عناوین:

نحو تنوير جديد

6/18/2019 4:36:54 PM
1708 مشاهدة
مصطفى حمزة
+ -

نحو تنوير جديد
لطالما عانت أغلب المجتمعات من أزمات فكرية كثيرة،مثل الجهل والعنصرية وبعض المغالاة في تقديس الأمور مما أدى إلى فسادها وأفساد من حولها،ولكن شمس الحقيقة لا تحجب بغربال، وكذلك الحال مع الفكر التنويري الذي يسعى لحل هذه الأزمات "المتواترة" واخترت هذا المصطلح لسبب رئيس وهو أن الكثير من أزمات الفكر جاءت من خضم تراث الأمة ذاتها.
ونظرا لما يحتاجه مجتمعنا من وقفات تنويرية سأكتب سلسلة من بعض المشاكل وأحاول مناقشتها منطقيا، فالمنطق هو السلاح الوحيد الذي تدحر فيه عرمرم الجهل.
ولأن لا منصة لي الآن سوى مواقع التواصل الإجتماعي-التي هي بالنهاية جزء من المواضيع التي سأكتب عنها كونها سلاح ذو حدين- سأنشر ما اكتبه عليها ومن الله التوفيق. 
في الإجابة عن السؤال الذي يتوارد في ذهن القارئ عن (ما هو التنوير)؟ إذا اردنا البداية سنحتاج الى لمحة تاريخية ولو بسيطة كانت عنه، فالذي اكتبه حاليا، ما هو الا مدخل تعريفي بسيط وعسى أن أوفق فيه، فهو مصطلح فلسفي كانت بدايات ظهوره في عصور اوربا المظلمة (القرون الوسطى) حيث كانت السلطات البابوية والكنيسة هي التي تمسك بزمام الأمور، وما تمارسه -اقصد السلطات- من تسلط وتعذيب على رقاب الشعوب،ظلما وتعسفا، فما كان من ادباء وفلاسفة ومفكري اوربا الا البدء بحركة ثقافية من شأنها الدفاع عن العقلانية، واستبدال مبادئ الاخلاق بمبادئ الرب والبابا والكنيسة، فهم يدعون إلى ترك التقاليد اللاعقلانية والتوجه الى سلطة العقل والأخلاق، حيث اعتمد التنويريون على المواد التجريبية الملموسة في الواقع اليومي التي من شأنها أن تساعد في تطبيق قوانين معاصرة وأفضل من القوانين السابقة.
يقول فرانسيس بيكون وهو بالطبع أحد أهم اعلام حركة التنوير: عندما تصبح المعرفة هي اساس القوة، سيتمكن الانسان من السيطرة على الطبيعة.
في حين آخر أفضل من عرف التنوير هو الفيلسوف الالماني الكبير (ايمانويل كانت) حيث قال: هو خروج الانسان من قصوره الذي اقترفه بحق نفسه من خلال عدم استخدامه لعقله إلا بتوجيه من إنسان آخر، ويوضح كانت اسباب القصور فيحددها بسببين فقط وهما: الكسل والجبن، وبالفعل هذان السببان أساس في خراب الشعوب، فتكاسل الناس أدى الى تخلفهم واستغلالهم بسبب عامل الخوف الذي يكمن فيهم، ويرى ايمانويل كانت ان الثورة ليست الطريق الصحيح في التنوير واصلاح الشعوب، بل بتغيير طريقة التفكير،ومسار العقول للعامة من الناس، وفي السؤال عن الحرية ومفهومها، وهل القانون يحد من الحرية، فيكون الجواب لا بالتأكيد، ما دام القانون شارك في وضعه ووافقوا عليه افراد المجتمع، فهو يسعى لترسيخ مبادئ الحرية لا لحسرها او التحديد منها، إن اطاعة القانون من أهم مظاهر التحضر والرقي.
مثال آخر على التنوير وهو الفيلسوف الهولندي الكبير باروخ سبينوزا، صاحب كتاب رسالة في اللاهوت والسياسة وايضاً كتاب رسالة في اصلاح العقل، كان لهذا المفكر نزعة نقدية أدت به إلى ملاحقته من قبل السلطات الدينية.
وفي ختام هذه اللمحة التاريخية أحب أن اوضح، إنه ما من حركة ثقافية او حضارية، فكرية كانت ام صناعية، الا وواجهت تحديات ومصاعب وتضحيات عدة حتى وصل الحال بأن غاليلو قتل بسبب اراءه، وسقراط -على الرغم من بعد زمن المثال- شرب كأس السم وهو سعيد، فالموت في سبيل الافكار الناجعة، شيء عظيم ودرس للتاريخ. 
ونختم المقال ببيت شعر للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري بقوله:

لثورة الفكر تاريخ يخلدها

بأن الف مسيح دونها صلبا.

البوم الصور