عناوین:

البكاء على الجنرال… ما يحدث في العراق فقط

10/7/2019 8:29:04 PM
11332 مشاهدة
صادق الطائي
+ -

عندما تقرأ الخبر تعرف إن ذلك يحدث في العراق فقط؛ احتجت قبيلة السواعد على قرار القائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي، بإبعاد الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي عن قيادة قوات جهاز مكافحة الإرهاب‏، وخرج العشرات من أبناء القبيلة في وقفة احتجاجية، رفضا لقرار رئيس الوزراء.
بينما جمع الآلاف من أبناء الموصل كلفة إقامة نصب تذكاري في مدينتهم للجنرال الذي قاد معارك تحرير المدينة من سيطرة «داعش»، وكان النصب قد اكتمل وبانتظار افتتاحه، لكن الأهالي صحو من نومهم يوم 30 سبتمبر فوجدوا آليات الحكومة قد أزالت النصب من مكانه على أثر الازمة التي أثارها نقل الجنرال من مكان خدمته الى وظيفة إدارية في مقر وزارة الدفاع.
أزمة الجنرال أخذت تداعياتها كل مدى، وعلى الطريقة العراقية، انقسم الشارع الحقيقي والافتراضي الى جيشين، يشتم كل منهما الآخر ويخون ويتهم كل منهما الآخر ويصفه بالعمالة إلى جهة ما… هذا ما يحدث في العراق فقط.
برز اسم الجنرال الساعدي بعد 2014 في معارك استعادة الجيش العراقي للأراضي التي سيطر عليها تنظيم الدولة «داعش»، إذ شارك في تحرير كل المدن شمال وغرب العراق، وأثبت انه ضابط شجاع يتقدم الصفوف حتى قبل جنوده في بعض المعارك، كما إنه ضابط محترف بعيد عن الروح الطائفية، فعلى الرغم من تحدر الساعدي من الطائفة الشيعية، إلا إن أهالي المدن السنية كانوا يحترمونه ويحسون بالامان عندما يقود تشكيلات عسكرية تقتحم مدنهم وتستعيدها من الإرهابيين.
مع ذيوع نجم الجنرال عبد الفتاح السيسي، إثر انقلابه على حكم الرئيس محمد مرسي في مصر عام 2013، ومن ثم ازاحة تنظيم الإخوان عن سدة الحكم والبرلمان، وسيطرة نظام السيسي العسكري على كل مفاصل الدولة المصرية، سرى في الشارع العراقي نفس يطالب بظهور جنرال مقتدر على إزاحة أحزاب الاسلام السياسي، وما خلفته من فساد وتردي الأحوال الأمنية والخدمية، وكانت الانظار تتجه إلى قوات النخبة، وعلى رأسها جهاز مكافحة الإرهاب وجنرالاته، والبحث بينهم عما بات يوصف بـ»سيسي العراق».
اتهم أو أشيع عن بعض الجنرالات الشيعة في جهاز مكافحة الارهاب انخراطهم في التهيئة لانقلاب مدعوم أمريكيا، ودار الحديث عن بعضهم مثل الجنرال طالب شغاتي، ‏أو الجنرال عبد الغني الأسدي، أو الجنرال عبد الوهاب الساعدي، لكن كل ذلك كان أشبه ببالونات اختبار للكشف عما يعتمل في الواقع العراق المتأزم، لأن الواقع على الأرض ينبئنا بأن أي جنرال لن يستطيع ‏أن يقدم على مثل هذه الخطوة الخطيرة، في ظل توزع القوة بين عدة بؤر عسكرية هي؛ الجيش العراقي الرسمي، وقوات النخبة ومنها، قوات سوات وقوات مكافحة الإرهاب، والحشد الشعبي الشيعي، والحشد العشائري السني، والجيش الكردستاني المقسوم الى بيشمركة الاتحاد، وبيشمركة الديمقراطي. فمع كل هذا التوزع للقوة وعدم مركزيتها، وتوزع النفوذ بين مختلف القوى الإقليمية والدولية، كيف يمكن لأي جنرال أن ينجح في قيادة انقلاب من انقلابات الأيام الخوالي، ليذيع بيان رقم واحد، ويبدأ صفحة جديدة من الحكم؟ إنه ضرب من الخيال، لكن هذا ما يحدث في العراق.
الأزمة الأخيرة أثارها قرار اتخذه القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، الذي أمر بنقل الفريق عبد الوهاب الساعدي من قيادة قوات مكافحة الإرهاب إلى أمرة وزارة الدفاع، فما كان من الساعدي إلا ان رفض الأمر وطلب من رئيس الوزراء إحالته على التقاعد، بدل إذلاله ونقله لوظيفة إدارية تافهة في وزارة الدفاع. والمشكلة إن إصدار الامر ورفضه لم يحدث في غرف مقفلة، أو في قاعات تداول الأمور الحكومية الرسمية، بل انتقل الى صفحات التواصل الاجتماعي وشاشات الفضائيات ليشعل الحرب بين الاطراف المتصارعة. ولفهم موقف الشارع العراقي من الجنرال الساعدي، أقتبس ما كتبه المحلل العراقي حارث حسن في مقال حاذق فكك فيه الوضع الشائك، إذ كتب؛ «الساعدي، رجل الميدان الذي يقود أصعب المعارك العسكرية بنفسه، ينام على الأرض بصدر عار، «البطل» الذي يشبه الناس العاديين، لكنه يمتلك قدرات «أسطورية»، الشخص الذي يصورونه كنقي، زاهد، لم يعد من منفى بعيد، بل كان على الدوام وسط شعبه، الشيعي الذي لم يعرف الطائفية، الذي يحبه السنة ليس فقط لدوره المفترض في تخليصهم من «داعش»، بل أيضا لأنه لم يعاملهم كآخر، بل كعراقيين وحسب. أسطورة الساعدي هي أسطورة «المنقذ» المنتظر، الفارس الذي سيأتي لينتقم من الفاسدين والطائفيين واللصوص. المخيال الشعبي حول الساعدي الى المنقذ، وهو تعبير عن الحاجة لهذا المنقذ بعد ان استعصى التغيير، وتراجع رصيد آخرين طرحوا أنفسهم كمنقذين. هنالك الكثير من الوهم هنا حول الساعدي وشخصيته وإمكانياته، لكنه وهم يحتاج إليه الناس في بحثهم عن الخلاص وتشبثهم بالمخلص».
لكن من جانب آخر، يجب القول إن الجنرال الساعدي هو من نقل الصراع من الدوائر العسكرية المغلقة إلى فضاء الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إذ صرح في أحاديث صحافية ولقاءات تلفزيونية بالقول: «إن الانباء ‏عن إحالته إلى إمرة وزارة الدفاع، صحيحة»، مبينا أنه «لا يعرف سبب صدور هذا القرار من قبل ‏القائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي»، وأضاف ، إنه: «اتصل برئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة واستفهم عن سبب القرار»، ‏مشيرا إلى أنه قال لعبد المهدي نصا: «عندك شي وياية؟‎» أي هل لديك ملاحظات على أدائي؟ وأوضح الساعدي، أن «عبد المهدي رد بالنفي، وقال له أنت ضابط كفوء وجيد وأن ما حدث مجرد ‏تدوير». عندها يبدأ هجوم الجنرال الساعدي على قائده العام بقوله في تصريحات رسمية أيضا: «هل هذا جزاء خدمتي الجيدة ‏إذن؟». كما عد أمر نقله؛»عقوبة وإساءة وإهانة لي، ولرتبتي العسكرية»، وشدد القول؛ أنا «لم أجلب رتبتي من الشارع، وجميع الضباط في قيادة القوات الأمنية الآن، تدربوا على ‏يدي في كلية الأركان‎»، وأضاف: إن «القائد العام للقوات المسلحة له كامل الصلاحيات بإصدار الأوامر العسكرية، لكن ‏كان يمكن له أن يحيلني على التقاعد، وكنت نفذت الأمر فورا»، موضحاً إن؛»حقيبة وزارة الدفاع كانت ‏قد عرضت عليه من رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، لكنه رفضها، بقوله؛ «لا تزال المعارك ‏مستمرة ضد تنظيم داعش».
المنتقدون لسلوك الجنرال الساعدي من جانبهم رأوا إن سلوكه الاخير وتصريحاته الاعلامية لم تكن مهنية، ولم تكن متسقة مع مفردات الضبط العسكري، ووجهوا له اللوم بقولهم، إذا كنت تريد ان تخدم العراق حقا، وأن تمارس دورك بفعالية، لماذا رفضت منصب وزير الدفاع؟ كان بإمكانك ان تقدم جهودك من خلال وجودك في منصب وزير الدفاع وتكمل ما بدأته في معارك التحرير؟ كما أنك كجنرال محترف كيف تعصي أوامر قائدك الاعلى للقوات المسلحة، ألا تعلم أن ذلك يمثل عصيانا للاوامر العسكرية ويستوجب العقوبة؟
من جانبه، صعد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي من حدة انتقاداته لما جرى، إذ صرح في بيان صحافي قال فيه؛ «لا تراجع عن نقل الفريق عبد الوهاب الساعدي. هو قد أخطأ بنقل ‏ملفه إلى الإعلام»، مضيفا إن «ضابطا يرتاد السفارات، هذا أمر غير مقبول، وغير ممكن، ولا يمكن ‏ترك المؤسسة العسكرية لأهواء شخصية، الضابط لا يختار موقعه إنما يؤمر فينفذ، أما الذهاب إلى ‏الاعلام ووسائل التواصل فهو خطأ كبير وغير مقبول‎».‎ بعض الاصوات نحت باللوم على الجنرال الساعدي الذي باتوا يطلقون عليه توصيف (رومل العراق)، إذ ذكروه بأن الوقت قد حان لان يخلع بدلته العسكرية بعد كل ما حققه من إنجازات، وأن يرتدي البدلة المدنية، ويدخل المعترك السياسي وهو مكلل بغار الانتصارات السابقة، عندها سيجد الملايين من العراقيين يلتفون حول مشروعه السياسي، الذي سيطرحه. لكن بعض المشككين والحريصين على سمعة الرجل الذي يعدونه أحد أبطال القضاء على الارهاب، طالبوا الرجل بالابتعاد عن قذارة ورثاثة وضع المؤسسة الحكومية، والاكتفاء بحب الشارع الذي يكنه له، لأن أي اقتراب من مؤسسات الحكومة او البرلمان سيؤدي الى تلوث حتى الشرفاء الذين يرومون الاصلاح. فما الحل إذن؛ خرج الآلاف من الشباب العراقي الباحث عن مخرج للازمة الى الشارع، رفع بعضهم صور الجنرال الساعدي باعتباره رمز تخليصهم من فساد الحكومة والبرلمان، وطالبوه بان يشكل حكومة إنقاذ انتقالية، فوجهت قوات مكافحة الشغب نيرانها الى صدور الشباب العزل، فهل سنرى تغيرا في المشهد العراقي بتأثير الجنرال؟

البوم الصور