عناوین:

هلال الانتفاضات

11/18/2019 10:23:06 PM
3574 مشاهدة
هشام ملحم
+ -

الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية العارمة التي تعصف بالعراق ولبنان منذ أسابيع، والتي اندلعت منذ أيام في إيران تشكل هلالا من الانتفاضات يمتد من الخليج إلى المتوسط. سوريا في قلب هذا الهلال، إذا وضعنا انتفاضتها المستمرة بشكل أو بآخر منذ 2011 في السياق ذاته.
هذه الاحتجاجات أو الانتفاضات تتشابه كثيرا في أسباب اندلاعها وطبيعة مطالبها والقوى المتوجهة ضدها، كما يتشابه رد القوى والمؤسسات والأنظمة المهيمنة على هذه المجتمعات ضد المحتجين والمطالبين بالتغيير. طبعا هناك خصوصيات لكل دولة وكل انتفاضة، نابعة من طبيعة كل مجتمع، ما يجعل المقارنات محدودة، وربما محفوفة بالأخطار، مع أن أي مراجعة لما يحدث في هذه الجغرافيا الشاسعة يبيّن إلى أي مدى تتأثر هذه الحركات الاحتجاجية أو الانتفاضات ببعضها البعض وكيف تتعلم من تجاربها، وكيف تلجأ أحيانا إلى ذات الأساليب والتكتيكات، تماما كما تفعل الأنظمة المستهدفة في مقاومتها للتغيير.
الصرخة الأولى تأتي دائما من الوجع الاقتصادي والحرمان. الشرارة تكون عادة بسبب زيادة الأسعار، (أسعار الوقود في إيران) أو الضرائب (في لبنان) أو غلاء المعيشة والبطالة المتفشية، وانعدام الخدمات الأساسية من صحية وتعليمية؛ ورأينا هذه الشرارة في كل من العراق ولبنان وإيران.
في لبنان جيل بكامله نشأ من دون أن يختبر الحياة في مجتمع يتوفر فيه التيار الكهربائي لـ 24 ساعة في اليوم، والشيء ذاته صحيح في العراق. في لبنان كما في العراق، الدولة لا تحتقر المواطن فقط، بل تحتقر البيئة. مياه الأنهر ملوثة؛ مياه الشفة في خطر؛ القمامة تتحول إلى تلال. تلوث البيئة في لبنان زاد من معدلات مرض السرطان بشكل ملحوظ ومخيف.

بعد النقمة الأولية، يتحول الغضب الساطع ضد فساد وجشع طبقة سياسية ـ دينية مفترسة وصل إلى درجات غير مسبوقة وخاصة في دول غنية بالنفط مثل العراق وإيران، وحتى في لبنان الدولة التي لا تملك ثروة نفطية، ولكنها أيضا ليست دولة فقيرة أو لا يفترض أن تكون فقيرة.
في هذه المرحلة تبرز الدعوات المعتدلة للإصلاح والمساءلة، والتي تتجاهلها الأنظمة المعنية وحماتها لأنها لا تهدد البنى والهياكل الحاكمة. وفي المرحلة الثالثة، وهي الأهم، ينمو الغضب الشعبي مثل التسونامي ويتركز على ضرورة جرف النظام البائد وأسسه ودعائمه ورموزه واستئصاله من جذوره، بعد أن تتحول صرخة "كلن، يعني كلن"، إلى المطلب التاريخي لهذه المرحلة.
الخيط الذي يربط الاحتجاجات في هذا الهلال هو أنها عفوية ولا تقودها أحزاب أو تجمعات سياسية أو دينية. في العراق ولبنان الانتفاضة وطنية بامتياز: في لبنان لا علم إلا العلم اللبناني، في العراق لا علم إلا العلم العراقي.
في البلدين المواطن ـ وليس العضو في طائفة ـ يطالب بوطن للجميع. الهتافات والشعارات وطنية وسياسية ومطلبية اقتصادية في طبيعتها، ولا مكان فيها لأي هتاف من نوع: "الله أكبر".
للمرة الاولى في العراق وإيران، ذات الأكثرية الشيعية، ولبنان بطائفته الشيعية الكبيرة ـ حيث يحتكر أكبر تنظيمين فيها: "حزب الله" وحركة أمل السلاح ـ هناك رفض وإن بدرجات متفاوتة، للحكم الثيوقراطي أو هيمنة المؤسسة الدينية الشيعية، ويتم التعبير عن هذا الرفض بأكثر من وسيلة.
هذا واضح للغاية في العراق، وبدأ يتوضح أكثر في إيران. هذا لم يحدث بهذا الشكل من قبل. لا أريد أن أقول أن الانتفاضة اللبنانية بالدرجة الأولى هي ضد إيران أو وكلاء إيران في لبنان، ولكن مما لا شك فيه أن لها بعدا يتعلق بإيران وتسلط "حزب الله" في لبنان، خاصة وأن "حزب الله" تحول بسرعة إلى أكبر معارض للانتفاضة وأبرز حام للحكم الفاسد، مع أن مطلب الانتفاضة الأساسي هو التخلص من طبقة سياسية فاسدة تدعي تمثيل مختلف طوائف لبنان. في هذا السياق، لم يكن امتداد انتفاضتي العراق ولبنان إلى إيران مفاجئا أو مستغربا، وبعضنا تحدث وكتب عن هذا الاحتمال في الأسابيع الماضية.
حقيقة أن الانتفاضات عفوية وغير منظمة من قبل أحزاب وتجمعات، وتفتقر إلى قيادات "مركزية" أمر له إيجابيات كثيرة، وكذلك بعض السلبيات. أبرز السلبيات هو أن الانتفاضات بعد أن تفرض نفسها كقوة تغييرية لا تستطيع الأنظمة الحاكمة تجاهلها، يجب أن تتقدم عبر ممثلين عنها بطلبات محددة وقابلة للتنفيذ، وهذا يتطلب درجة من التنظيم والتنسيق.
أما أبرز الإيجابيات، هو الوجه الاخر للسلبيات، أي أن غياب القيادات يزيد من صعوبة "قطع رأس" أو رؤوس الانتفاضة من قبل الأنظمة المهيمنة، ما يعني قدرة الانتفاضة على الاستمرار ليس فقط لأسابيع بل لـشهر.
تقترب الانتفاضة في العراق من نهاية شهرها الثاني، والانتفاضة في لبنان عبرت شهرها الأول. وفي هذا السياق من الضروري النظر إلى انتفاضة هونغ كونغ، ضد السلطات المحلية ـ ومن خلفها الصين بجبروتها الكامل ـ وذلك بعد ستة أشهر من الاحتجاجات التي لم تكل حتى الآن.

أسباب الاحتجاجات المتشابهة، تؤدي إلى تشابه في سبل تحدي السلطات. قطع الطرقات والجسور، من خلال تحويلها إلى مواقف للسيارات. تظاهرات في النهار، وأخرى في الليل، والاستخدام المكثف لوسائل الاتصال الاجتماعي لتبادل المعلومات والتنسيق.
في المقابل نرى أن ردود فعل الأنظمة متشابهة، وإن كانت حدة الردود متفاوتة. المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، وصف المتظاهرين الذين قطعوا الطرقات واحرقوا الأبنية الحكومية بقطّاع الطرق.
في لبنان، معارضو الانتفاضة يصفون شباب وشابات الانتفاضة "بالزعران". في العراق وإيران، سارعت السلطات الى فرض تعتيم على ما يجري في البلدين من خلال قطع شبكة الإنترنت.
في إيران والعراق ولبنان، القيمون على السلطة يتهمون المتظاهرين بأنهم متأثرون أو خاضعون لنفوذ وهيمنة أطراف خارجية أو سفارات أجنبية، من دون أن يبالوا بتقديم أي دليل على ذلك، ويتحدثون، كما فعل قائد الجيش اللبناني جوزف عون عن "المندسين" من غير اللبنانيين والذين يحملون المخدرات في التظاهرات.
السلطات الإيرانية اتهمت الولايات المتحدة بأنها وراء الانتفاضات في العراق ولبنان، وهو ما كرره زعيم "حزب الله" في لبنان حسن نصرالله. علي خامنئي في إيران، وحسن نصرالله في لبنان، هددا المتظاهرين في البلدين بعنف أكبر. في العراق السلطات التي تخطت التهديدات اللفظية، ارتكبت "حمّام دم"، كما قالت منظمة العفو الدولية، حيث يقدر عدد القتلى بـ 320 قتيل على أقل تقدير، وجرح المئات، ويعتقد أن الرقم الحقيقي للقتلى أعلى بكثير لان السلطات منعت المستشفيات والمشارح من الإعلان عن عدد القتلى.
في إيران قتلت السلطات 12 متظاهرا وجرحت المئات خلال أول ثلاثة أيام. وفي لبنان سقط 4 قتلى بظروف مختلفة. الأوضاع الأمنية في هلال الانتفاضات مرشحة للانهيار أكثر، وحدوث أعمال عنف أكثر شراسة من قبل الأنظمة الحاكمة والمحاصرة سياسيا، محتمل ومتوقع.
بعد أسابيع على بدء انتفاضتي العراق ولبنان، لا يزال اهتمام الإعلام الأميركي والغربي بشكل عام بهذه الظاهرة محدودا، وخاصة في دولة مثل العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، وغزتها الولايات المتحدة في 2003 وساهمت عبر هفواتها وأخطائها ـ مثل قبول نظام المحاصصة الطائفية والإثنية ـ في إيصالها إلى هذا الطريق المسدود، الأسوأ والأخطر منذ احتلال قوات تنظيم "داعش" لمدينة الموصل في صيف 2014. يوم الأحد أصدر البيت الابيض بيانا حول تظاهرات إيران كرر فيه دعم التظاهرات السلمية ضد النظام، وأدان استخدام العنف الدموي ضد المتظاهرين والقيود المفروضة على الاتصالات.
وبعد أن أدان البيان سياسات إيران المتطرفة في السعي للأسلحة النووية والصواريخ، أشار إلى أن إيران أصبحت نموذجا للدولة التي يتجاهلها حكامها ويسعون للعمل على تعزيز سلطتهم وثرواتهم. هذا موقف لفظي لا يوحي بوجود سياسة أميركية واقعية تجاه إيران.
من الواضح أن سياسة "الضغوط القصوى" التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران عقب انسحابه من الاتفاق النووي الدولي واستئنافه للعقوبات الشاملة، لعبت دورا رئيسيا في إيصال إيران إلى مأزقها الاقتصادي والمالي الراهن.
رسميا، تقول الولايات المتحدة إنها لا تدعو إلى تغيير النظام في إيران، وإنها تؤيد أي حراك سلمي ضد النظام، ولكنها لا تعمل مباشرة على إسقاط النظام. ولكن السؤال الملّح يبقى: لماذا لم تحضر الولايات المتحدة نفسها وحلفاؤها لمثل هذا اليوم؟
السؤال يطرح أيضا في حالة العراق وحتى لبنان. العراقيون لم يضحوا بالكثير والغالي ماديا وبشريا في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين ليعيشوا في ظل نظام فاسد وقمعي ويدور إلى حد كبير في الفلك الإيراني. الأميركيون لم يضحوا ماليا وبشريا منذ 2003 لكي تنتهي تجربة أميركا المعقدة والمكلفة في العراق بمثل هذه التركيبة السياسية الفاشلة.
الإيرانيون المحتجون في الشوارع يستحقون سياسة أميركية أوضح وأكثر عقلانية وقابلة للتطبيق وتكون لصالح الشعب الإيراني وتساعده على تحرير نفسه من طغيان نظام ثيوقراطي رجعي.
الجميع يدرك، أو يجب أن يدرك حقيقة أن أي تغيير سياسي إيجابي وبنّاء في إيران سوف تكون له ترددات ومضاعفات إيجابية إقليمية شاملة تؤثر بالإيجاب على الأوضاع في العراق ولبنان وسوريا، نظرا للنفوذ الإيراني الخانق في هذه الدول.

البوم الصور