عناوین:

ملف الإيدز في العراق… أسرار وشجون

9/11/2019 4:21:05 PM
16473 مشاهدة
صادق الطائي
+ -

اعتمادا على تصنيف منظمة الصحة العالمية لا يعد العراق من الدول الموبوءة بمرض نقص المناعة «الإيدز» ولله الحمد، إلا أن ملف هذا المرض الخطير يعاد فتحه بين الحين والأخر لما فيه من أسرار وشجون وآلام. أسرار تعود إلى صفقة دواء ملوثة، مثلت بداية دخول هذا المرض للعراق منتصف ثمانينيات القرن الماضي، والشجون تتلخص في إدارة نظام صدام لهذا الملف الشائك، والتعتيم عليه لأسباب مختلفة.كما أن التعامل مع مصابي المرض نتيجة الجهل والتحكم الأمني بالملف، أدى الى كوارث إنسانية ما تزال بقاياها موجودة حتى اليوم.
ابتدأت شجون القصة عام 1985 بصفقة دواء تعاقدت عليها وزارة الصحة العراقية مع شركة «ماريو» الفرنسية لتوريد دوائين هما (Factor VIII
وFactor IX ) يساعدان على تخثر الدم ويستعملان لعلاج مرضى الهيموفيليا، الذي يعرف بمرض نزف الدم الوراثي. وكان عدد مصابي هذا المرض في بغداد حينها حوالي 250 مصابا، يتلقون العلاج في مختلف مستشفيات العاصمة بغداد، كمستشفى مدينة الطب ومستشفى اليرموك ومستشفى الكرامة.
وفي عام 1986 تمت معالجة حوالي 238 مريضا منهم بالمصل الفرنسي الجديد، وفي غضون أيام بدأت أعراض التدهور الصحي تظهر على المرضى بشكل متسارع، بدون أن تستطيع الجهات الصحية العراقية تشخيص ما حصل للمرضى، ما دفع المستشفيات العراقية لتركيز إجراءات الفحوصات الطبية الشاملة على المرضى لتكتشف الكارثة.
الأمصال المجهزة من شركة «ماريو» الفرنسية ملوثة بفيروس نقص المناعة «الإيدز»، وقد تسببت بإصابة جميع الذين أخذوا المصل من مرضى الهيموفيليا، السبب الأول للكارثة كان نقص المعرفة، وعدم دقة فحوصات السيطرة النوعية على عينات، مما تم استيراده من عقاقير، كما إن المرض لم يكن معروفا طبيا على نطاق واسع كما حصل بعد ذلك، إذ لم يكن قد مر على اكتشاف الفيروس الخطير عام 1981 سوى بضع سنوات، كما أن معاملة المصابين وتوفير البيئة الصحية لهم لم يكن ضمن المعلومات المتوفرة للسلطات الصحية العراقية، ما حدا بالقيادة السياسية في العراق إلى تسليم إدارة الملف إلى جهات أمنية تشرف على الخدمة الطبية المقدمة لمنكوبي كارثة الأدوية الفرنسية.
ومن الملفات التي كشفت لاحقا تبين أن شركة «ماريو» الفرنسية، ارتكبت الكارثة نفسها مع عدد من دول منطقة الشرق الأوسط مثل ليبيا وتونس والجزائر، وقد أعلن الأمر، وتكشفت الفضيحة، وطالبت حكومات هذه البلدان الشركة بدفع تعويضات كبيرة لمصابي الخطأ القاتل، وقد وصلت التعويضات حينها بحسب التقارير الصحافية إلى حوالي مليون دولار للمصاب الواحد، لكن العراق من جانبه الرسمي بقي صامتا، بل نافيا لحدوث أي مشكلة مع الشركة. فلماذا اتخذت الحكومة العراقية هذا الموقف؟ من المعلوم أن سنوات النصف الثاني من عقد الثمانينيات كانت سنوات محنة بالنسبة للنظام العراقي، ففي فبراير 1986 سقطت شبه جزيرة الفاو بيد الإيرانيين، وهي تمثل منطقة استراتيجية بالنسبة للعراق، وقد تحصن بعدها الإيرانيون في الفاو ولم تستطع كل محاولات العراق إخراجهم منها، الأخطر ان احتلال الفاو تبعه العديد من الهجمات الايرانية ذات الزخم البشري الواسع، التي ابتدأت تهدد مدن الداخل العراقي، وبدا الايرانيون مصرين على الاستمرار في الحرب حتى إسقاط نظام صدام حسين.
في هذه الفترة، بعد عام 1985 تحديدا، ظهر جليا الدعم العسكري الفرنسي عبر صفقات التسليح الانفجارية، التي صبت في مخازن العراق، والتي تجاوزت في حجمها وأهميتها حتى التسليح السوفييتي الذي كان يعد المصدر الأول للسلاح العراقي، فقد تم تجهيز القوة الجوية العراقية بـ133   طائرة مقاتلة من نوع ميراج الفرنسية المتطورة، ما وفر للعراق تفوقا جويا ملموسا.
كما لعب تأجير الطائرات الهجومية الفرنسية من نوع سوبر إتندار دورا مهما في تغيير ميزان القوى في الحرب، إذ كانت هذه الطائرات مجهزة بصواريخ إكسوسيت AM39 المضادة للسفن، التي تطلق من الجو، والتي فرضت تفوقا ملحوظا للعراق، في ما عرف بحرب ناقلات النفط بالخليج، ما أدى إلى خنق الاقتصاد الإيراني، كما استخدمت هذه الطائرات في ضرب جزيرة خرج، التي تعد أحد أهم منافذ تصدير النفط الإيراني، بالإضافة إلى قصف مدن العمق الإيراني بفضل تفوق سلاح الصواريخ وسلاح الجو العراقي، المدعوم فرنسيا وعدم قدرة إيران على التصدي له، بالإضافة إلى مئات الأطنان من الاعتدة والمعدات العسكرية المختلفة، التي استوردها العراق من فرنسا، رغم قوانين مجلس الأمن القاضية بمنع تصدير الأسلحة للبلدين المتحاربين . فهل يضحي النظام العراقي بكل هذا الدعم مقابل حياة 238 عراقيا، أصيبوا نتيجة شحنة دواء فرنسي ملوث؟ بالتأكيد كلا. لكن بالمقابل، كيف تعاملت الحكومة العراقية مع الضحايا؟
تذكر إحدى السيدات من العوائل القليلة المتبقية من مصابي كارثة شحنة الدواء الفرنسي الملوثة، في لقاء مع إحدى الصحف العراقية معاناة هذه العوائل فتقول؛ «لقد فقدت اثنين من أولادي وثلاثة من إخواني في هذه القضية» وتتذكر أيام المحنة قائلة «إن أولادها وإخوتها كانوا يتلقون العلاج من مرض الهيموفيليا في مستشفى مدينة الطب في بغداد، وحصلوا على حقنة الدواء الجديد الذي جلبته الحكومة من الشركة الفرنسية، وبعد أيام جاءت مجموعة خاصة تابعة للصحة، وطلبت أخذ أولادي وإخواني، وهددونا بأنهم سيأخذون أحد ‏أفراد العائلة من الاصحاء كرهينة في حالة عدم تسليم المريض»‎، لم تكن تلك السيدة، أو بقية عوائل المرضى في بداية الأمر يعلمون إن مرضاهم مصابون بمرض «الإيدز»، وتضيف «حجروا المرضى في مستشفى ‏ابن زهر للعزل في منطقة التويثة جنوب بغداد، ووضعوا الأطفال مع أمهاتهم، واستمر الحجر أكثر من ثلاث سنوات».
بقية قصة المأساة هي؛ بعد حرب الخليج عام 1991 ونتيجة الفوضى التي أحدثتها الحرب، هرب المرضى من مستشفى العزل، الذي كان قد تحول إلى معتقل لمرضى «الإيدز»، حيث مات منهم 199 مريضا، وهرب المتبقون مع عوائلهم‏، وغير بعضهم محل سكنه خوفا من إعادتهم إلى المستشفى من جديد، لكن بعد ان استتب الامر، بدأت عمليات البحث عن المصابين، وأعيد الكثير منهم إلى المستشفى، حيث بقوا هناك حتى منتصف التسعينيات، وكانت جثث المتوفين من مصابي «الايدز» لا تسلم إلى ذويهم لدفنها، بل يتم إحراقها خوفا من تفشي الفيروس.
بعد إطاحة نظام صدام حسين أبان الغزو الأمريكي عام 2003، ابتدأت منظمة الهلال الأحمر العراقية، تحريك دعوى قضائية للمطالبة بحقوق الضحايا الذين قضوا بسبب المصل الفرنسي الملوث، لكن شركة «ماريو» صاحبة الشأن كانت قد أعلنت إفلاسها منتصف التسعينيات، وتم شراؤها من شركات «أفنتيس» و«سانوفي» الفرنسيتين و«باكستر» الامريكية، ‏فابتدأت الجهات العراقية بمطالبة ورثة شركة «ماريو» بتعويضات الضحايا، لكن  كل المحاولات باءت بالفشل حتى الان، إذ بين دفاع الشركات أن الحكومة العراقية، أبان الأزمة نفت وجود اي إصابة نتيجة استخدام الأمصال المستوردة من شركة «ماريو». كما إن كل الوثائق المتعلقة بهذه الأزمة، أتلفت في عقد التسعينيات قبل سقوط النظام السابق، ليتم إخفاء أي دليل على وجود هذه الفضيحة، لكن الملف بات يمثل مشكلة متجددة، وقد فتح مؤخرا، وبحسب تصريح المكتب الإعلامي، لنائب رئيس البرلمان العراقي حسن الكعبي في 19 أغسطس الماضي ذكر إن الكعبي «استقبل ممثلين عن ذوي ضحايا العقار الفرنسي، وأكد أن على الحكومة والجهات ذات العلاقة التعامل مع هذا الملف بجدية، إذ نجم عنه ضحايا عراقيون بهذا العدد الكبير، أغلبهم فقد حياته جراء هذا العقار الملوث». وأضاف البيان «إن من واجب الحكومة والوزارات المعنية، خاصة (الصحة والخارجية) متابعة القضية وعدم تسويفها، لاسيما أن أغلب الدول التي استوردت العقار وتسبب بإصابات، قامت برفع دعاوى قضائية وحصلت على تعويضات مناسبة للضحايا وذويهم». فهل سيتم إنصاف هؤلاء الضحايا بعد كل هذه السنين؟

البوم الصور