عناوین:

العراق: خرافة الأغلبية السياسية ثانية!

PM:04:43:22/10/2021
1172 مشاهدة
يحيى الكبيسي
+ -

منذ انتخابات عام 2010، دأبت بعض القوى السياسية العراقية على إحياء فكرة الأغلبية السياسية، وإعادة سردها على الجمهور قبل وبعد كل دورة انتخابية لمجلس النواب، مع إدراك الجميع أن هذه الفكرة هي مجرد خرافة تستدعى من آجل الضغط، ووسيلة لإعادة رسم التحالفات ذات الطبيعة الهوياتية!
في أوج الصراع الطائفي في العراق سنة 2009، أطلق رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي هذه الفكرة / الخرافة لتكون جزءا من البرنامج السياسي لتحالف دولة القانون الذي عرفها بالقول «أن يتولى رئيس مجلس الوزراء المقبل مسؤولية تشكيل حكومته بما يضمن انسجام أعضائها على أساس المهنية والكفاءة بعيدا عن المحاصصة»!
في الوقت نفسه تضمن البرنامج السياسي للائتلاف الوطني العراقي المكون آنذاك، من المجلس الأعلى والتيار الصدري، إشارة صريحة إلى فكرة الأغلبية السياسية، وعرفها بأنها الديمقراطية «التي تفرزها صناديق الاقتراع والتي تقوم على أساس المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي، وليست الديمقراطية التوافقية التي أنتجت المحاصصة»!
لكن التحالفين نسيا سريعا هذه الخرافة بعد الانتخابات، وعمدا إلى التحالف معا لإنتاج الكتلة الشيعية الأكثر عددا لضمان الحصول على منصب رئيس مجلس الوزراء، بعد قرار المحكمة الاتحادية المسيس والخاص بتعريف هذه الكتلة! لتأتي الحكومة اللاحقة التي شكلها المالكي، وشارك فيها الصدريون بقوة (حصلوا على ضعف حصتهم من الوزارات في مقابل القبول بولاية ثانية للسيد المالكي) في هيئة حكومة محاصصة نموذجية بعيدة تماما عن خرافة الأغلبية السياسية التي نظر لها المالكي!
وقبل انتخابات عام 2014 أعاد المالكي مرة أخرى خطابه حول الأغلبية السياسية، عندما تحدث في مؤتمر صحافي عن وجود تفاهمات تفوق النصف زائد واحد لتشكيل حكومة أغلبية ونبذ مبدأ حكومة المحاصصة! ولكن الحكومة التي تشكلت لاحقا لم تختلف قيد شعرة عن حكومات المحاصصة السابقة لها!
وحضر مفهوم الأغلبية السياسية أيضا عام 2018 حين تحدث السيد المالكي عن حكومة أغلبية سياسية ستتشكل بعد الانتخابات، وتحدث السيد عمار الحكيم، بعد انشقاقه عن المجلس الأعلى، عن ضرورة تشكيل حكومة «أغلبية وطنية» والعبارة هنا تنويع على عبارة الأغلبية السياسية! ولقد شهدت الانتخابات سباقا حقيقيا بين تحالفي الفتح وسائرون لتجميع حلفاء في سياق ما أُطلق عليه تحالفا البناء والإصلاح، من أجل تشكيل الكتلة الأكثر عددا التي ستحكم وفق خرافة الأغلبية السياسية! لكن هذه السباق انتهى إلى صفقة ثنائية بين تحالفي الفتح وسائرون بعيدا عن خرافة الأغلبية السياسية، لتتشكل حكومة السيد عادل عبد المهدي وفق المحاصصة نفسها التي يصر عليها الجميع سلوكا وينكرونها خطابا!
يقول عالم السياسة الهولندي أرند ليبهارت أنه في الدول التعددية لا بديل عن الديمقراطية التوافقية سوى انعدام الديمقراطية تماما. ومفهوم التمثيل النسبي، الذي يقابله تعبير «المحاصصة» الشعبوي، هو مبدأ أساسي في هكذا ديمقراطيات. وبدلا من الاعتراف بذلك، يلجأ الفاعلون السياسيون العراقيون إلى التلاعب بالكلمات للتحايل على واقع هم من كرسه من الأصل، وهم من يصر على استمراره!
فالحديث عن خرافة الأغلبية السياسية لا يعني لدى مطلقيه سوى «تقنين» هذا التمثيل النسبي وفقا لخيارات الفاعل الأقوى! لأن الجميع يدرك تماما أن الأغلبية السياسية لن تتخلى عن «تمثيل» المكونات داخل الحكومة وفقا للمعادلة التي حكمت تشكيل جميع الحكومات السابقة، لكن الخلاف هنا أن هذا «التمثيل» لن يكون شاملا للجميع، بل سيقتصر على حلفاء محددين من القوى الهوياتية! فبدلا من توزيع الوزارات الشيعية على جميع القوى الشيعية الرئيسية الممثلة في البرلمان، توزعُ على الطرف أو الأطراف الشيعية المشكلة لهذا التحالف! وبدلا من توزيع الوزارات السنية الست على جميع القوى السنية الممثلة في البرلمان، تُمنحُ لأطراف محددة ضمن التحالف الذي شكل حكومة الأغلبية السياسية المفترضة! وهكذا بالنسبة للوزارات للكردية، فبدلا من تقاسمها بين الحزبين الكرديين الرئيسيين كما جرت العادة خلال سنوات ما بعد 2003، سيتم منحها لجهة واحدة! وستكون هذه القوى نفسها قد حصلت على موقعها في احد الرئاسات الثلاثة أيضا!
وينسى مطلقو هذه الخرافة أنه في بلد مثل العراق تقوم جميع أحزابه الرئيسية على أساس هوياتي بحت، ديني أو قومي أو مذهبي، وفي بلد يعيش انقساما اجتماعيا حادا، وصراعا سياسيا أشد حدة، وفي بلد يقوم نظامه السياسي على مبادئ طائفية صريحة، سيكون من العبث الحديث عن تحالفات عبر هوياتية حقيقية يمكنها أن تشكل حكومة أغلبية سياسية، في مقابل تحالفات عبر هوياتية أخرى يمكنها أن تشكل معارضة، فهكذا تحالفات عبر هوياتية متوهمة، ستسقط مع أول اختبار يتعلق بمصالح هوياتية (موضوع الحشد شيعيا مثلا ،وموضوع التغيير الديمغرافي سنيا، وموضوع المناطق المتنازع عليها كرديا) وتأخذ الاصطفافات الهوياتية شكلها الطبيعي!
وفي دولة ريعية مثل العراق، وفساد بنيوي شامل، واستثمار صريح في المال العام، وحاجة مستمرة إلى استخدام ثنائية المال/ السلطة من أجل إدامة السياسات الزبائنية الحاكمة، فإن الصراع لا يتعلق بالسياسة فقط، وإنما يتعلق بالموارد أيضا، وبالتالي لن يقبل أحد ان يكون خارج إطار السلطة لأنه سيفقد في النهاية قدرته على البقاء من الأصل!
ويعد دخول السلاح بعد عام 2014، بوصفه فاعلا في علاقات القوة، المتغير الأخطر، وبالتالي لم تعد السياسة وحدها هي الحاكم هنا، ولن يقبل حملة السلاح أن يكونوا خارج إطار السلطة، او أن يلعبوا دور المعارضة المفترض، فالسلاح من دون سلطة سيفقد قوته وجدواه مع الوقت، لاسيما مع قدرة الآخرين القابضين على السلطة، على تحجيم موارد هؤلاء من المال العام!
في النهاية لا يمكن التعاطي مع خرافة الأغلبية السياسية التي يتم سردها اليوم أيضا، سوى على أنها نوع من الفولكلور السياسي الذي تفرضه مناسبة الانتخابات!

البوم الصور