عناوین:

العراق: الكل يتساءل، ولا أحد يجيب!

8/20/2019 5:03:46 PM
1693 مشاهدة
اياد العنبر
+ -

"هل هناك أفق؟ هل هناك نور؟ هل هناك سقف زمني؟ حتى تحل مشاكلنا أو لا؟! لماذا دائما نحن متعبون؟ لماذا دائما نحن نعاني؟ يعني أما آن الأوان لنا كشعب أن نرتاح وأن تلبى أبسط الحقوق الطبيعية لحياتنا اليومية؟ إلى متى سنستمر بالركض؟ إلى متى، نحن نأمل اليوم وغدا، حتى شاب فينا الناس وماتت، والرضيع بدأ يشيب ولا زالت مشاكلنا لا تحل! أين المشكلة؟! حقيقة هذا سؤال نقف عاجزين عن الإجابة عليه! لكن لا بد أن نتكلم".. هذه الكلمات جاءت على لسان السيد أحمد الصافي ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف، ذكرها في خطبة الجمعة في التاسع من أغسطس.
طبيعة هذه التساؤلات ومضمونها ليست بجديدة، ولا حتى نقد المرجعية الدينية لتردي الواقع السياسي والاقتصادي. ولكن المفارقة تكمن في، ما يمكن اعتباره تحول خطاب المرجعية من التوجيه والنصح والإرشاد، إلى التشكي والتذمر. وبذلك نكون أمام خطاب يتماهى مع حالة التذمر والسخط الشعبي على سوء الأداء السياسي وعجز النظام السياسي عن توفير أبسط متطلبات الحياة الكريمة للمواطن.
بطيعة الحال هذه الأسئلة وحالات التذمر، باتت تواجه مشكلة التكرار بطريقة مملة جدا! بيد أن السؤال الذي يطرح الآن هو لماذا بهذا التوقيت؟ إذ تزامن مع إعلان التقرير الحكومي نصف السنوي عن إنجاز 79% من برنامج حكومة عادل عبد المهدي. والذي قابله تشيكك بمصداقية نسبة الإنجاز تلك، من قبل لجنة التخطيط ومراقبة البرنامج الحكومي البرلمانية، وما أعلنته كتلة الحكمة المعارضة.
إذا، الموضوع الأكثر أهمية هو البحث في فرضيات توقيت التساؤلات التي طرحها ممثل المرجعية. فالكثير من المتابعين يعرفون جيدا بأن اختيار عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء لم يكن نتيجة لتوافق سياسي بين الكتلتين الكبيرتين داخل البرلمان (سائرون والفتح) فحسب، وإنما كان هناك دعم لترشيحه من داخل أوساط مقربة من مرجعية السيد السيستاني، فضلا عن تأييد خارجي، لا سيما من إيران.
وعليه، فالفرضية الأولى تذهب إلى القول بأن المرجعية تستشعر حالة التذمر الشعبي من انعدام المنجز الحكومي على المستوى الخدمي، والذي قيمه تقرير اللجنة البرلماني بصفر في المئة (0%)، ورسائل المرجعية دائما تقرأ بأنها مع المطالب الشعبية وليس مع تبرير سوء أداء الحكومة.
والفرضية الثانية، ترى أن الرسالة موجهة إلى جميع الطبقة السياسية من دون استثناء، وليس حكومة لم يتجاوز عمرها السنة الواحدة. فهذه الطبقة لا تزال تفكر بتوسيع دائرة مصالحها، على حساب تقديم مصلحة المواطن، على الرغم من أنها عدت حكومة السيد عبد المهدي الفرصة الأخيرة لتصحيح الأخطاء. لكن لم يتغير شيء على أرض الواقع، الفساد لا يزال مستشريا في جميع مفاصل الدولة من دون معالجة حقيقة، والمشكلة الأكثر تعقيدا انعدام الثقة بهذه الطبقة السياسية لجهة قدرتها على توفير الحلول الناجعة لأزمات البلاد.
أما الفرضية الثالثة، فيمكن قراءتها في التساؤل الذي طرح في خطبة الجمعة بقولها: "البلاد تتجاذبها رياح يمين وشمال ونحن نتفرج إلى أين ومتى يأتي الفرج، لماذا هذه الحالة عندنا في العراق؟!"
فالحكومة الحالية، وبدلا من الانشغال بمصلحة الوطن والمواطن وأن تكون أولوياتها مصلحة العراق، باتت محل شد وجذب بين أميركا وإيران. وفي الوقت الذي كانت رغبة المرجعية وبعض القيادات السياسية في إخراج رئاسة الوزراء من الأسماء والأحزاب التي هيمنت عليها طوال السنوات الماضية، عبر ترشيح شخصية "مستقلة" على أمل إبعاد مصادر التأثير الخارجية على القرار السياسي العراقي. بيد أن تطورات الأحداث تؤشر إلى زيادة نفوذ إيران، في وقت كانت المخاوف من هيمنة أميركية في حال بقاء حيدر العبادي رئيسا لولاية ثانية.
موقف المرجعية وتساؤلها الناقد لسوء الإدارة والفساد، كان فرصة لعودة المطالبات بتدخلها لإحداث تغييرات بالمشهد السياسي! وعلى الرغم من أنها باتت القوة الوحيدة التي تمتلك القدرة على إحداث تغيير جوهري في العملية السياسية، لا سيما بعد انحسار حركات الاحتجاج والتظاهرات وعجرها عن إحداث أي تغيير، إلا أن الكثير من العوامل الموضوعية تستبعد سيناريو تدخل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بطريق مشابه لمواقف سابقة في فتوى الانتخابات وكتابة الدستور، وفتوى الجهاد الكفائي.
فمرجعية السيد السيستاني تؤمن بـ"الولاية في الأمور العامة" التي يعتقد السيد السيستاني أنها تتدخل فقط للحفاظ على النظام العام ومنعِ الفوضى. ومن ثم فهي تختلف عن "الولاية العامة المطلقة"، ونموذجها القائم في إيران والتي تتدخل في جميعِ تفصيلات إدارة الشأن العام. فضلا عن ذلك، لا يمكن للمرجعية المراهنة على تغيير سياسي شامل لا يكون عبر الآلية الانتخابات، والمفارقة المعقدة هنا هي أن الطبقة السياسية أصبحت أكثر احترافية في التحايل على قوانين الانتخابات، من خلال تشريع قوانين انتخابية وظيفتها الرئيسية ضمان ترسيخ بقاء هذه الطبقة في الحكم، وليس تنظيم المشاركة السياسية، ناهيك عن هيمنها المؤسسات التي تدير العملية الانتخابية.
إذا، المراهنة على تغيير الشخوص في تولي منصب رئيس الوزراء، الذي راهن عليه كثيرون ـ ومن ضمنهم كاتب المقال ـ هو رهان خاسر. فمنظومة العمل السياسي التي رسختها الشخصيات والأحزاب والقوى السياسية ساهمت بالانقضاض على العمل المؤسساتي للدولة، ورسخت بدلها بيروقراطيات حزبية وشخصية مهيمنة على النظام السياسي منذ خمس عشر عاما. بيد أن خطاب التشاؤم والنكوص والتشكي والتذمر لا يمكنه أن يصحح الأخطاء، والإجابة على التساؤلات التي تبحث عن نهاية لمعاناة العراقيين، تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء التي تشترك فيها الطبقة السياسية بأجمعها ويتقاسم معها المسؤولية من منحهم الشرعية.
ورسم خارطة طريق للإصلاح، ليس بالمهمة المستحيلة في تجارب الأمم الناجحة في تجاوز الأزمات وإعادة بناء الدولة. لكونها اعتمدت أولا على ضرورة توفر الإرادة السياسية الجادة للإصلاح وليس رفعه كشعار. وثانيا، على القيادة السياسية التي تملك مشروع حقيقي لإدارة الدولة، وليس هدفها الرئيسي تحقيق رغبة شخصية في الحصول على المنصب السياسي وتتحول إلى أداة لتنفيذ إرادات خارجية وداخلية. وأخيرا القدرة على تغيير المنظومة التشريعية بمنطق تقييم مخرجاتها السابقة التي لم تنتج غير النظام السياسي عاجز عن القيام بوظائفه الرئيسة، وزيادة الفجوة بين المجتمع ونظام الحكم.
لكن يبقى ما تقدم مجموعة من التنظيرات لا يمكنها أن تنهي معاناة العراقيين ما دامت النخب السياسية الحاكمة لا تملك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، ولا تريد كسب ثقة المواطن.

البوم الصور