عناوین:

((عن النجف وصدام وشارع الجواهري))

12/13/2018 9:55:29 AM
3628 مشاهدة
فارس حرام
+ -

مرة أخرى تستفيق النجف على النقاش نفسه، الذي أصبح مكررا وربما حتى مملا، نقاش حول الشباب والحريات الشخصية، حول التربية والآداب العامة وقدسية المدينة وتقاليد المجتمع والقيم والأخلاق.
وقد جاءت هذه المرة قصة جديدة تفتح الأبواب- كأي مرة - أمام هذا النقاش، تتعلق الآن بالملابس وقصات الشعر‪وتجميل.‬  الوجوه‪،‬
‬‬‫ولعل أكثر الأشياء التي استدعتني لكتابة هذا المنشور، هو شعوري بالغثيان وأنا أقرأ المنشورات والتعليقات التحريضية ضد الشباب، التي يكتبها رجال ونساء وشباب، هبوا هبة رجل واحد ضد "الخطر" الذي يهددنا، والقادم من شارع الجواهري (المسمى إصرارا بـ"شارع الروان")، ووقفت النجف على قدم واحدة تطالب بالضرب بيد من حديد، تأييدا لحملة الاعتقالات التعسفية التي طالت عددا من الشباب قبل أيام، وبقيت شعرة ربما أمام خروج الجماهير الغاضبة إلى ساحات التظاهر، لكي تتغير بوصلة الاحتجاج من المطالبة بإسقاط طبقة سياسية فاسدة أفقرتنا ودمرتنا إلى المطالبة باعتقال مجموعة شباب "فاسدين" بحسب وصف كثير من المنشورات.‬
‬أشعر بالغثيان والرغبة بالتقيوء وأنا أشاهد كمية الدعوات التي يلهج بها كثير من النجفيين، جمهورا عاما وأكاديميين ومثقفين وإعلاميين وناشطين لاستخدام ذراع "الشرطة" لمكافحة ظاهرة اجتماعية لا يرضون عنها! لا بل قرأت عبارات تطالب حتى بقتلهم أو إعدامهم! وكأن الدول التي جربت "حل الشرطة والقمع" قد نجحت بالقضاء على ظواهرها الاجتماعية المستفحلة! بينما الحقيقة أنها أصبحت تتوسع أكثر، بل تتنوع وتتدفق تحت أقدام السلطات وأقدام المجتمع، لتزيد بعد ذلك أضعافا.‬
‬أشعر بالغثيان والرغبة بالتقيوء وأنا أشاهد النقاش في الفيسبوك يتحول من البحث في أصول الظاهرة والسبل الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لمعالجتها.. إلى نقاش حول قائد الشرطة، وحول مجلس المحافظة والمحافظ الحاليّ والمحافظ السابق، ومن المخطئ والمصيب، وكيف حاول مجموعة شباب سرقة بيت أحد المواطنين والاعتداء على أسرته، و"لماذا قرار غلق الكافيهات منذ سنة 2011 وتم تطبيقه الآن"، و"لماذا هذه هنا وتلك هناك".. إلى آخر ذلك. في حين تركنا أصل المشكلة وأساسها وهي أن المجتمع نفسه لا يثق بقدرته على مواجهة الظواهر المستجدة، ولهذا أصبح يحب العودة إلى الدكتاتورية، كي تقضي نيابةً عنه على ما لا يروق له. وأرجوكم: لا يقل أحد منكم: "كلا". ليجلس أحدكم في سيارة "كيا" أو في مسطر عمال أو في مسجد أو مضيف عشيرة أو حتى لينضمّ إلى نقاش مع بعض الأكاديميين والمثقفين، واسمعوا إلى الحنين المتصاعد لأيام صدام، تحت شعار "ماكو أمان وماكو مؤسسات". بعد أن نفض الشعب يديه من "ديمقراطية" ما بعد 2003 الفاسدة المنخورة، كسولاً (إلا ما ندر) ينتظر المعجزات.
نعم، بعض النجفيين الآن يدعون الشرطة إلى النزول إلى الشارع ويطلبون منها اعتقال كل من تسول له نفسه من الشباب بارتداء زي خاص، أو إطالة شعر، أو التزين أو حتى التشبه بالنساء. أكرر: "يطلبون الاعتقال" ولا أقول يقدمون شكوى أصولية في المحكمة بخصوص أي اعتداء جرى على حياتهم أو ممتلكاتهم، فهذا من حقهم طبعا، لكنني أتكلم عمن يطالبون في الفيسبوك ويحرضون ويعبئون القوى الأمنية والمحافظة ومجلس المحافظة لاتخاذ مزيد من الخطوات العرفية لا القانونية "لحماية النجف" مما يرونه خطرا أخلاقيا. وبمعنى أدق يقولون للسلطة: "من فضلكم، أعيدونا لأيّام صدام"، تلك التي كان فيها مفوّض الشرطة يعتقل في الشارع أي شخص لا يعجبه.‬
مهلا .. مهلا.. أعرف أن بعض القراء المخالفين لرأيي قد استعدوا الآن لشن هجومهم بمجرد وصولهم في القراءة إلى الجملة السابقة، وأن السؤال الذي يملؤهم في هذه الحظة هو: "ما علاقة تأديب الشباب بالعودة لأيام صدام؟"، ومنهم من يقول: "والله لو عرفت ماذا يفعل هؤلاء الشباب الذين تدافع عنهم لما كتبت هذا المنشور" ومنهم من يقول: "أتحداك أن تسير مع أسرتك في شارع الجواهري" وآخر يقول: "بشرفك هل هذه هي النجف؟ هل هؤلاء هم شبابها؟"..
‬والآن دعوني أفكك أهم هذه الاعتراضات والرد عليها الآن قبل أن تكتبوها في التعليقات:‬
‬١- كل من يعرفني عن كثب يعرف أنني لست مع أي ممارسة تستفز المدينة ومجتمعها، سواء أ كانت باللبس أو الفعل أو الكتابة. ولكن في الوقت نفسه لست مع مواجهتها أو الرد عليها بالقمع المباشر والاعتقال!‬
‬٢- علينا أن نكون صريحين ونزيهين في النقاش، ولنعترف أن كل من يعتقد أنّ المجتمع النجفي مجتمع قوي ومتماسك ضد "الخطر الأخلاقي" فهو واهم. هو مجتمع هش وضعيف (مع احترامنا لقلة غير مؤثرة من أصواته الشريفة والشجاعة). ولهذه الهشاشة والضعف علامات كثيرة، أبرزها أنه مجتمع يذعن منذ 2003 لمسؤولين مارسوا معه نهبا منظما لخيرات المحافظة وموازناتها وإفسادا مباشرا لشباب النجف وبناتها، والمجتمع النجفي (إلا من رحم ربي) مكتفٍ بالتفرج عليهم، لا، بل يفتح لهم أبواب البيوت، ويفسح لهم عن صدور المجالس، ويمسك بأيديهم ويدعو لهم بالتوفيق! وهذا كلّه يجري في وقتٍ أغلق عنهم المرجع الكبير الإمام السيستاني بابه، وأشاح بوجهه عنهم! فعن أي قوة وتماسك نتكلم في مجتمع كهذا؟ هو مجتمع لا يتوحد ضد المخاطر الكبرى لأنه يخاف منها، ولكنه يتوحد ضد الظواهر الجزئية والفرديّة والطارئة والعابرة، ويجد فيها ضالته للتعويض والتمويه عن عجزه التاريخي الكبير!، وبالأخص حين يكون هذا "الخطر" مصدره الشباب لأنهم بالميزان الاجتماعي التقليدي "أضعف حلقة".
٣- لست أيضا - وبشكل قطعي - مع تحول الشباب إلى مجرد ماكنة أزياء وتبرج وتخنث، بل أنا مع تحولهم إلى طاقة إيجابية تسهم بتغيير وضعنا المزري وتحمي قيمنا الأساسية في العيش والكرامة.، فالشباب الذين حرروا أرض العراق من خطر داعش، ومن استمروا في مدنهم يعملون ويكدّون بشرف لإعالة أُسرهم، ومن بقوا في قاعات الدراسة مكافحين أصعب الظروف والتحديات ونجحوا وتخرجوا.. هؤلاء هم من يبني العراق ومن نعول عليهم. لكن هل هذا يعني أن نتخلى عن الشباب الآخرين الذين أفرزتهم مطحنة العراق الكبرى؟ فولدوا مشردين أو معوزين أو معالين في بيوت ليس لهم فيها آباء أو أمهات وأصبحوا بعدها غرباء عنا؟ هل نترك أولئك الذين اختلطوا بالشارع منذ السابعة أو السادسة من أعمارهم، مشتغلين في مهنٍ يندى لها جبين الإنسانية؟ ماذا سيعلمهم السوق؟ وأي سوق؟ سوقنا الذي يندر فيه الأمان وصدق السريرة؟
ماذا تتوقعون ممن ينشأ في بيت يرى فيه أباه ينهال على أمه ضربا لأنها ناقشته في شيء؟ أو يرى أمه مشغولة عنه بالمسلسلات والطلعات؟ أو يرى عشيرته تقيم الولائم لفاسدين سبق أن سمع عشيرته نفسها تتكلم عنهم بالسب والشتم؟ ماذا تتوقعون ممن ينشأ في مجتمع يجمع كثير من أغنيائه المال بالربا الحرام ثم يقيمون مواكب العزاء الحسيني كأنهم من أصحاب أبي عبد الله (ع)؟
كم من شابٍ أراد أن يتكلّم أمام أبيه وإخوانه فقيل له "انچب بعدك متفتهم"، وأراد أن يبادر فقيل له "هو هذا اللي گدرت عليه؟"... وحين أحب ابنة جيرانه وأراد زواجها على سنة الله ورسوله جاءه إخوانها وهددوه؟... وحين أراد أن يعمل وجد رب عمله يعامله كعبد؟... كم من شاب يسخر منه الشباب أنفسهم لمجرد أنه "خجول" أو "متربي"، ولا يفارقونه إلا وروحه مملوءة جروحاً منهم؟... وكم من شاب امتلأت نفسه حرقةً لأنه لا يستطيع شراء بنطلون جديد يذهب به إلى عرس صديقه؟ وكم من شاب دمرت حياته البطالة؟... أتعرفون البطالة؟ أتعرفون الفقر؟ من قتل بهما الشباب؟ هل هم الشباب؟
وكم؟ وكم؟ وكم؟
كلّ هذه وغيرها "آلة إنتاج" لظواهر اجتماعية يخاف منها المجتمع، كالجريمة والمخدرات والاغتصاب والتحرّش الجنسي والمثلية والخنوثة وغيرها. وللعلم، ليس كل واحد يتحمل ويتحدى ظروفه، منا من يعبر القنطرة وينجو، ومنا من يسقط.
٤- لهذا أنا أشمئز من قراءة منشورات وتعليقات تنهال على شباب شارع الجواهري بروح الانتقام حين رأوا الشرطة تعتقلهم بتعسف، وخلطوا بين الشاب الذي يخالف السائد بلبسه وشكله، وبين أولئك الذين يعتدون على الناس (تحرشاً بالنساء أو محاولاتٍ للسرقة) وحقّهم العقوبة الرادعة المنصوص عليها في القانون العراقيّ، فهذا القانون لم يترك أيّ تفصيلة (حتى المسبّة والبصقة حاشاكم) إلا ووضع لها عقوبتها. فلماذا هذه الهجمة والخلط بين البريء والمعتدي؟ لماذا هذا التشجيع العجيب لاعتقال كل شاب مختلف بلبسه وشكله على أنه يمثل خطرا داهما. يعني انتهت اخطار العراق كلها وبقي هؤلاء؟
٥- يا إخوان المجتمعات تحمي نفسها بنفسها، ولا تطلب فيما يتعلق بالزيّ والشكل مساعدة الشرطة، فذلك شيء يحدث فقط في الدول الدكتاتوريّة، كنظام صدّام. مجتمعنا يحتاج فقط جرعة كبيرة للشجاعة ليثق بنفسه، ليعالج قضايا الحرية الشخصية بوسائل الأقوياء لا الضعفاء. وأهم عنصر عند المجتمع القويّ أنه يثق بقوة تراثه وشخصيته التاريخية على الحفاظ على المجرى العام للمجتمع، مهما طرأت طوارئ أو استجدت ظواهر، وكلّنا يعلم أن مرحلة المراهقة قصيرة، سرعان ما يعود بعدها الشاب إلى رشده إذا أحسن مجتمعه التعامل معه، أما إذا أخافه المجتمع وأرعبه وشن حملة عليه لأنه فقط غيّر تسريحة شعره أو لبس أشياء مغايرة فإنه ربما سيتمادى أكثر كما يقول علم النفس، ويتحول كثير منهم من فرد أراد التميّز فقط باللبس والشكل، إلى متمرد حاقد على المجتمع، أو مجرم.
المجتمعات القوية تترك ما يتعلق بالزيّ والشكل وبعض الممارسات الشخصية لحرية الفرد من الناحية القانونيّة، لكنها في المقابل تمارس مع الشيء الذي لا يعجبها "عزلاً اجتماعياً" يديره العُرف السائد، فمثلاً يطلب الأب من أبنه عدم مصاحبة ذاك الشاب لأن شكله أو كلامه يدل على أنه كذا، أو يقوم أقرانه في المنطقة بانتقاده، أو يستمع لخطبة دينية فيتغير تفكيره بعدها، أو يقرأ كتاباً يحوّل مجرى حياته، أو يحضر احتفالاً يرى فيه اهتمام الناس بالأشخاص الوقورين فيتعلم الوقار.. وهكذا. المجتمعات تقوم بحماية نفسها بنفسها في مثل هذه الشؤون ولا تطلب من الشرطة المساعدة.
المجتمع الذي يطلب من الشرطة المساعدة ويحييها لمكافحة زي معين أو شكل معين هو مجتمع ضعيف أيها السادة، ضعيف وهش.

 

البوم الصور