عناوین:

جريدة البدائع من التراث الصحفي الهزلي البغدادي في بداية العهد الملكي

6/14/2019 8:13:50 PM
1939 مشاهدة
طارق حرب
+ -

شهدت بغداد سنة 1923م صدور عدد من الجرائد والمجلات منها جرائد بابل والبدائع وجحا الرومي وشط العرب والعراق المسائي والغربال ومجلات ليلى والخزانة والحقوق اذ من البديهيات والمشهورات في الجرائد بشكل عام وجرائد تلك الفترة في بغداد خاصة أن تكون للسخرية والفكاهة والهزل والظرف والازدراء الذي يجلب الضحك والابتسام باب من الابواب في كل جريدة بحيث لا يمكن لأية جريدة الاستغناء عن هذه المسائل لا بل كثرت الجرائد المتخصصة بهذه المسائل بحيث يكون عرض جميع المسائل الاجتماعية والسياسية والدينية والاخلاقية والعادات والاداريات والمواضيع والحكومة بأسلوب هزلي ضاحك وهي تحمل في طياتها النقد لكل ما تقدم ومن هذا الضرب من الجرائد جريدة البدائع.
واذا كنا نتعجب من اسم هذه الجريدة وهو البدائع الذي يماثل الروائع دون أن يكون اسم هذه الجريدة العجائب أو للغرائب اذ لا يستقيم اسم الجريدة مع مهمتها الهزلية الناقدة اللهم الا اذا كان صاحبها يقصد بأن ما يقدم في الجريدة من البدائع ولكن ذلك تفسير بعيد لذا أهتمت هذه الجريدة بالمواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكانت تهاجم الاوضاع السلبية في المجتمع وتدعو الى محاربة السلوك المنحرف الذي درج عليه البعض واخذت على نفسها أن تكون عينا ترصد الظواهر الاجتماعية فنراها تارة تذهب الى مقاهي القمار وأخرى رقيبا على العمل البلدي وفي كل ما تنشره وتقدمه للقارئ النصائح والتوصيات والارشادات بما تراه يمكن أن يكون دواء للعلل الاجتماعية منها كثرة ارتياد دور الغانيات والراقصات والملاهي ومجالسة أصدقاء ما يسمى بالسوء ولم تعتزل هذه الجريدة المواضيع الثقافية والمعرفية والعلمية والادبية اذ غالبا ما تنشر القصص المحلية والاجنبية بعد ترجمتها كما ان الكثير من الشعر يكون بضاعة لهذه الجريدة.
عنوان هذه الجريدة أدبية اجتماعية فكاهية صدرت في 1923/9/30 في بغداد وكان صاحبها داود العجيل وتصدر مرتين في الاسبوع أي لا هي بالجريدة اليومية ولا هي بالجريدة الاسبوعية وبأربع صفحات وحددت أفتتاحيتها الاولى اسباب اصدارها فقالت: ان الفراغ الواقع اليوم في صحافتنا بخلوها من صحيفة هزلية راقية تنتقد العادات وتهذب النفوس وتزيل الهموم والكروب بلباقة ورشاقة في التفكه والتسلية دفعنا الى انشاء هذه الصحيفة التي نقدمها بين أيدي القراء الكرام وستكون عاملا قويا في تغيير العقيدة السائدة بأن الجرائد الهزلية ليست الا وسيلة لنهش الاعراض وهتك الحرمات ونبش الدفائن وايغار الصدور ومن هذه المقالة نحدد مسلك هذه الجريدة وسبيلها ومقصدها وهدفها وخاصة من اللوم في بعض الجرائد البغدادية الساخرة التي كانت وسيلة لنهش الاعراض كما تقول المقالة الافتتاحية ويصف جريدته بأنها هزلية راقية وكأن هنالك هزل راقي وهزل وضيع وما نعلم ما هو الفرق بينهما وعرج على العادات فوصف جريدته بأنها ستنتقد العادات هكذا بشكل مطلق شامل لا يفرق بين العادات الحسنة والعادات القبيحة التي ستكون موضعا للنقد ويذهب المقال الافتتاحي الى أكثر من ذلك عندما يقول ان الجريدة ستكون عاملا قويا في تغيير العقيدة ولا نعلم هل ان العقيدة مقصود بها الدينية أم الاخلاقية أم الاجتماعية وفي جميع الاحوال يبدو ان المقالة الافتتاحية دللت على بساطة وتواضع مفهوم وثقافة العاملين بهذه الجريدة.
وفي تحديد خطة الجريدة نرى العدد الاول يقول بأنهم في الجريدة سينشرون كل ما يفيد ويسلي ويهذب وينشط وسوف لن يكتفى بنشر ما تجود به قرائح كتاب الجريدة والفضلاء في المواضيع الهزلية وانما ذكر بأنهم في الجريدة سوف يقتبسون كل ما رق من اللطائف والانتقادات الدقيقة المغزى التي تنشرها الصحف الهزلية المعروفة في عالم الصحافة العربية اذا كان لا يمس الاخلاق بل الذي سيكون مدعاة لتوطيد دعائم الاخلاق وتثبيت أركانها وترسيخ بنيانها وسوف تصدر الجريدة لاحقاً برسوم كارتونية هزلية بديعة مضحكة ذات مغاز أدبية ونكت نادرة وفكاهات رقيقة نداعب بها الجماعات والافراد مع ملاحظة اننا استبدلنا الكثير من الكلمات والعبارات التي وردت بالجريدة كي تستقيم مع مستلزمات اللغة والكتابة اذ صحيح انها هزلية ولكن روح السخرية والضحك تبدأ من العدد الاول الذي كان من اللازم أن يتم الاعتناء به لغويا وواقعياً.
ونظراً لكثرة صدور أوامر بتعطل الجريدة لمدد مختلفة وبعد آخر تعطيل لها ومعاودة الاصدار نهاية سنة 1925م نجد في افتتاحيتها بالعدد 128 أسباب التعطيل ومعاودة الصدور حيث يقول المقال الافتتاحي( في بلاد كبلادنا حديثة في كل شأن من شؤون الحياة ومرفق من مرافق العمران لا تسلم الحرية الفكرية أحياناً من صدمات تصدمها وعقبات تقف في طريقها وهذه الحرية الفكرية هي المشعل الوضاء الذي تسير على نوره الأمم وتمشي في ضيائه الشعوب ... أقفلت البدائع منذ بضعة أشهر وليست هي بالجريدة الوحيدة التي أقفلت في سبيل الحرية وفي سبيل خدمة الوطنية....... فقد قوبلت بالاغلاق خمس مرات وما زادها ذلك الا ثباتاً في خطتها واستبسالا في خدمة الوطن وانعطافاً على بث مبادئها العالية) وهذه المساغات التي أوردتها الجريدة كسبب للغلق هي عموميات وليست الاسباب الحقيقيه كأن تحدد لنا المقال أو التعليق أو الصوره وما هو الموضوع ومن المقصود والاشخاص اسباب العلاقة.
وقد تعددت الابواب الثابتة والزوايا في الجريدة منها سرور وأفراح وآلام وأحزان ولطائف الزمر ومن أبدع البدائع وشيخ ( ادعيچ) وأبو الشمقمق وصندوق عجائب الفارس الجوال وغمزات ودغدغات وغيرها وخصصت الجريدة ركناً للاخبار من سفر الشخصيات السياسية وعودتها وتعيين الموظفين ونقلهم ومتابعة جولات بعض ذوي الجاه وفكاهات متفرقة ونوادر ساخرة ولكن كل ذلك لم يكن دائمياً ولم يظهر الكارتير الرسم في الجريدة بسبب صعوبات تقنية على ما يبدو وخلت الجريدة من الصور الفوتغرافية وتبقى ميزتها في طغيان روح النقد والسخرية على جميع ما يكتب فيها ولكنها لم تكن بالجريده المتميزة عن الجرائد في تلك الفترة ومما أثقل عليها اسلوب اخراجها الذي لا يتناسب مع اخراج الجريدة وكذلك طغيان العامية في لغتها وكثرة توقيع المواضيع بأسماء وهمية مستعارة لكنها تبقى جزءا من الصحافة الهزلية البغدادية في العهد الملكي ومن التراث الصحفي البغدادي.

البوم الصور