عناوین:

ما الذي يستطيعه عادل عبد المهدي؟

8/18/2019 11:19:20 AM
1625 مشاهدة
حازم صاغية
+ -

يشبه عادل عبد المهدي سياسيي البلدان المستقرة: هادئ ومنفتح وبراغماتي... المشكلة أن العراق لا يشبه البلدان المستقرة (وعددها، بالمناسبة، يتناقص). إنه يلعب في الوسط، والبلد مندفع إلى الأقاصي.
على السطح، يمكن تسجيل بعض التحسن في أوضاع الأمن اليومي، وإنجازات أخرى متفاوتة في الزراعة والكهرباء، إلا أن البراكين التي تموج تحت السطح أخطر من أن تخمدها النوايا الحسنة لرئيس الحكومة: حضور إيراني واسع وعميق، مرفق بازدواجية سلطة يفرضها «الحشد الشعبيّ». حضور أميركي جزئي يقابل حضور «داعش» أو ما بقي منه، وهو ليس بالقليل. ذيول أزمة لم ترس على حل بين المركز والشمال حول تقاسم عائدات النفط. فساد تستحيل مقاومته في ظل تكالب الجماعات وتناهش الخارج. ولا ننسى أن تشكيل الحكومة نفسه، وهو ما بدأ أواخر 2018، لم يكتمل بعد.
هكذا يتقدم الحدث العراقي شبيها باللبناني، والعنوان هو إياه: العجز في الأساسيات، وأولها موقع الدولة وجيشها حيال الدويلة وجيشها.
علامات العجز كثيرة، كان آخرها التراجع عن سحب «اللواء 30»، التابع لـ«الحشد»، من سهل نينوى. تبدى، للمرة الألف، أن تطبيق «الأوامر الديوانية» بما يؤدي إلى احتكار الدولة أدوات العنف، لا يزال طموحا يصارع الاستحالة. «الحشد الشعبي»، إذن، وجد ليبقى ويتمدد. «جثث بابل»، «الغامضة»، أو جثث أخرى «معلومة» قد تتكاثر.
وكما في لبنان، تتصدى المسائل الموصوفة بـ«الأخلاقيّة» لملء الفراغ السياسي، ولـ«الحشد» فيها دورٌ، تعبوي وتنفيذي، لا يستهان به. يغدو من شواغل الأمة، والحال هذه، أن تظهر، في كربلاء، عازفة كمان أثناء مباريات في كرة القدم، أو أن يلبس البعض في كركوك ملابس يشك في مدى احتشامها!
استعصاء الأساسيات هذا جعل الحكم يعادل الحوار، وعبد المهدي محاور. وهذا، بالطبع، خير من سياسة تفرض بالتعنت ولا تحاور، كنهج سلفه نوري المالكي. لكن يخشى أن يدوم الحوار ثم يلد حوارا قبل انتهاء الأمر إلى حوار آخر. هكذا لا يبقى للعراقيين إلا الصبر بوصفه مفتاح الفرج.
ما يزيد الأمور استعصاء أن عبد المهدي يستخدم الدرج حين يصعد، فيما إيران والوضع الإقليمي يستخدمان المصعد. التطورات المتسارعة الأخيرة توحي بذلك: فطهران، إذا صدقنا الرواية الإسرائيلية، تجر بغداد من شعرها إلى حرب يمكن تفاديها. يحصل هذا عبر مصانع صواريخ وقواعد عسكرية تقام في بلاد الرافدين. كذلك لم يعد سرا أن الإسرائيليين، وجريا على ما ينفذونه في سوريا، هاجموا مواقع للميليشيات الشيعية العراقية التابعة لطهران. لقد فعلوا هذا مرتين على الأقل، فيما زعم المحللون والمراقبون في تل أبيب أن إيران حولت العراق «ممرا لوجستيا» لها.
بدورها، تحدثت «هآرتس» عن أن الأخ الأكبر بدأ يزود الميليشيات العراقية بصواريخ دقيقة التوجيه، قادرة على ضرب أي مكان في إسرائيل. وقد يكون هذا لتعويض منصات الهجوم التي خسرتها إيران في سوريا بفعل الغارات الجوية الإسرائيلية. أما مؤخرا، فلفتت تقارير صحافية إلى أن الطائرات الإسرائيلية استهدفت شحنات صواريخ إيرانية في العراق، كان يفترض نقلها إلى «حزب الله».
إذا صحت تلك المزاعم، يكون العراق انتقل من «دولة مساندة»، كما كانت حاله في الصراع العربي - الإسرائيلي القديم، إلى «دولة مواجهة» في الصراع الإيراني - الإسرائيلي الجديد.
وهذا، معطوفا على التوتر المتزايد بين واشنطن وطهران، يضعنا أمام احتمال تحول نوعي ربما صار الحدث الاستراتيجي الأهم للحقبة المقبلة.
لكن إذا كانت الحروب كريهة ومستفظعة عموما، وكائنا من كان العدو، فإنها في حالة العراق أشد كراهية واستفظاعا. هذا ما يجعل جر بغداد إلى حرب جريمة ما بعدها جريمة.
ففضلا عن تاريخ الفتن والانقلابات العسكرية التي ترقى إلى 1936، وعن مذبحة الأشوريين وفرهود اليهود والعدوان المتواصل على الأكراد، ثم «داعش»، كان العراق، في الربع الرابع من القرن الماضي، أكثر بلدان العالم خوضا للحروب وتكبدا لقتلاها.
هو، إلى ذلك، بلد مركب، كثير المكونات، قليل الإجماعات. هذه كانت حاله قبل الغزو الأميركي ومعه وبعده. فيصل الأول نطق بعبارة شهيرة بهذا المعنى: «أقول وقلبي ملآن أسى، أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية». منذ 1958، وخصوصا منذ 1963، تعاظمت أسباب التفكك والانقسام. ما فعله لاحقا صدام حسين هو كبت تلك التناقضات بالقوة وتركها تعتمل في الخفاء، فحين سقط نظامه صعدت إلى العلن. والآن هناك «وطنيات» عراقية عددها عدد طوائف البلد وإثنياته الكثيرة.
في هذه الحال يغدو شرطَ الحياة العراقية خفض الأدلجة إلى الحد الأدنى، لا دفعها إلى الحد الأقصى الذي هو حكما حد الحرب. بهذا لا يعيش العراقيون ولا يستقرون، بل يكتشفون مزيدا من أسباب التنافر والاقتتال فيما بينهم.
إن ذاك البلد المعذب بالعنف يحتاج، أكثر من سواه، إلى شرعة تحرم العنف من أي نوع. هذا ما لا يستطيعه عبد المهدي، أو أي سياسي آخر حسن النوايا مثله. إنه قرار عميق يتخذه العراقيون أو لا يتخذونه. وأغلب الظن أنهم لن يفعلوا.

البوم الصور