عناوین:

موسكو طهران دمشق.. الثابت الجغرافي والمتحول السياسي

3/23/2019 6:58:01 PM
1938 مشاهدة
مصطفى فحص
+ -

تواجه روسيا، المنتصرة عسكريا في سوريا، صعوبة حقيقية في الملائمة بين مصالح حلفائها في سوريا ومحاولاتهم فرض اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية لحماية نظام مصالحهم المعقدة، والأطراف التي فرضت وجودها على خارطة النزاع السوري والتي تنظم هي أيضا علاقتها المتباينة مع موسكو. خصوصا أن مصالح حلفاء موسكو تختلف في أولوياتها وأهدافها بين الأطراف المشاركة في الحرب على الثورة السورية، وقد بدأت تظهر تناقضاتها إلى العلن في القضايا التكتيكية بالرغم من توافقها الكامل والمتين استراتيجيا.
ففي لحظة إعادة خلط الأوراق السياسية في المنطقة استدعت إيران حراس ممراتها من طهران إلى بيروت، إذ شهدت دمشق اجتماعا لرؤساء أركان الجيوش الإيرانية السورية والعراقية بهدف إحكام السيطرة على الانتقال البري بين العراق وسوريا والذي يعتبر الشريان الحيوي الذي يربط طهران بمناطق نفوذها، ويفرض التأكيد على أنها ما زالت تحكم قبضتها على هذا الممر على موسكو عدم التقليل من أهمية الدور الإيراني في سوريا، بالرغم من بعض الأصوات التي اعتبرت أن اللقاء الثلاثي جرى بعيدا عن أنظار موسكو وهو ما يعزز فكرة صراع النفوذ بينهما، ولهذا اضطر وزير الدفاع الروسي القيام بزيارة خاطفة للأسد لتذكيره بدور روسيا في الحفاظ على النظام.
بالرغم من التباينات التكتيكية بين روسيا وإيران في سوريا، إلا أن موسكو تولي أهمية قصوى لعلاقتها بطهران باعتبارها شريكا حيويا في منطقة جيو-استراتيجية بالغة الحساسية، جعلت من طهران أحد أبرز ثوابت سياسات موسكو الإقليمية التي تؤثر على الاستقرار الدولي. فنظام المصالح المشتركة بين موسكو وطهران يمتد من آسيا الوسطى حتى حوض البحر المتوسط. موسكو تعتبر هذه المنطقة جزءا من المجال الحيوي السوفييتي الممتد من الفضاء الإسلامي جنوبي روسيا حتى المياه الدافئة في البحر المتوسط، والتي كانت وما زالت جوهرة الطموحات الإمبراطورية الروسية من بطرس الأكبر إلى فلاديمير بوتين.
هذه النظرة الروسية جعلت من الجغرافيا الإيرانية الممر الوحيد الآمن سياسيا واقتصاديا وعقائديا من الحدود الأورآسياوية إلى الشرق المتوسط، الذي يشترط على روسيا تأمين الممر الإيراني وعلى إيران تأمين الممر العراقي، حتى يصلا بأمان إلى سوريا جوهرة طموحاتهما التوسعية.
حتى الآن لم تصل التباينات الروسية الإيرانية في سوريا إلى مستوى الخلاف الفعلي ولا يمكن الرهان في المدى المنظور أو المتوسط على فك الارتباط بينهما نظرا إلى قناعتهما بأن لا مكاسب إضافية لأحدهما على حساب الآخر إذا ما قام طرف ثالث باستفراد كامل لأحدهما، وأن ذلك سيؤدي مستقبلا إلى اضعافهما وخسارتهما معا. ساعدتهما هذه المعادلة على تجاوز العديد من المحن السياسية التي توهّم البعض أنها من الممكن أن تؤدي إلى تفجير النزاع بينهما؛ فقد غضت طهران الطرف عن العلاقة المتينة بين موسكو وتل أبيب التي لم تتوقف منذ سنوات عن ضرب أهداف إيرانية استراتيجية على طول المساحة السورية دون أي ردة فعل من موسكو المتهمة من أطراف إيرانية بأنها تعطل دفاعاتها الجوية أثناء قيام الطيران الإسرائيلي بضرب أهداف إيرانية، وفي المقابل تغض روسيا الطرف عن عمليات التمكين الإيراني في سوريا التي تجاوزت حتى قدرة روسيا على مجاراتها، وهي ملتزمة بالحفاظ على الخطوط الحمر التي وضعتها "موسكو ـ تل أبيب" مقابل توافق ثلاثي مصلحي بينهما على حماية نظام الأسد.
قدرت الطرفين على التعايش مع الضغط الإسرائيلي سمح لهما في الالتفاف على كافة الضغوط الأخرى التي تعمل على الفصل بينهما حيث بات من المستبعد جدا أن تتجاوب موسكو مع المطالب الدولية في إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا خصوصا في مرحلة يعاد فيها ترتيب الأولويات الغربية والإقليمية في التعاطي مع منطقة الشرق الأوسط، خصوصا أن الطرفين يتعرضان لحصار سياسي وعقوبات اقتصادية، حيث ترزح طهران تحت وطأة إعادة فرض العقوبات المالية بعد انسحاب الإدارة الأميركية من الاتفاق النووي، فيما ينتظر الكرملين تداعيات تقرير المحقق الخاص روبرت مولر بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية على علاقته بالبيت الأبيض.
لن تنسى طهران ومعها الأسد، الذي يحاول إدارة التوازن بين العاصمتين، دور موسكو في هزيمة المعارضة، وفي المقابل تدرك موسكو حجم حاجتها للانتشار الميداني الإيراني الذي يغطي على تهالك قوات النظام ويعفيها من نشر عدد كبير من قواتها على الأرض، إذ يعود الفضل لإيران في تأمين المناطق التي يعاد احتلالها، لذلك يعمل الطرفان بمقتضيات حماية ثوابت مصالحهما الجيو-استراتيجية طويلة الأمد في سوريا بالرغم من بعض المتحولات السياسية التي تسود العلاقة بينهما.

البوم الصور