عناوین:

ستراتيجية تقليص الفقر في العراق 2018 - 2022: بين الآمال والتداعيات الستراتيجية

6/11/2019 1:30:53 PM
1536 مشاهدة
د. أحمد عبد الرزاق شكارة
+ -

منذ إنطلاق الستراتيجية الاولى لتقليص الفقر First Reduction Poverty Strategy التي تبنتها وزارة التخطيط بالتعاون مع مؤسسات دولية رصينة في عام 2010 ، خبر العراق مرحلة عدم استقرار سياسي ،إقتصادي وأمني تفاقمت حدتها مع احتلال داعش لما يقارب ثلث أو أكثر من أراضي العراق في 2013-2014 أزمة تصاعدت وتيرتها مع تصاعد حدة الأزمة المالية العالمية التي أنعكست سلباً على العراق بصورة واضحة منذ 2008 . ترتيبا على ذلك كان لابد أن تتجه الدولة لتعبئة كافة قواها البشرية بصورة لم تسبق من قبل بالتوازي مع عملية تصاعد إنفاق الدولة على إعادة بناء القوات المسلحة العراقية ، قوات مكافحة الارهاب والحشد الشعبي بهدف دحر داعش عسكريا وأمنيا وهذا ما تم فعليا من خلال دور متسع لوحدات مهنية رسمية وأخرى غير رسمية في الاتجاه لبناء عراق جديد يعتمد المدنية هدفا والمواطنة رسالة وخطابا. 
إن تبني وتشكل ستراتيجية شاملة وفاعلة - مؤثرة لتقليص الفقر مع أهميتها المتصاعدة النسبية إلا إنها لم تقع بعد في إطار الترجمة العملية الايجابية المتوقعة لمواجهة تحد "الفقر المدقع" .بمعنى إن ما اتخذ من خطوات خجولة كانت ولازلت محدودة الأثر نسبيا بدءا من تنفيذها في العام 2012 ولعل البطء في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة واستمرار صيغ المحاصصة الطائفية – العرقية والقبلية – العشائرية أمر لم تنج منه حكومات العراق المتعاقبة منذ 2003. يضاف لما تقدم فأن الحاجة لازالت قائمة بل هي الآن في أدق مراحلها للشروع ببناء مؤسسي في ظل ستراتيجية واضحة ورصينة لمكافحة الفقر الذي تنامى في السنوات القليلة الماضية والأمل المعقود على حكومة الاستاذ عادل عبد المهدي مازال قائما برغم كل التحديات . إذ خلال الفترة بين 2012-2015 تم تنفيذ 48 من أصل 87 فعالية تتضمن 199 مشروعا. 
علما بإن قيمة ما تم انفاقه بإتجاه ستراتيجية تقليص الفقر الأولى في الفترة بين 2012- 2016 وصل إلى 1.45 مليار دولار. هذه النفقات تأثرت سلبا نتيجة لتداعيات الأزمة المالية العالمية للعام 2008-2009 حيث انخفضت قيمتها إلى الربع في عام 2016 عن القيمة الحقيقية للمستوى الأساس للعام 2012. الأكثر تأثيرا في الإطار السلبي جاء عقب الاحتلال الصادم لداعش لمساحات واسعة من أراضي العراق في عام 2014 (خاصة عقب إحتلال الموصل ثاني أكبر محافظة عراقية سكانا إضافة لمحافظات ذات مساحات جغرافية واسعة مثل "الانبار وصلاح الدين") حيث توقفت جملة من مشروعات كان هدفها المرجو تقليص مساحة حجم الفقر المتنامي في العراق. 
أهم التحديات التي واجهت مثل هذه المشروعات إنصبت في حقول المال ، الإدارة ، القانون وغيرها. وإن تحديات كهذه وغيرها كان لها إنعكاسات وتأثيرات مهمة على كيفية صياغة ستراتيجية جديدة أكثر فاعلية من سابقتها لتقليص مساحة الفقر تحقيقا للتنمية الانسانية حيث وصلت أعداد البشر الذين يعانون شغف العيش الكريم بالملايين خاصة من فئات جيلي الاطفال والشباب بل وحتى جيل الكبار . علما بأن تصنيفات جديدة للشرائح الاجتماعية العراقية التي انحدرت أوضاعها بضمنها "الطبقة الوسطى" قد دخلت فعليا نوعيا وجغرافيا في آتون الفقر. إن تنفيذ الستراتيجية الجديدة لتقليص الفقر بين 2018 -2022 التي اعددتها وزارة التخطيط العراقية تفترض أن تكلل جهودها بالنجاح خاصة وأنها من المفترض أن تستفيد من دروس الاخفاقات السابقة. لعل من المناسب جدا التحديد الواضح والدقيق لتأثيرات 4 تحديات جوهرية مازالت تواجه مسيرة تشكل وتطور التنمية الإنسانية للعراق :
أولا : ضرورة إستتباب الأمن والاستقرار ، 
ثانيا: تأسيس الحكم الرشيد أو الراشد،
ثالثا: التوزيع العادل للموارد (المادية والبشرية) والتنوع في مصادر الدخل في ظل مايعرف ب"اقتصاد السوق"(market economy) ، 
رابعا: تخفيف درجة التأثيرات والانعكاسات السلبية لعملية الإصلاح الاقتصادي الأخذة بالاتساع جغرافيا وسكانيا من خلال برامج قويمة للحماية الاجتماعية . برغم ذلك، تستمر معاناة الشعب العراقي الشديدة إذ مازال يواجه تحديات كبرى في مسألة إنعاش قطاعاته الاقتصادية الرئيسة "زراعيا، صناعيا وخدميا" خاصة ,إنها إنعكست وتعمقت وتجذرت في الآونة الأخيرة في ظل استمرار سلبيات الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية – الطبقية التي يسودها الفساد الكبير مما زاد من معاناة "الطبقة الوسطى والطبقات االمحرومة معا"حيث تعاني جميعها من فقر يتدرج إلى أن يصل إلى حالة الفقر المطبق أو المدقع غيرالمقبول إنسانيا في بلد الوفرة النفطية والعوائد المليارية من الدولارات بلد خيراته وموارده المتنوعة إن وظفت جيدا إداريا – تنمويا وستراتيجيا يمكنها أن تجعل العراق قوة إقليمية محورية بحق . ضمن هذا السياق وطالما لم تتحسن أوضاع العراق المادية والبشرية بصورة تنعكس جذريا على نوعية الحياة للفرد العراقي فإن الآمال الكبرى لن يتاح لها أن تستدام خاصة وإن سبق لها أن تبددت منذ بداية خمسينيات القرن الماضي باستثناء فترات استثنائية . حالة أنعكست في كلمات معبرة وردت على لسان اللورد البريطاني سالتر Lord Salter في تقريره عن حالة التنمية في العراق Development of Iraq”": "إن منح العراق إدارة حكيمة ، سلاما واستقرارا سيمكنه من أن يحقق تقدما ينعكس (إيجابا) على حالتي الرخاء الوطني national prosperity والرفاه العام General Individual Welfare للفرد العراقي والتي بمجملها لايوازيها حالة عرفت في تاريخ العالم". الكاتب جلال أمين في كتابه الشهير تحت عنوان فريد ومهم بذات الوقت : The Modernization of Poverty (تحديث الفقر) أشار إلى مرحلة أساسية بنائية بين 1946 – 64 مرت بها كلا من الدول المنتجة للنفط و دول ترانزيت النفط العربية Oil – transit Arab countries إذ استلمت (باستثاء السودان) أكثر من 13$ بليون دولار من عوائد النفط ، إضافة إلى مايقارب 2.5 $ بليون دولار بصورة أجور ومبيعات محلية من شركات النفط. علماً بإن جميع هذه الدول سبق وأن استلمت مبالغ أخرى تعد مساعدات مالية ليس فقط من الدول الحليفة أو الشريكة لها في برامجها التنموية بل ومن قبل شركات النفط العاملة في أراضيها التي تعد الأكبر نسبيا من أي جهة دولية مصدرها "جيوسياسي – اقتصادي" . إحدى أشكالات الانظمة السياسية المتعاقبة على العراق تمثل باستمرارها الاعتماد الكبير على موازنات مالية سنوية تستمدها من موارد النفط أولا والغاز الطبيعي ثانيا دون بذل أي جهد حقيقي لتنويع مصادر الطاقة والدخل ما أضعف كثيرا من محركات وفاعلية الاقتصاد العراقي إلى درجة جعلت قوى الجوار الاقليمي والدولي (القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة) تلعب أدوارا حاسمة في تقرير مستقبل البلاد سياسياً - إقتصاديا – ماليا. صحيح إن الظروف الأمنية – العسكرية لمواجهة ارهاب داعش واحتلاله مساحات واسعة من العراق تطلبت أن يساند العراق ليس فقط في الإطار الاقليمي بل والدولي في معركته ضد داعش إلا أن مرحلة مابعد داعش تستدعي مزيداً من اليقظة والاهتمام بإيقاف حالة التدهور الاقتصادي – المالي – الاجتماعي – القيمي بهدف حماية الشعب العراقي كله من تداعيات انتشار حلقات او مسلسل الفقر الذي وجد انتعاشاً واسعاً له من خلال انتشار حالات أو أوضاع الفساد المستشري على مختلف مستويات وهياكل ومؤسسات الدولة العراقية خاصة وإن عدم التوزيع العادل للدخل وسوء تنفيذ الخطط ، السياسات ، والستراتيجيات الاقتصادية أسفر عن تدهور مجتمعي واضح ماديا – اقتصاديا .الأكثر أهمية لمستقبل بلادنا مسألة التدهور "المعنوي القيمي-الأخلاقي" من خلال إستمرار حالة المحاصصة بصورها وأشكالها المختلفة التي وإن تنوعت صورها شكلا ومضمونا إلا إنها تنعكس بالضرورة سلبا على حالة الفرد "المواطن" العراقي. من الأرقام الجديرة بالانتباه توقعات متباينة بين إنخفاض وارتفاع لمعدلات الفقر بدءاً من الانخفاض المتوقع من 19 % في عام 2012 إلى 15 % في عام 2014 (عام إحتلال مدينة الموصل العريقة) ومن ثم الارتفاع الملحوظ منذ 2014 إلى 23 % وهي نسبة كبيرة يذهب البعض إلى تأكيدها بل ورفعها إلى معدلات تصل تقديراتها إلى 30 % أو أكثر. أرقام أخرى في ذات السياق أشارت إلى إزدياد معدلات الفقر في شمالي العراق – كردستان - من 3.5 % إلى 12.5 % التي ترجع معظمها لحالات موجات النزوح المتصاعدة ما أسفر عنه عدم تراجع حقيقي في معدلات الفقر نظرا لغياب الاستقطاب البشري للعمالة المؤهلة. رقم أخر مذهل سجلته المحافظات الغربية التي عانت ما عانت من ويلات احتلال داعش حيث وصل معدل الفقر فيها إلى رقم عال هو 41.2 % . هذا وبرغم الاستقرار الامني في محافظات جنوب العراق إلا التقديرات تشير الى أن نسبة الفقر وصلت هي الأخرى إلى أكثر من 30 %. أخيراً لابد عند الحديث عن تشكل استراتيجية فاعلة ومؤثرة لمكافحة الفقر أن ينظر للموضوع من خلال النظرة الكلية الجيوسياسية – الاقتصادية الشاملة التي تنتظر وضع حلول عملية وعلمية جذرية ناجعة تسهم في النهاية بتقليص حقيقي لمساحة الفقر. إن التطبيق الحقيقي والمسؤول لستراتيجية تقليص الفقر ليست بالعمل السهل ، نقطة البدء فيه تنفيذ حازم لكافة الاجراءات و السياسات التي تقودنا إلى الانتقال من حالات الفقر غير المبرر بل والمسيء للعراق وللعراقيين إلى حالات الرفاه والتنمية . مايزيد موضوعنا تعقيدا وشمولية أنه مرتبط ليس فقط بمعرفة جذور المشكلة بل بمتابعة جهود الخبراء والمتخصصيين لكافة التطورات والنزاعات خاصة الأمنية – العسكرية وغيرها على المستوىين الإقليمي والعالميِ. إن مرحلة البناء في مابعد داعش تنتظر من الحكومة العراقية تخصيص الجهد ، المال والموارد البشرية المتخصصة والمناسبة وفي ظل إرادة سياسية فاعلة بهدف تفعيل مشروعات تنموية – إنسانية تستقطب العمالة العراقية المؤهلة وغير المؤهلة وليس مجرد برامج محدودة الأثر للحماية الاجتماعية مهمة ولكنها ليست كافية .. 
إن عدم نجاح الخطة السنوية للإصلاح التنموي سينتج عنه مزيدا من تصارع الفئات الشعبية واستمرار عدم السلم المجتمعي .. الخطوة الأولى في سباق المليون ميل تتمثل بالنجاح في تخفيض أو تقليص مساحة الفقر إلى 25% بحلول 2022 وهي نسبة من الصعب تحققها في المدين القريب والمتوسط. الستراتيجية التي نرنو لها يفترض لها أن تحقق عدد من المتطلبات المحورية : 
أولا تحسين مستوى ونوعية الحياة الاجتماعية للمواطنين العراقيين جميعا، 
ثانيا : الحماية ضد المخاطر ومكامن المجازفات، 
ثالثا وأخيرا: تحقق التمكين الاقتصادي والمجتمعي والثقافي والتعليمي كي يتحول الفقراء إلى قوة إنتاجية بالإمكان إدماجها مجتمعيا واقتصاديا في العراق مسألة غير متيقن من إنجازها وفقا لمراحل زمنية محددة أوقاطعة في إطار الرؤية 2030 الستراتيجية للعراق دون توفر إرادة سياسية فاعلة.
 نقلا عن صحيفة "المدى"

البوم الصور