاطفه مع التوجه الإيراني الرسمي القـائم عـلى تـصدير الثـورة (انظر: سلامة، غسان، ١٩٨٠، السياسة الخارجية السعودية منذ عام 1945: دراسة في العلاقات الدولية، بـيروت: معهد الإنماء العربي، ص٧٨).
لضعف علاقات إيران مع دول الخليج العربية دور بارز في زيادة المخاوف حول استقرار المنطقة، ولم يتم الإجابة عن تساؤل طيلة العقود الثلاثة الماضية؛ عن ماهية الإجراءات – الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يحتمل أن تساهم في استمرار السلام والرفاه في الخليج.؟
تسعى إيران الى تخفيف تـأثير البعـد الأيديولوجي في السياسة الخارجية، إلى جانب الاتجـاه العـام المحتمـل لعلاقـات إيـران في المنطقـة عـلى المـدى القريب. وأصبحت إيران واقعية في تغيير صورتها بحيث لا توصم بأنها دولـة معاديـة بـشكل مطلـق، أو بأنهـا مجـرد ضـحية لقـوى خارجيـة تعـارض قيـام الثـورة الإسلامية، والتوجه الصحيح هو ضرورة التقرب والتحاور العربي مع إيران وعدم إظهار أي نوع من التوجهات العدائية نحوها ويترك العداء للدول الكبرى (انظر: السبكي، امال، ١٩٩٩، تاريخ إيران السياسي بين بؤرتين، سلسلة عالم المعرفة، العدد٢٥٠، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون الادب).
إيـران تـسعى للوصـول بقـدراتها العـسكرية الى مرحلـة متقدمة، وأن دول الخليج عدت الخلاف على تطور السلاح النووي الإيراني، قـضية خـلاف بـين إيـران والقـوى الكـبرى، واعتمدت على إدراك هذه القوى الكبرى لمصالحها الاستراتيجية في الخليج وأنها ستقوم بالتصدي لأطماع إيران النوويـة، دول الخليج اكدت على ضرورة إبقاء أمر امتلاك إيران للسلاح النووي قـضية للـدول الكـبرى وعـدم الانغماس في هذا الأمر.
ووسط المعطيات المختلفة تدرك طهران أمرين يرتبطان ببعضها البعض أولهما، أن واشنطن وتل ابيب جادة في توجيه ضربة عسكرية لإيران سواء في المدى القريب أو البعيد.
ثانيها: إمكانية منع الإدارة الأمريكية من القيام بمثل هذا المخطط مـن خلال سياسة "الردع الذاتي "أو "المواجهة الوقائية"، وتقتضي خلق معطيات على الأرض تجبر الخصم في شكل تلقـائي عـلى التراجع عن ضرب إيران ويتجلى هذا الواقع في جملة معطيات أهمها ما يلي:
- العمل على إقامة حزام أمنـي شـيعي حـول إيـران في مواجهـة التهديـدات المـستمرة مـن جانـب الولايـات المتحـدة الأمريكية لها.
-الاستمرار في تقوية البنية الدفاعية العسكرية، لكن مع ابتعاد القادة العـسكريين عـن إطـلاق أي تـصريحات تحمـل طابع التهديد، والتأكيد دائما على استعداد طهران للتعاون مع دول المنطقة لتحقيق الأمن والاستقرار دون تدخل أجنبي.
– العمل على تقلـيص حـدة الخلافـات الداخليـة بـين المحـافظين والإصـلاحيين، وقيـام وفـاق وطنـي حقيقـي في وجـه التهديدات الأمريكية.
– تركيز طهران على علاقاتها الإقليمية والتخفيف من حدة الخلافات الموجودة مـع بعـض جيرانهـا والعمـل عـلى فـتح صفحة جديدة، كما هو الحال مع تركيا وأذربيجان وأفغانستان وقطر وسلطنة عمان والكويت (حلفاء الولايات المتحدة).
– تقوية مجالات التعاون مع القوى الدولية الفاعلة التي تتعارض سياستها مع الولايـات المتحـدة مثـل الـصين والهنـد وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا، واستمرار التعاون النووي مع روسيا.
– تعزيز العلاقة مع حلفاء واشـنطن الرئيـسين كالاتحـاد الأوروبي واليابان والسعي إلى إلقـاء الكـرة دائمـا في الملعـب الأمريكي غداة ظهور أي مساع للوساطة يقوم بها الطرف الأوروبي أو الياباني.
ولقـد أدى سـقوط النظام العراقي عام ٢٠٠٣ إلى حالة من الفراغ السياسي لا تزال الساحة السياسية في العراق تعاني من تداعياته، وكان طبيعيـا أن يؤدي مثل هذا الوضع إلى إثارة المخاوف لدى إيران من ان يؤثر هـذا الفـراغ عـلى اوضـاعها الداخليـة، وبـدا أن عـلى إيران مواجهة عدة احتمالات نتيجة لهذا الفراغ؛
اولا: ان يصل إلى الحكم في العراق حكومة مستقرة ولكنها موالية للأمريكيين، ومعادية لإيـران، مـما قـد يـشكل خطـرا حقيقيا على الدولة الإيرانية، ذلك ان احتمالات استخدامها كقاعدة انطلاق لتهديد إيـران يظـل خيـارا قائمـا، خـصوصا في ظل الميراث العدائي بين طهران وواشنطن، ويصبح العمل على عدم ظهور مثل هذه الحكومة امرا حيويا لاسـتمرار وبقـاء النظام الإيراني. ثانيا: ان يفشل العراق في ايجاد حكومة مركزية قوية تمنع حالة الفوضى والاضـطراب والانتقـال إلى الحـدود مـع إيـران، فضلا عن احتمالات حدوث انفصال لاحد الاقاليم الكردية في إيران، وتشجعهم على السعي إلى تحسين اوضاعهم في إيران او طلب الانضمام للدولة الكردية الجديدة. ثالثا: وجود حكومة عراقية مستقرة ومركزية ذات طبيعـة علمانيـة، تناصـب إيـران العـداء، وتحـاول مجابهـة الطـابع الديني للدولة الإيرانية، بحيث تقترب في التعاطي مع طهران من اسلوب النظام السابق (انظر: العلوجي، عبد الكريم ،2007، إيران والعراق: صراع حدود ام وجود. القاهرة، الدار الثقافية، ص130-131).

البوم الصور