عناوین:

تركيا والأكراد: ايمرالي أقرب من قنديل

6/15/2019 8:38:44 AM
1648 مشاهدة
خورشيد دلي
+ -

مشهدان متناقضان يسيطران هذه الأيام على علاقة تركيا بأكرادها. الأول، الهجوم الجوي والبري الذي يشنه الجيش التركي ضد معاقل "حزب العمال الكردستاني" في قنديل، منذ السابع والعشرين من الشهر الماضي باسم "عملية المخلب". الثاني، الرسائل الإيجابية المتبادلة بين حكومة حزب "العدالة والتنمية" الحاكم وعبدالله أوجلان زعيم الحزب المعتقل في إيمرالي منذ عقدين من الزمن.
المشهد الأول ليس بجديد، إنما يعود إلى مطلع تسعينات القرن الماضي، عندما قرر الحزب نقل معسكراته ومقاره من البقاع اللبناني حيث كان عناصره يتدربون مع الفصائل الفلسطينية هناك، إلى تلك المنطقة الجبلية النائية في المثلث الحدودي العراقي - الإيراني – التركي. فمنذ ذلك الوقت، لم تتوقف الحملات العسكرية التركية ضد معاقل الحزب المذكور، من دون أن تحقق هدفها المرجو، أي القضاء على معاقل الحزب، وتقول التقارير إن الحرب بين الجانبين، منذ العام 1984، كلفت تركيا قرابة 500 بليون دولار. وهذا المبلغ كان كافيا لبناء نهضة اقتصادية حقيقية في البلاد، لاسيما في المناطق الكردية، والتي تعاني من التهميش والفقر وانعدام الاستقرار، بسبب الحرب.
المشهد الثاني، يتعلق بالرسائل الإيجابية بين أوجلان والحكومة التركية هذه الأيام، فالأول لا يتوقف عن إبداء الاستعداد للقيام بخطوات لتحقيق الاستقرار، بل وصل الأمر به إلى توجيه رسائل لأكراد سورية، يدعوهم فيها إلى أخذ الحساسية التركية بعين الاعتبار. في المقابل، ثمة خطوات متتالية تتخذها أنقرة بشأن وضع أوجلان، بدءا من إنهاء عزلته في السجن منذ العام 2011 والسماح بزيارته، وصولاً إلى طريقة تعاطي الإعلام التركي معه، إذ باتت تصفه بزعيم "حزب العمال الكردستاني" بعد أن كانت تصفه بـ "زعيم الإرهاب وقاتل الأطفال والأمهات". لكن اللافت في هذا المشهد، أنه يأتي قبيل فترة وجيزة من جولة إعادة الانتخابات البلدية في اسطنبول، والتي تحولت إلى معركة مصيرية بين المعارضة التركية وحكومة حزب "العدالة والتنمية"، ما يثير الكثير من الاستفهامات والأسئلة عن دوافع هذا المشهد من قبل الحزب الحاكم، على نحو، هل هو خيار سياسي حقيقي للحل أم مجرد لعبة للحصول إلى أصوات أكراد إسطنبول في المعركة الانتخابية المقبلة ؟
من دون شك أن قضية مثل القضية الكردية في تركيا، بتجاوز عمرها قرنا من الزمن، لا يمكن حلها سريعا، ومن باب الحسابات السياسية المتعلقة بالانتخابات. لكن حلها أيضا ليس بمستحيل، إذا توافرت الإرادة والرغبة والخطوات الملموسة، فالثابت أنه على رغم كل ادعاءات حزب "العدالة والتنمية" بالانفتاح على القضية الكردية، إلا أن سياسة القسر القومي لصالح القومية التركية بقيت في مكانها، كما بقي النهج العسكري الأمني هو السائد كما كان في عهد أتاتورك، إذ إن الحملات العسكرية والأمنية لا تتوقف، فيما لا يجد "حزب العمال الكردستاني" المصنف في قائمة الإرهاب هو الأخر غير العنف للتعبير عن نفسه والدفاع عن مشروعه السياسي والقومي. والحصيلة الدائمة مزيد من الدم والدمار، ولعل في ظل هذه المعادلة الصفرية، وبعد أربعة عقود من الصراع الدموي، لا بد من البحث عن وسائل جديدة، لحل سياسي لهذه القضية، حل يحقق الاستقرار لتركيا وللأكراد هويتهم. وفي سياق الحديث عن الحل، لا بد من القول إن الطريق إلى إيمرالي أقرب وأجدى وأقل تكلفة من الطريق إلى قنديل، بعد أن أثبتت كل التجارب السابقة فشل الحلول العسكرية والأمنية.

 نقلا عن صحيفة "الحياة"

البوم الصور