عناوین:

مصير حكومة علاوي

2/15/2020 5:54:31 PM
4934 مشاهدة
عبدالحليم قنديل
+ -

احتمال تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، وبافتراض مرورها بسلاسة في مجلس النواب، وحصولها على ثقة الكتل والأحزاب المتحكمة، لن يكون بالتأكيد محطة الختام في أحداث العراق الدامية، وانتفاضة شبابه العارمة الباسلة، التي مضت أربعة شهور وتزيد على تفجرها، وتعرضت لأعنف موجة قمع وخطف واغتيالات، وبلغت حصيلة ضحاياها من شهداء وجرحى ما قد يتجاوز الثلاثين ألفا بكثير.
وتوفيق علاوي كما هو معروف، قريب عائليا من إياد علاوي الشيعي العلماني، ورئيس الوزراء الأسبق والقيادي السابق في حزب البعث العراقي، وسليل أسرة عريقة، ورغم ميراث عائلي حافل سياسيا، لا يبدو توفيق علاوي مطمئنا تماما إلى نجاح مهمته في الإنقاذ، وطالب المنتفضين بالاستمرار في حراكهم الثوري، واعتبرهم ـ كما قال ـ سنده الأساسي الحاسم، فما من حزب أو كتلة تدعمه بإخلاص، وكان الرجل في ما مضى، عضوا في حزب الدعوة الإسلامية (الشيعي)، وتركه مبكرا، ودخل الانتخابات على قوائم قريبه إياد علاوي العابرة للطائفية المقيتة، وكان توفيق وزيرا للاتصالات في حكومة نوري المالكي، ثم اصطدم به، كما فعل الآخرون، بعد استيلاء «داعش» على ثلث العراق في ساعات، ثم جرى إقصاء المالكي الذي لا يزال أمينا عاما لحزب الدعوة، وتشكيل حكومة حيدر العبادي، وكان هو الآخر قياديا في حزب الدعوة، إلى أن انفصل، وكون مع جماعته «تحالف النصر»، الذي تراجع في نتائج آخر انتخابات برلمانية، وتقدمت عليه كتلتا «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر، و»الفتح» بزعامة هادي العامري، وقد أبدت الكتلتان الأخيرتان دعما ضمنيا لتولية توفيق علاوي، بعد اضطرار رجلهما السابق عادل عبد المهدي للاستقالة، تحت ضغط الشارع الثائر.
وأيا ما كانت فرص حكومة علاوي في نيل الثقة البرلمانية، وقد تبدو مرجحة نظريا، لغياب بدائل الأحزاب ذات الغالبية، وقد اضطرت لسحب مرشحيها واحدا تلو الآخر، لكن ثقة البرلمان ليست نهاية المطاف، فالأهم هو ثقة الشارع الغائبة، باعتراف علاوي نفسه، الذي وعد بحل البرلمان الحالي، والتوجه لإجراء انتخابات جديدة، لن تكون على الأغلب مرضية للمنتفضين، فقد بلغ السيل الزبى كما قال القدماء، وانهارت ثقة الشارع تماما بالكتل والأحزاب المتحكمة، وبسيرة الانتخابات نفسها، التي وصفها توفيق علاوي نفسه بالمزورة تماما، فالرجل الذي أقام خارج العراق غالب وقته، وطورد بأحكام سجن ألغيت لاحقا، يبدو فاقد الثقة تماما بالإدارة العراقية للانتخابات، وقد جرى تعديل على تشكيل مفوضية الانتخابات عبر البرلمان، الذي لا يحظى عند علاوي بالثقة في سلامة تشكيله، ففي محاضرة ألقاها قبل شهرين، وجهها لجمع من الجالية العراقية في ولاية فرجينيا الأمريكية، ولم يكن قد اختير بعد مرشحا لرئاسة الوزراء، وصف علاوي وقتها (12 ديسمبر/كانون الأول 2019) انتخابات 2018 بالمزورة تماما، واستشهد بواقعة حرق أكبر مخازن أوراق التصويت قبل إعادة الفرز اليدوي، وقال إن مراجعات جرت بالعينة الجزئية، أقصت 12 نائبا جرى إعلان فوزهم، وهو ما يعني بحسب رأي علاوي، أن 120 نائبا على الأقل من البرلمان الحالي جاءوا بالتزوير، من جملة 329 نائبا، هم كل الأعضاء، فوق أن البرلمان كله لا يعبر سوى عن تصويت 13% من الناخبين العراقيين، بحسب تقدير علاوي، الذي طالب بتنظيم أممي مباشر للانتخابات، وأسهب الرجل في تشريح امبراطورية اللصوص التي تحكم العراق، وقال إن الجهات الرقابية مزرعة كبرى للفاسدين، ودعم ما يقال عن حجم السرقات المهولة، التي تخصصت فيها أحزاب معينة، تبيع كل شيء، من مناصب الوزراء إلى عضوية البرلمان ومجالس المحافظات، وإلى مديري مكاتب الوزراء، الذين هم السلطة المهيمنة، وإلى «المفتشين العامين» على أداء الوزارات، الذين هم في رأيه أفسد اللصوص، وأغلبهم من عضوية حزب بعينه، في إشارة ضمنية منه غالبا إلى حزب الدعوة (الإسلامية)، وضرب مثلا كاشفا بعملية إضافة ثمانية آلاف ميجاوات إلى شبكة كهرباء العراق، وقال إنها تتكلف في التقديرات الدولية ما بين ستة إلى ثمانية مليارات دولار، بينما أنفق باسمها في العراق ثلاثون مليار دولار من خزانة الدولة، وقد جرى نزح ما بين 450 ـ 600 مليار دولار، بحسب تقديرات شبه رسمية خارج حديث علاوي، وقد تكفي شهادة توفيق علاوي نفسه للحكم بصعوبة، وربما استحالة مهمته في إنقاذ يستعيد بعضا من ثقة الشارع.
ومحصلة ما تقدم في بساطة، أن فرصة توفيق علاوي في النجاح، وإدارة الحرب ضد ديناصورات الفساد، تكاد تكون معدومة، خصوصا مع ما عرف عن علاوي من ضعف وليونة الشخصية وتواضع الثقل السياسي، فالرجل يريد ـ كما يقول ـ فصل السياسة عن الدين، وثوار العراق كفروا بالأحزاب الدينية كلها، شيعية كانت أو سنية، بعد تكشف حقيقة من يسمون أنفسهم بالتيارات الإسلامية، وقد بدت لصوصيتها مذهلة، حين حكمت العراق بعد شنق صدام حسين، واستأثرت بموارد البلد الطبيعية الفائقة الثراء، وتركت أغلب العراقيين نهبا للفقر والمرض والضياع، فوق أن هذه الأحزاب بطبعها التكويني، لا تعرف المعنى الوطني العراقي من أصله، ولا تقيم وزنا للوطنية العراقية الجامعة، ولا لأولوية الاستقلال الوطني، واشتغلت كجماعات خدمة للمحتلين وللمهيمنين، وتورطت في قتل العراقيين بمئات الآلاف، ومزقت الوطن العراقي، وقادت حملات ذبح وتهجير وفرز طائفي مرعبة، وتوزعت في ولاءاتها بين المحتلين الأمريكيين أو المهيمنين الإيرانيين، أو عملت على كسب رعاية الطرفين معا، وتعودت على الاحتيال، وعلى طريقة ما جرى قبل آخر انتخابات برلمانية، حين تدافعت في استبدال الأسماء، وترك الواجهات الدينية المدعاة، واستعمال أسماء تبدو مدنية، على طريقة «سائرون» و»النصر» و»دولة القانون» إلى آخره، وهو ما لم يجد نفعا مع عموم المواطنين المقهورين المستضعفين، الذين أعطوا الأحزاب كلها ظهورهم، ثم ثاروا ضدها في غضبة لا تلين، رغم لجوء الأحزاب وميليشياتها إلى القتل المباشر لقادة المنتفضين، الذين جاء جلهم هذه المرة من شيعة العراق العرب، بما أفسد حيل التحشيد الطائفي، التي استثمرت من قبل لتسويغ قمع انتفاضة مدن السنة العرب، ثم هدم هذه المدن بالكامل، بدعوى الحرب ضد إرهاب «داعش»، وهو ما يعني أن القسمة لم تعد بين شيعة وسنة هذه المرة، بل بين وطنيين عراقيين من جهة، وخدم مباشرين لتوابع الاحتلال الأمريكي والهيمنة الإيرانية على الجهة المعادية، ما يفسر طبيعة الانتفاضة العراقية الراهنة الممتدة، وهي وطنية شاملة في الجوهر، وشعارها الجامع (نريد وطنا)، فهي تريد استعادة «العروة الوثقى» بين العراقيين ووطنهم المضيع، وتريد تحرير العراق من التابعين وحكوماتهم، ومن المحاصصات اللقيطة، التي أنهكت العراقيين واستنزفتهم، وجعلت العراق العزيز القوي أثرا بعد عين، وأغلقت سبل الحياة الكريمة، ودهورت مستوى معيشة العراقيين في غالبهم، ودمرت معنى ومبنى وجود الدولة العراقية، إلا من هياكل وصور ركيكة، تدهس العراقيين صونا لسرقاتها وسترا لعجزها المريب، وتدير الحرب الشرسة ضد المنتفضين بالقتل أو بالاحتيال المكشوف، على طريقة ميليشيات مقتدى الصدر، الذي تظاهر بدعم الانتفاضة، ثم انقلب عليها، بعد أن خرجت الأمور من يده، وبعد أن تكشف دوره الحقيقي كاحتياطي سياسي استراتيجي للهيمنة الإيرانية، وبعد أن دمرت تناقضاته صورته المتنورة المصطنعة، وبعد أن أمر أنصاره بالانسحاب من ساحات التظاهر، وبعد أن أوغل في قتل المتظاهرين بسكاكين من سماهم بذوي القبعات الزرقاء، وبعد أن تورط في ممارسات سبق له إعلان استنكارها، وبعد إشهاره العداء لنساء العراق وفتياته المتظاهرات، بدعوى حرمة الاختلاط، فعاندته روح الانتفاضة المتحدية العفية، وتقدمت جماهير جديدة لتملأ فراغ الميادين، وتصدح برفض كل البدائل الحزبية، بما فيها تنصيب علاوي نفسه، فالمنتفضون يدركون عمق محنة العراق، المتراكمة طبقاتها منذ غزو واحتلال البلد في إبريل/نيسان 2003، ثم حل الجيش الوطني العراقي القائم على مبدأ التجنيد العام، وإصدار قانون اجتثاث حزب البعث، وما تبعه من مجازر، وإفراغ الدولة العراقية من كوادرها الفنية والإدارية المؤهلة، وفرض دستور الحاكم الأمريكي بول بريمر، وتضاعف معدلات الهيمنة الإيرانية المستفيدة من تحطيم قوة العراق، وابتلاء البلد بسرطان تحكم تيارات اليمين الديني، وتجيير الميليشيات الطائفية لحماية عصابات اللصوص، وهو ما يعني بوضوح، أن المطلوب ليس أقل من استعادة العراق للعراقيين، وتلك مهمة تحرير أكبر من طاقة توفيق علاوي وحكومته، مهما حسنت النوايا.

البوم الصور