عناوین:

"القسوة" ظاهرة جديدة في الثقافة العراقية الحديثة

8/22/2019 9:24:58 AM
1773 مشاهدة
صلاح الحسن
+ -

بسبب القسوة المفرطة التي يتعرض لها المواطن العراقي في كل مكان يتواجد فيه بعد الحروب الكارثية التي تعرض لها العراق وآخرها كارثة الغزو الأميركي، بدأت الثقافة العراقية تتمظهر بأشكال جديدة لم تكن معروفة من قبل، بعدما تعرضت للتصدع والتفكك خلال الخمسين سنة الماضية. من هذه المظاهر التي بدأت تشكل ثيمة أساسية في الكثير من الأعمال الإبداعية حاليا، ظاهرة "القسوة" أو "الإزعاج" الموجه إلى الجمهور الذي يتابع أعمال المثقفين والفنانين العراقيين.
يستطيع الفنان استخدام هذه التقنية في المسرح وفي الفن التشكيلي والموسيقى بشكل كبير، وفي الفنون الكتابية أيضا، إنما بشكل أقل، لأسباب كثيرة منها أن الكاتب أو الشاعر سيكون بعيدا من متلقيه، لأن مجاله هنا الصحف أو المجلات أو الانترنت.
نتحدث هنا عن تورية تؤدي أكثر من غرض على أكثر من صعيد. فالمسرحي يستطيع أن يخترق جمهوره ويشركه في عمله من دون إرادة هذا الجمهور. كما يمكن للفنان التشكيلي أن يستخدم اللعبة ذاتها عن طريق استخدام المؤثرات الصوتية والفيلمية إلى جانب لوحاته. وأيضا يستطيع الموسيقي أن يفعل ذلك عن طريق آلته التي يتحكم في مفاتيحها وأوتارها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن، هو لماذا بدأ الفنانون العراقيون يستخدمون تقنية "القسوة" في هذا الوقت بالذات، مع أن ما تعرضوا له أيام النظام الدكتاتوري السابق لم يكن أقل قسوة مما يحصل في العراق اليوم؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، أود القول أن هذه التقنية جديدة على الثقافة العراقية والعربية في شكل عام، مع الإشارة إلى أن رائدها هو الفنان المسرحي والشاعر الفرنسي آرتو، العبقري المجنون الذي قضى نصف حياته في المصحات.
ببساطة شديدة، يمكن القول إن الفنانين العراقيين لم يكونوا في حاجة إلى استخدام هذه التقنية قبل العام 2003، ليس لأنهم لا يعرفونها، بل لأنهم كانوا في أتون القسوة ذاته وغارقين في الكابوس، وبالتالي لا داعي لتكرار الفعل ذاته لأنه سيصبح اجترارا. وحين انتهى الكابوس، انتبهوا إلى أن أصواتهم اختفت ولم يعودوا قادرين، أو في واقع الأمر لم يعد أحد يستمع لهم في ضوء المتغيرات الجديدة التي جاءتهم بكل ما هو غريب وطارئ ومشوه.
كان النظام السابق العدو الواضح والأوحد لهؤلاء الناس، وكان في إمكانهم إن يوجهوا رفضهم له بطرق كثيرة لا تحتاج إلى تقنيات خاصة. أما الآن، وقد أصبح العدو يتناسل ويتقنع بأقنعة كثيرة، فقد اختلط الأمر على هؤلاء الفنانين وما عادوا يعرفون من هو العدو الحقيقي.
وسط هذا التيه الكامل حاولوا اللجوء إلى هذه التقنية التي قد يكون في إمكانهم من خلالها استرجاع أصواتهم التي ضاعت في هذه الفوضى العارمة.
ثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهي أن هؤلاء الفنانين هم من المستقلين الذين لم ينتموا يوما إلى حزب أو حركة سياسية، ومعظمهم ما زالوا يعيشون في منفاهم، على العكس من الكثير من الفنانين أو المثقفين الذين انضووا تحت خيام الأحزاب والحركات السياسية الجديدة التي وفرت لهم غطاء سياسيا أو طائفيا أو قوميا لا يحتاجون معه إلى البحث عن تقنيات جديدة مثل هذه التقنية، إذ أنهم أصبحوا "صوتا" لهذه الأحزاب.
في هذا المجال، ومن خلال معايشتي بعض الفنانين العراقيين الذين يعيشون في أوروبا، يمكنني أن استعرض بعض النماذج التي استعارت هذه التقنية (القسوة) في الأعمال التي قدمت في السنوات الخمس الأخيرة بعد الاحتلال، وكيف استثمر كل فنان هذه التقنية بطريقته الخاصة.
في بلجيكا، قدم المخرج العراقي المعروف حازم كمال الدين مسرحية "مدينة السلاح" وهي من تأليف كاتب هذه السطور وقدمت في هولندا وبلجيكا باللغة الهولندية. استخدم المخرج تقنية "القسوة" حين جعل الممثلين يحدقون في الجمهور بطريقة مباشرة واستفزازية ويروون له حكاية لا تعني شيئاً، يكررونها بطريقة فجة مع حركات عنيفة. يشعر الجمهور في مثل هذه اللحظات بالتوتر ويفكر في مغادرة القاعة، لكنه لا يستطيع لأن الممثل لا يمنحه هذه الفرصة. بعد هذا الإزعاج القاسي، يقدم الممثل معلومة مهمة تجعل المشاهد يعود إلى العرض من جديد إنما بانتباه خاص. وبهذه الطريقة، يستطيع المخرج أن يوصل الرسالة التي يريد إبلاغها إلى جمهور المشاهدين "صوته الغائب أو المغيب".
في المجال الموسيقي، قدم الموسيقار العراقي أحمد مختار في أمسية لندنية مجموعة مقطوعات من عمله الموسيقي "الطريق إلى بغداد". ومن خلال قطعة بعنوان: "رثاء النخيل"، عزف مختار بعض الحركات الموسيقية التي شعر معها السامع بأصوات حادة تنطلق من آلة العود، لم تعتادها الأذن العربية.
في المقطع الثاني من هذه القطعة التي تتكون من ثلاث حركات، استخدم مختار الموضع الثالث من العود والطبقات الحادة جداً مع نوطات كروماتيكية لا مقامية. في هذه الجمل الموسيقية، استخدم الفنان ثلاثة أصوات هارمونية على ثلاثة أوتار في أعلى الطبقات التي تصل إلى فتحة العود الكبيرة. تبدو الأصوات متنافرة حين تعزف انفرادا، وتعطي صوتا منسجما وغريبا حين تعزف في آن معا. العزف (دبل الفورتية) قوي جدا، ومع اللامقامية تظهر غرابة اللحن وقسوته على الأذن العربية التي اعتادت المقام، ما جعل الجمهور يصم أذنيه.
أما التقنية التي استخدمها الفنان التشكيلي صادق كويش، فاعتمدت الرسم والـ "فيديو آرت"، إذ يقوم المعرض على التكامل بين تقنيتي الرسم والفيديو، إلى جانب اللوحات المعروضة. يُظهر عرض الفيديو رجلاً يرتدي كفناً أبيض وهو يستعد لرحلة الموت مع صوت يردد جملة واحدة فقط، تتكرر باستمرار لإزعاج المشاهد وإجباره على التركيز على مناخات الأعمال. هذه الجملة تقول: "عزيزي ريلكة، نحن كلنا مسافرون...".
في المجال الشعري، يمكن أن نختار الشاعر الراحل سركون بولص الذي لم يكن منشغلا بأي شيء سوى الألم، كانت له حياة قديس مركبة على هيئة شاعر يجوب البراري والمدن المهجورة من أجل إكسير لهذا الألم الذي أصبح الخبز اليومي له وللناس الذين تجشم من أجلهم هذه المهمة الرسولية، التي كان مدفوعا إليها دفعا كقدر غير مردود (رجل أراد أن يعزف على قيثارة الآلهة... سقطت أصابعه في البار بين أقدام العاهرات). القسوة هنا غير مرئية وملطفة إلى أقصى حد، ويعمل اللاوعي على تخفيف حدتها، لكنها تبرز إلى السطح مخترقة كل الحواجز النفسية بسبب ديناميكيتها التي تخلق صورا لا يمكن للوعي أن يمحوها.
وفي مكان آخر، يسترجع بولص معاناته الشخصية التي انتهت بموته في غربته الغريبة، حين تتكرر المأساة التي عاشها هو قبل أربعين عاما، إذ يستمع لحكاية لاجئ عراقي وصل توا إلى المنفى الذي لا يعرف عنه شيئا ولا يعرف ماذا ينتظره هناك.
(اللاجئ المستغرق في سرد حكايته / لا يحس بالنار عندما تلسع أصابعه السيجارة / مستغرق في دهشة أن يكون هنا / بعد كل الهناكات : المحطات والمرافئ / دوريات التفتيش، الأوراق المزورة ... معلق من سلسلة التفاصيل/ في حلقاتها الضيقة / ضيق البلاد التي تكدست على صدرها الكوابيس). تتخذ القسوة هنا طابعا سرديا من أجل أن تكون نثرية وقابلة للتفتيت، لتتخلص من حتميتها المأساوية. ولكن هيهات، فهي تبقى قسوة بكل معانيها المعلنة أو المبطنة. وقد تكون أكثر من ذلك حين تتحول من حدث عابر إلى ذاكرة تزدحم بكل ما هو قابل للخدش وبالتالي للنزيف.
لماذا بدأ الفنانون العراقيون يستخدمون تقنية "القسوة" في هذا الوقت بالذات، مع أن ما تعرضوا له أيام النظام الدكتاتوري السابق لم يكن أقل قسوة مما يحصل في العراق اليوم؟
بسبب القسوة المفرطة التي يتعرض لها المواطن العراقي في كل مكان يتواجد فيه بعد الحروب الكارثية التي تعرض لها العراق وآخرها كارثة الغزو الأميركي، بدأت الثقافة العراقية تتمظهر بأشكال جديدة لم تكن معروفة من قبل.

البوم الصور