عناوین:

أزمة التمثيل السني ومآلاتها

8/16/2019 7:32:22 PM
2124 مشاهدة
يحيى الكبيسي
+ -

كتبنا كثيرا، تحديدا منذ العام 2013 عما أسميناه «ازمة التمثيل السني» في العراق، والتي تكرست بعيد انتخابات مجلس النواب عام 2014، ثم أصبحت أمرا واقعا بعد انتخابات مجلس النواب عام 2018. فلم تعد هناك أي سياسة «سنية» في سياق البنية الطائفية للدولة العراقية والنظام السياسي القائمين على أساس الهويات الفرعية وسياساتها، وفي سياق الممارسة السياسة التي تقوم على مقولات هوياتية/ طائفية بحتة، وفي سياق الانقسام المجتمعي الحاد الذي تكرس وازداد حدة بعد العام 2003. وهذا «الانحسار» للسياسة السنية، جعل مصالح الجمهور السني، عمليا، لا تحضر إلا في سياق الاستثمار السياسي المباشر والصريح.
في انتخابات مجالس المحافظات عام 2013، كان الجميع يتوقع تمثيلا سنيا يعكس ما كان يجري في الجغرافيا السنية حينها من حركة احتجاجات واعتصامات واسعة اندلعت في كانون الأول/ ديسمبر 2012، ولكن نتائج الانتخابات جاءت مخالفة لذلك تماما، فقد هيمنت الجماعات والشخصيات الحليفة لرئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي، والذي كانت سياساته الطائفية الحاسم في ظهور هذه الحركة الاحتجاجية، على الانتخابات، ولم يكن ذلك نتيجة للتزوير واسع النطاق فقط، وإنما بسبب فشل الحركة الاحتجاجية في ترجمة حركها سياسيا بالدرجة الأولى، وبسبب طبيعة السلوك التصويتي الزبائني للجمهور السني (سواء عشائريا او استجابة لسياسة شراء الأصوات عبر استخدام المال السياسي، وسياسات التوظيف، واستغلال العلاقة مع الدولة مثل إطلاق سراح معتقلين أو تقديم خدمات).
وفي انتخابات مجلس النواب عام 2014، استطاع المالكي، وعبر اتفاقات سبقت الانتخابات (مع الحزب الإسلامي وجمال الكربولي وصالح المطلك) في أن يفرض تمثيلا سنيا لا يعترض على الولاية الثالثة، التي كان مستقتلا عليها. وقد شكلت هذه القوى الثلاثة، مع بعض الأفراد المحسوبين على المالكي، الذين فازوا ضمن قوائم أخرى، تحالف «اتحاد القوى الوطنية» الذي هيمن على المناصب السنية بالكامل، وكان صريحا في دعمه للمالكي لولاية ثالثة، ولكن دخول تنظيم الدولة/ داعش إلى الموصل، ورفض المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني بالدرجة الأولى، والرفض الأمريكي بدرجة أقل، هو الذي أقصى المالكي عنها!
وفي انتخابات 2018، وبسبب سيطرة بعض القوى السنية على مفوضية الانتخابات، وبسبب التزوير واسع النطاق الذي حظي بتواطؤ جماعي، أنتجت الانتخابات تمثيلا لا يختلف كثيرا عن تمثيل العام 2014، في ظل انحسار تام لأي سياسة واضحة لتمثيل مصالح الجمهور الذي انتخبهم، أو الجمهور الذي زوروا باسمه، باستثناء الحرص على الوصول إلى المناصب التي تتيح لهم الاستثمار المالي والسياسي. وعلى الرغم من انقسام الفائزين السنة إلى فريقين نظريا، الأغلبية ضمن تحالف البناء، والأقلية ضمن تحالف الإصلاح، إلا أنه لم يكن لأي من الفريقين دور حقيقي في قرار اختيار رئيس مجلس الوزراء، الذي احتكره تحالفا الفتح وسائرون حصرا، وبالتالي لم يكن هناك أي حوار، او اتفاقات، او مبادئ عامة، تلزم السيد عبد المهدي! فقد اقتصر دور سنة الطرفين على «البصم» على ما أختاره الآخرون! وإذا كانت بعض القوى قد قدمت أوراقا تفاوضية تعكس المطالب السنية التي تمثل مصالح الجمهور السني، ولو نسبيا، فان هذه الأوراق ظلت محصورة ضمن التحالفات نفسها (البناء والإصلاح).
قبل أيام أعلن عن دفن 31 جثة مجهولة الهوية عثر عليها في محافظة بابل، بعضها تم العثور عليها منذ العام 2016، وبقيت في ثلاجات الطب العدلي لأكثر من ثلاث سنوات. وبعيدا عن الطريقة «غير الأخلاقية» التي تم فيها الدفن، حيث تم نقل الجثث من محافظة بابل إلى مقبرة مجهولي الهوية في محافظة كربلاء بسيارات نقل بضائع مكشوفة! وبعيدا عن الآلية غير المفهومة التي سمحت لمنظمة مجتمع مدني تولي مهمة الدفن «تطوعا وعلى نفقتها»! فان الحديث عن جثث «مجهولة الهوية» في مجتمع فيه آلاف المفقودين، وآلاف المختفين قسرا (تحديدا في الجغرافيا السنية)، تبدو عصية على الفهم (يجب التمييز بدقة بين المصطلحين، فالمصطلح الأول يشير إلى «من غاب بحيث لا يعلم أحد ان كان حيا أو ميتا» (المادة 36/ 1 من القانون المدني العراقي)، فيما يشير مصطلح المختفي قسر الاختفاء القسري إلى «الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون» (الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري 2006).
 حادثة دفن الجثث مجهولة الهوية ترقى لجرائم ضد الإنسانية مع تشابه أسلوب منفذيها وان اختلفت مسميات داعش عن مسميات المجاميع المسلحة التي تسيطر على مناطق شمال بابل بشكل عام، ومناطق جرف الصخر على وجه الخصوص
الأمر الآخر الذي يرتبط بهذه المسألة، هو موضوع جرف الصخر؛ وهي منطقة زراعية شمال محافظة بابل، يسكنها غالبية عظمى من السنة العرب، تمت استعادتها بشكل نهائي في تشرين الاول/ أكتوبر 2014، ليصدر بعد أيام قليلة فقط قرار رسمي من مجلس محافظة بابل بتاريخ 29 من الشهر نفسه، يقضي بمنع أي نازح من العودة إلى جرف الصخر لمدة ثمانية أشهر، على ان تتم عودة العوائل النازحة بعد ذلك. ولكن مجلس المحافظة نفسه أكد في نيسان/ أبريل 2017 على منع عودة النازحين، وما زال هذا المنع قائما حتى اللحظة. ويحظى هذا الرفض الرسمي لعودة النازحين، بغطاء صريح يوفره الفاعل السياسي الشيعي ويحظى بقبول ضمني مجتمعيا أيضا! في ظل تواطؤ ضمني من المجتمع الدولي، بضمنها بعثة يونامي في العراق.
أمريكيا، تحدثت انا شخصيا مرتين متتاليتين مع نائبين مختلفين لوزير الخارجية الأمريكي حول موضوع جرف الصخر، في العامين 2016 و2017، وعن منع عودة النازحين اليها (وعددهم يزيد عن 100 ألف نسمة)، ولم أسمع منهما في المرتين سوى حديث عن الثقة بالحكومة العراقية، وكلام دبلوماسي لا قيمة له عن حقوق الإنسان وضرورة احترامها!
وكان السيد حيدر العبادي، رئيس مجلس الوزراء السابق، قد أبلغ الاستاذ عدنان الجنابي، شيخ عشيرة الجنابيين التي ينتمي اليها معظم النازحين من جرف الصخر بأنه لا بد له من الحديث مع الإيرانيين لأنهم أصحاب القرار في جرف الصخر (سمعت هذا الكلام انا شخصيا من الأستاذ عدنان الجنابي)، ثم كرر الدكتور أياد علاوي هذا الكلام ثانية في مؤتمر صحافي! وهذا الواقع فرض كما هائلا من الإشاعات، والاستنتاجات، عن تحويلها إلى سجن كبير للمختفين قسريا، أو تحويلها إلى قاعدة للحرس الثوري الإيراني، او تحويلها إلى منطقة صناعية لتصنيع الصواريخ، خاصة مع سيطرة مليشيات كتائب حزب الله على هذه المنطقة.
بالتالي كان الربط بين الموضوعين؛ الجثث مجهولة الهوية، والريبة المحيطة بجرف الصخر، طبيعيا ومنطقيا تماما. وقد صدرت عن بعض القوى السياسية بيانات سياسية شديدة اللهجة تتهم الحكومة العراقية بتجاهل مشكلة المختفين قسريا، والتواطؤ فيما يتعلق بالتغيير الديمغرافي في جرف الصخر. وكان من بين هذه البيانات بيان أصدره «تحالف القوى العراقية» الذي يرأسه رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي، جاء فيه أن حادثة دفن الجثث مجهولة الهوية «ترقى لجرائم ضد الإنسانية مع تشابه أسلوب منفذيها وان اختلفت مسميات داعش عن مسميات المجاميع المسلحة التي تسيطر على مناطق شمال بابل بشكل عام، ومناطق جرف الصخر على وجه الخصوص. وهو ما يجعل الحكومة الاتحادية وتوابعها وأجهزتها التنفيذية ـ المتسترة على هذه المجاميع المسلحة ـ شريكا في الجريمة». بل هدد تحالف القوى العراقية بأنه في حالة عدم استجابة الحكومة سيكون له بتدويل القضية باللجوء الى «الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والمجتمع الدولي، ومجلسي الأمن وحقوق الانسان الدوليين لفضح وتوثيق الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية من قبل المجاميع المسلحة أمام مرأى ومسمع الحكومة العراقية»! ولكن، وبعد أقل من 48 ساعة، ظهر رئيس هذا التحالف في مؤتمر صحفي ليتراجع عن البيان الذي أصدره، وليقدم «صك براءة» مجاني للجميع! ثم ليقوم بمناورة أكبر بعد ذلك بيوم واحد من خلال تبني موقف المالكي نفسه تجاه حركة الاحتجاجات والاعتصامات، في الانبار تحديدا، ومهاجمة القوى السياسية التي دعمتها! ولا يمكن فهم هذا التحول إلا في سياق أزمة التمثيل السني، وفي سياق عجز الممثلين السنة عن تمثيل مصالح جمهورهم، وفي سياق حرص الفاعل السياسي السني على استثماره المالي والسياسي في المنصب أكثر من أي شيء آخر. فهؤلاء الممثلون المفترضون غير قادرين على اتخاذ أي موقف «يزعج» الفاعل السياسي الشيعي المهيمن على الدولة بالكامل، والمسيطر على المجال العام بالكامل، خاصة في ظل سياسة الفساد مقابل التدجين التي اعتمدت مع الفاعل السياسي السني.
طوال السنوات الماضية حذرنا من أن ازمة التمثيل السني، وعجز الفاعل السياسي السني عن تمثيل مصالح جمهوره، لا يمكن ان تؤدي في النهاية سوى إلى لجوء هذا الجمهور إلى خيارات أخرى، حتى وإن كانت خيارات انتحارية، ولكن الجميع صم أذنيه عن هذه التحذيرات، لننتهي إلى سيطرة داعش على معظم الجغرافيا السنية، وواضح مرة أخرى أن لا احد قد تعلم شيئا من هذا الدرس!


البوم الصور