عناوین:

الجملة التي ترفع ضغط الدم

2/16/2019 8:28:30 PM
3616 مشاهدة
عبدالباري عطوان
+ -

الجملة التي تثير الغيظ، وترفع ضغط الدم، هي تلك التي يرددها بعض المسؤولين والكتاب والمعلقين العرب سواء في مقالات في الصحف، او في مقابلات على شاشات التلفزة، تتلخص في ان ايران تسيطر على اربع عواصم عربية، ويذكرون دمشق وصنعاء وبغداد على رأسها.
قد يكون احد المسؤولين الإيرانيين هو صاحب حقوق النشر، باعتباره اول من قالها، وتلقفها بعض العرب المعادين للمشروع الإيراني، ولكن تكرارها بطريقة مملة، تدين قائليها ودولهم اكثر مما تدين ايران.
إذا كانت ايران تسيطر على هذه العواصم العربية، ونحن نشك في ذلك، فهذا راجع الى غياب المشروع العربي، وانتشار الفساد، واهدار آلاف المليارات في الترف وتمويل خزائن الدول الغربية عبر صفقات أسلحة لم تستخدم مطلقا الا ضد الشقيق العربي.
الحكومات العربية التي تعتبر ايران هي الخطر الأكبر وليس إسرائيل، هي التي انخرطت في مشروع التدمير الأمريكي في العراق واليمن وسورية وليبيا، سواء بالتمويل الذي وصل الى اكثر من 300 مليار دولار على الاقل (مصاريف الحرب في اليمن التي تدخل عامها الخامس الشهر المقبل وحدها تصل الى 7 مليار دولار شهريا، حسب معهد بروكنغز الأمريكي)، او توفير الغطائين السياسي والإعلامي لهذا المخطط التدميري.
 ***
 إيران ورغم أربعين عاما من الحصار الأمريكي، اقامت دولة مؤسسات وطورت صناعة عسكرية جبارة عمادها الصواريخ الباليستية، مثلما طورت برامج نووية جبارة استخدمتها كورقة ضغط لتركيع الغرب وامريكا، والاهم من ذلك خرجت على العالم بظاهرة الفصائل العسكرية الثورية المسلحة والمدربة، وجعلتها اذرعها الضاربة في محيطها العربي والافغاني، في الوقت الذي دمر فيه الحكام العرب المقاومة الفلسطينية بتحريض امريكي تحت ذريعة السلام، والتقطت ايران هذه الهدية العربية الامريكية التي لا تقدر بثمن، وكان البديل في لبنان "حزب الله"، وفي العراق "الحشد الشعبي"، وفي اليمن حركة "انصار الله" الحوثية، وفي قطاع غزة حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، والآن تدعم ايران  حركة "طالبان" في أفغانستان التي باتت على وشك العودة الى الحكم، وإعادة بناء امارتها الإسلامية مجددا.
سبعون دولة اجتمعت في وارسو يوم الخميس الماضي بزعامة الولايات المتحدة لمواجهة ايران، وبتحريض من دولة الاحتلال الإسرائيلي، وكانت النتيجة بيانا باهتا، وخلافات عميقة، ومقاطعة أوروبية، وغياب روسيا والصين والهند، والحكومات الإسلامية والدولية الشريفة، وكان وزراء الخارجية العرب مثل الزوج المخدوع يهربون من أسئلة الصحافيين خجلا وعارا.
الا يسأل هؤلاء الذين يتوجون نتنياهو حليفا، وحاميا لهم، انفسهم عن الاسباب الحقيقية التي جعلت ايران العدو الأخطر بالنسبة الى اسرائيل وامريكا؟ اليس الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والمقدسات العربية الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة؟ الا تجعل هذه الحقيقة التي بات الرضع العرب يعرفونها، ان ايران دولة وطنية في نظر قطاع كبير من الرأي العام العربي؟
لو تحالفت ايران مع العدو الإسرائيلي ضد العرب والمسلمين، لما احتشدت كل هذه الدول بالعصا الامريكية ضدها، ولكانت ايران الدولة "المدللة" بالنسبة الى الغرب والشرق معا، ولفرضت الجزية على كل الممالك والامارات العربية في منطقة الخليج العربي بضوء اخضر امريكي إسرائيلي.
***
 انه امر مهين ان يتحدث عرب عن سيطرة ايران على اربع عواصم عربية، مهين لهم، لان هذا الحديث يكشف فشلهم وقصورهم الذي أدى الى هذا الوضع العربي المخجل، وعليهم ان يكفوا عن البكاء واللطم، والبحث عن استراتيجيات وبرامج عمل وتسليح تعود بالامة الى ينابيع الكرامة والوطنية، وتحصن مدنها وعواصمها، من أي نفوذ اجنبي.
من يريد مواجهة النفوذ الإيراني لا يذهب الى بنيامين نتنياهو متذللا طالبا الحماية، ويتوّجه زعيما على المنطقة بأسرها، ويقدم له كل الطاعة والولاء، بل يمتلك أسباب القوة ويسعى لبناء مشروع عربي مقاوم يعيد للامة ريادتها.
في مؤتمر وارسو باع بعض العرب المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وكل مدينة القدس المحتلة، مثلما باع ابو عبد الله الصغير غرناطة الى فرديناند وايزابيلا، ولكن مع فارق أساسي ان أبو عبد الله الصغير الاندلسي قدم مفاتيح المدينة نادما وباكيا، بينما “احفاده” في وارسو قدموا مفاتيح القدس لنتنياهو وهم مبتسمون وفرحون.. وانها قمة المأساة، وذروة البؤس والهوان.

نقلا عن "رأي اليوم"

 

البوم الصور