عناوین:

قبل التوقف.. هل حققت تظاهرات تشرين أهدافها ؟

11/7/2019 9:47:02 AM
8620 مشاهدة
هشام الهاشمي
+ -

يؤرخ تشرين الأول 2019 لولادة وعي شعبي وطني مع تعدد منابته المختلفة باختلاف ثقافاته ومرجعياته الدينية وقومياته، لحظة تأريخية نجحت في مناقلة الولاء من الهوية الفرعية إلى الهوية الوطنية.
قدمت تظاهرات تشرين الأول مثالا عفويا للأداء السياسي النقي خلال خمسة أسابيع، فكل الخطابات والأغنيات والأناشيد كانت مهتمة في تهدئة الصف العراقي الداخلي وناشطة في الحفاظ على تماسكه.
في ساحات التحرير والحبوبي وثورة العشرين ومناطق مختلف من محافظات الوسط والجنوب.. لمست تحولات في مستويات الخطاب الواعي، التعبئة والحماسة، طمأنة شرائح المجتمع بالإصرار على سلمية التظاهرات، النقد البناء لبرامج الحكومة وسلوك النظام والدعوة الى مراجعات وتراجعات دستورية، ولا تخلو تلك الخطابات من صياغات فنية وأدبية مارست الحرب النفسية تجاه الفاسدين.
على المستوى الاعلامي كانت المراصد الحقوقية والإعلامية المساندة والمتعاطفة مع التظاهرات ملتزمة بالنزاهة ودقة المعلومة وتجنب تلفيق الحوادث، حتى أصبحت بعض المراصد نافذة تظاهرات تشرين على العالم الخارجي.
في جميع التظاهرات التي عاشها العراق بعد 2011، هناك استفهام تلقائي: لمن كان رجحان كفة الميزان؟ 
بعد كل تظاهرة يعمد الفريق الاستشاري والإعلامي السياسي والحكومي القريب من رئيس الوزراء، إلى شحذ كل أدوات وقرائن الاستدلال على ترجيح كفة حذاقة وانضباط رئيس الوزراء في التعامل مع الأزمة ويأتون بالوعود والقرارات والتشريعات من اجل دعم هذا الترجيح.
وهذا شئ متكرر ويكاد تكون أدواته ثابتة في اهم 7 احتجاجات واعتصامات حدثت منذ عام 2011 في العراق.
ثمة مساحة بين استفهامين جريئين؛ 
1-هل التظاهرات حققت الضغط وأربكت اللامبالاة الحكومية، لكنها لم تحقق كبرى أهدافها؟
2-هل التظاهرات أعطت قوة وذريعة لرئيس الحكومة لتعديل موقفه من حلفائه المسيطرين واستخدام ضغط التظاهرات من أجل إضعافهم ؟
ليست التظاهرات الشعبية إلا فعلًا سياسيًا، وينبغي ان لا تتطور إلى شيء اخر غير السياسة، حتى ينتهي امرها إلى التوقف بتحقيق الحد الأقصى الممكن من أهداف التظاهرات، إي عودة الجماهير إلى يومياتهم الطبيعية وادواتهم المعتادة قبل اللجوء إلى التظاهرات لتصحيح انحراف النظام وتغيير سلوكه.
تاليا لا معنى، إذا، لقياس ترجيح كفة التظاهرات نحو النظام أو الشعب، الا بمقياس سياسي يترجمه، الجواب على السؤال الآتي؛ هل حققت التظاهرات أهدافها التي من أجلها انطلقت..؟
تظاهرات تشرين في العراق لن تشذ عن هذا المقياس..
الرئاسات العراقية التنفيذية والتشريعية والقضائية كانت اول من انتقد سلوك النظام وأكدت على ضرورة اجراء الإصلاح بما يناسب واهداف التظاهرات، وهذا اول وأبرز تلك الإنجازات للتظاهرات، اهمية هذا النقد تأتي من ان النظام والدستور والقوانين والرموز السياسية.. ظلت على الدوام خطًا أحمر في الدولة العراقية ومحرمًا حتى على الرئاسات نقدها.
فنقد الرئاسات يعني اعتراف ادارة النظام السياسي العراقي بفشل النظام والدستور الحالي من تحقيق العدل والحرية والمساواة والأمن والاستقرار وتمكين الديمقراطية وكثير مما تبناه دستور العراق لعام 2005.
فهذا الفشل يحفز ادارة وقيادة النظام العراقي الحالي على ضرورة رفع الهالة والقدسية عن فقرات كثيرة داخل الدستور وإلغاء قوانين وتشريعات كتبت تحت ضغط المحاصصة والحزبية والفئوية.
حتى جاء البرلمان قرار 221 في 3 تشرين الثاني 2019، لتشكيل لجان متعددة المشارب من اجل تنشيط المواد الخاصة بالدستور العراقي.
تضافرت ظروف كثيرة لمجلس الوزراء لتحقيق تغيير في مسار سلوك النظام، نهاية آذار 2019، في ذلك الوقت توافر تأييد شامل لاستعادة الاستقرار الاقتصادية، وقد مهدت له نظريا ومنهجيا حكومة الدكتور العبادي.
وكان لارتفاع أسعار النفط وحصار امريكا لصادرات النفط الايراني تاثير مفيد في ارتفاع حجم الصادرات النفطية العراقية، لانه رفع حجم الصادرات لسد النقص الذي جاء بسبب حصار ايران.
كانت إعادة توجيه السياسات الاقتصادية العراقية التي عمل عليها ا. عادل عبد المهدي نظريا التي اعتمدت بداية عام 2019 في جزء منها رد فعل على الهياكل الإدارية والبيروقراطية داخل مؤسسات الدولة الاقتصادية والخدمية والإنتاجية، ولمدة شهور فشلت السياسة التي ارادة لها ان تنفذ مناقلة النظام الاقتصادي من نظام الدولة التداخلية إلى نظام مجتمع السوق.
ليس لدينا شك في أن بعض علامات التبرير والمطاولة بادية على موقف رئيس الحكومة وسلوكه في ادارة الأزمة.
وأنه يعترف بسلمية التظاهرات بنسبة عالية غير انه يبرر بطيء الاستجابة وقمع التظاهرات بوسائل استخدمت استخدامًا مغلوطًا ومخالفًا لقواعد فض الاحتجاج السلمي.
النتيجة الواضحة ان تظاهرات تشرين مازالت محتفظة بقوتها الذاتية فهي تمتلك الصفة المميزة ولم تسمح لكتل سياسية أو حزبية ان تفاوض عنها، رغم تعاطف وإسناد تيارات المعارضة السياسية معها "سائرون والنصر والحكمة..".
اهتزاز كبير حصل في ثقة بعض القيادات الحزبية بإمكانية فض التظاهرات وذلك باستخدام قوات هيئة الحشد الشعبي، حيث جاء الجواب من قيادة هيئة الحشد بأن هذه القوات مكانها السواتر للدفاع عن الوطن وقهر الأعداء، وليس مكانها الساحات والشوارع لقهر التظاهرات السلمية.
ويمكن القول بقدر كبير من الثقة، إن تظاهرات تشرين صنعت اللحظة التاريخية وعلى الرئاسات العراقية منحها الفرصة بطريقة تشاركية وتضامنية شاملة لتصحيح سلوك النظام، هذه الفرصة التشاركية لمراجعة الدستور وتشريع قانون الانتخابات وقوانين تتعلق بالحريات واقتراح مشاريع وبرامج اقتصادية وإزاحة المكاتب والهيئات الاقتصادية ومحاكمة علنية لكبار الفاسدين وانهاء ملفات الدرجات الخاصة والمفسوخة عقودهم وتفعيل قانون العمل الموحد وتدخل الدولة الجاد في دعم القطاع الخاص والقطاع المختلط والسماع للاتحادات والنقابات بممارسة أدوارها النقابية والرقابية والاهتمام بقطاع الإسكان والطرق والجسور وخدمات البنية التحتية وانهاء ملف العشوائيات ببديل مدروس واحتكار السلاح بيد الدولة...
بمجرد توقف تظاهرات تشرين بعد تحقيق الأهداف أعلاها، وتحديث نظام السلطة التنفيذية جذريًا بناءا على المهنية وقانون التدرج الوظيفي.
فأن ذلك أولى خطوات الإصلاح الوطني، عندئذ سوف نقول إن العراقيين قد استعادوا أخيرا الولاء للوطن، وعززوه ووضعوا مؤسسات الدولة على الخط المستقيم، تظاهرات تشرين حددت المهمات السياسية والدستورية والاقتصادية ذات الأولوية، في النتيجة ذكرت مطالب المتظاهرين وزارة التخطيط ومجلس الوزراء، كثيرا بالخطط الخمسية الانفجارية في عقد السبعينيات من القرن الماضي، وليس من المستحيل وضعها ضمن حيز التنفيذ والاستجابة السريعة.

البوم الصور