عناوین:

الخائفون

10/18/2019 4:23:32 PM
9863 مشاهدة
عبد الحميد الصائح
+ -

حين خاف صدام بعد انتفاضة آذار عام 1991 سقط نظامه وحين تحدى القذافي المتظاهرين ضد نظامه تسلح الناس ووصلوا الى مخدعه، وحين أستخف مبارك بشعبه المتظاهر بعد أن كان يمجد به لثلاثين عاما هوى، الخوف يدفع الى الخطأ في الادارة وتقدير الموقف واتخاذ القرار، الخوف  يجعل صاحبه أعمى، يغير قاعدة المسؤولية من الكفاءة الى الولاء،  فيأتي بأبناء الخطوط الخلفية في المجتمع من أقاربه وأصدقائه ليضعهم على رؤوس المحترفين المهرة الذين بإمرته بل حتى رفاق دربه القدامى، وحين تختلط الأوامر والإستشارات بين أصحاب الخبرة المبعدين وبين الحمير الذين لا يملكون الا شهادة واحدة هي: انهم مبعث اطمئنان للمسؤول فقط، ينحرف شاقول السلطة، وتتحول المؤسسات الى زرائب للأميين الذين يخرقون القوانين و يقربون كل من يمتدح نهيقهم، وتمتلئ ممثليات الدولة ومؤتمراتها في الخارج بجثثهم المتحركة هنا وهناك.

لذلك من اخطر مايهدد السلطة هو العمل بناء على قاعدة الخوف والخوف فقط، نعم، لابد من الحذر ولابد من الاحتياط، لكن مرض الخوف ينتزع السلطات ويسقط الانظمة والدول، مايحدث اليوم يشعرنا نحن المراقبين أمام دولة مهزومة تعلن  اقصى درجات التأهب وتستخدم اقسى الاجراءات أمام ظاهرة ممكن احتواؤها او مراقبتها قبل استعدائها وارتكاب جريمة تخلط الاوراق جميعها.

لا اعتقد ان عاقلا عراقيا او غير عراقي يشمت بدماء القتلى الشباب الذين سقطوا في المظاهرات مهما كانت التبريرات، حتى الحكومة وظلالها التي حاربتهم اقرت صاغرة بانهم شهداء فضلا عن اشارة المرجعية التي أكرمت دماءهم، ولا أحد يمكن ان يتحدث بحكمة ومعقولية أمام الرصاص الحي وتوحش القناصة الذين اعتلوا سطوح الخرائب ببغداد والمحافظات ليقنصوا رؤوس أبنائها.

نقولها للتاريخ، نحن الذين نحرص على استباب الامن ونجاح الدولة اكثر من أصحاب القرار وقادة المؤسسات الذين يفترض أن يهدئوا الشارع العراقي، ويكسبوا الشباب ويفوتوا الفرصة على اعداء واشرار كثر يريدون أن يغرق العراقيون ثانية بمزيد من الدم والمجهول. لابد من العمل الجاد لانتشال الحال السياسية مماهي فيه، اصلاح عضوي جراحي في جسد الدولة، اعادة الهيبة والاحترام والاطمئنان الى الجيش والشرطة والحشد وجميع المؤسسات الامنية. لاتخافوا كما انتم الان، لاتشعرونا بان دولتنا مرعوبة طارئة قلقلة وشبابنا سيذهبون ضحية الغضب قربانا للشك والهلع.

في بداية التظاهرات استخدمتم  رباعية (منع التجوال – قطع الانترتنيت – استخدام الرصاص الحي – حملة اعتقالات عشوائية على الظن). فما الذي بقي للمواجهات الكبرى إذا. ومالذي بقي من سلطة  للدولة الخائفة لكي تأمر وتوقف حامل سلاح مارق يحميها، أو جماعة لاتأتمر بأمرها لكن هدفهما مشترك. لاشك إنها من علائم توقف القلب، القلب الذي يرهقه الباطل وانتهاك ادنى معايير الحياة والحقوق المدنية، فحين لاتميز الدولة بين الضحية والجلاد، بين المجرم والبريء، تدخل في العمى، والعمى في السياسة والادارة كارثة.

ربما يبدو هذا الكلام قاسيا ومباشرا، لكنه كلمة حق يراد بها حق، يراد بها التنبية في اللحظات الأخيرة الى عدم الخوف من الاحتجاج، الى التعامل المنضبط (الدستوري) مع المظاهرات، الى ضرورة حماية دماء الابرياء، الى عدم استعداء شباب بعمر الزهور يحصدون برصاص دولتهم التي عولوا عليها، ونظامهم الذي ولدوا في احضانه، وقادتهم الذين أصغوا اليهم طويلا، ومنابرهم التي سكبوا على سجاجيدها الدموع، وحروبهم التي تداعوا اليها ابطالا باعمار الزهور دفعوا عنها الشر بأرواحهم.

هؤلاء ابناؤكم ابناء الله الذين لم يروا غيركم ولم يسمعوا خطابا غير خطبكم، فتواضعوا أمامهم واصلحوا حال البلاد واهلها في فرصة اخيرة نادرة حتى وإن رحلتم عن مناصبكم الزائلة  واعترفتم بفشلكم وذلك اضعف الايمان.

البوم الصور